رؤية استشرافية.. ما بين عملية “عوفر” في رام الله والميثاق الوطني الفلسطيني.. جدل بين السياسة ولغة السلاح

بكر السباتين

ما حدث قرب مستوطنة “عوفر” الإسرائيلية ليس خبراً عابراً يمكن المرور عنه ببساطة.. وخاصة أنه حدث في منطقة سلطة أوسلو المكبلة باتفاقيات أمنية جائرة بين الجلاد والضحية منذ عام 1993..

إن ما حدث قرب مستوطنة “عوفر” شمال رام الله.. يعد الترجمة الموضوعية للصراع الطبيعي بين القاتل المحتل والضحية.. لا بل جاءت بمثابة من يعلق الجرس للدفع بالمقاومة كي تستعيد أنفاسها من جديد في منطقة حظر فيها السلاح، وكأنه يعيد الشعب الفلسطيني إلى فترة الانتداب البريطاني على فلسطيني يوم كان سلطاته الأمنية تقوم بنفس الدور وتفسح المجال للعصابات الصهيونية بمباغتة الفلسطينيين والتنكيل بهم.. ربما هي مقارنة قاسية لكن الواقع يؤيد ذلك مع بالغ الأسف..

إن مهمة المقاوم في مثل هذه الظروف السائدة والمليئة بالعقبات في الضفة الغربية تعد أمراً صعباً لعدم توفر الدعم اللوجستي في عملية يتحرك أبطالها في ظل الخوق من أجهزة المخابرات التابعة لجهاز التنسيق الأمني بين السلطة والكيان الإسرائيلي، وذلك خلافاً للدور الذي من المفروض أن يناط بقيادة شعب يحتل العدو أرضه ويمتهن كرامته.

وينبغي في سياق ذلك الانتباه إلى أن الأمر بالنسبة لمنفذي عملية “عوفر” جاء وفق تطورات نفسية تفاعلت في أعماق المنفذين وعقلهم الجمعي الباطني.. ربما تكون قد بدأت بتحررهم أولاً من فوبيا ” قوانين التنسيق الأمني بين سلطة أوسلو والأمن الإسرائيلي”، ومن ثم إعادة البناء والتأهيل الروحي والنفسي للمنفذين بغية خوض تجربة المواجهة العسكرية مع العدو.. أما إذا كانت تقف وراء هذه العملية جهة تنظيمية تسعى لبث الروح في المقاومة التي وُئِدَتْ تحت ركام مخيم جنين إبان المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية في الانتفاضة الفلسطينية عام 2002؛ فإن ذلك يذكرنا بخيار الكفاح المسلح الذي ما لبث فاعلاً في الرؤية الإستراتيجية للمقاومة التي تقيم متاريسها في غزة وتحفر الأنفاق وتصوب صواريخها نحو أهدافها في العمق الإسرائيلي.. وهو طموح متنامي لدى قادتها باتجاه نقل فعاليات المقاومة إلى رام الله التي يسيطر عليها حفنة من الفاسدين.

وما دامت العملية حدثت شمال رام الله بالتحديد، التي تقع تحت سيادة سلطة أوسلو؛ فإن قراءة مثل هذا النوع من العمليات سيتخذ مسلكاً تحليلياً آخر على اعتبار أن أهم مقومات ثبات السلطة هي سريان اتفاقية التنسيق الأمني، ووأد بنود الميثاق الوطني الفلسطيني وخاصة ما كانت تدعو إلى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر..

والتنسيق الأمني ولد من رحم اتفاقية أوسلو عام 1993م، ويعني ترتيبات الأمن بين السلطة والاحتلال، وينص على أن الأمن الإجمالي في أراضي ال(  67) هو مسؤولية “إسرائيل”، ما يعطيها حق العمل الأمني فيها في أي وقت تشاء.

وعلى أساس الاتفاق الأمني، فإن “إسرائيل” والسلطة تتبادلان المعلومات حول أعمال خلايا حماس ومنظمات أخرى. وتتقاسمان الأدوار في معالجة الاحداث الجنائية، وتنسقان العمل عند المظاهرات والمواجهات، وذلك من أجل الاستمرار في السيطرة على الوضع.

إذاً التنسيق الأمني، ينص على اعتقال من يشتبه برغبته ونيته مهاجمة الاحتلال وعلى زجه في السجون من دون محاكمة، ومنع العمليات ضد الإسرائيليين.

من هنا يمكن قراءة عملية إطلاق مركبة فلسطينية النار صوب موقف يستخدمه إسرائيليون قرب مستوطنة “عوفر” شمالي رام الله، يوم أمس الإثنين الموافق 11 سبتمبر 2016، حيث افادت القناة العاشرة الإسرائيلية بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي فام على الفور بمصادرة كاميرات مراقبة من منازل فلسطينيين في قرى شمال رام الله، واقتحم مدينة رام الله الخاضعة للسلطة الفلسطينية في إطار بحثه عن المسلحين الفلسطينيين الذين نفذوا هذه العملية البطولية التي جرح من جرائها سبعة إسرائيليين. وفي ذات السياق ألقى فلسطينيون الحجارة باتجاه الجنود الذين ردوا بإطلاق الغاز المسيل للدموع، وفق ما أفاد مراسلو وكالة فرانس برس.

ربما هي عمليات فردية ينفذها فلسطينيون هنا أو هناك؛ لكنها تحمل في طياتها رسائل تذكرنا بخيار الكفاح المسلح الذي تم إلغاءه (كما أشرنا آنفاً) من الميثاق الوطني الفلسطيني منذ بدء مفاوضات مدريد وأوسلو قبل عقود خلت.

صحيح أن حركات التحرر على الأرض ومنها منظمة التحرير الفلسطينية، لم يخل تاريخها من أخطاء جسيمة أحياناً؛ غير ان عامل الاخفاق الاساسي في مسيرة بعضها وكما هو الحال في المشهد السياسي الفلسطيني، كان يتجلى بغموض البرنامج السياسي وتعارضه مع التنفيذ العملي للأهداف المضمنة في هذا البرنامج الذي من صفات نجاحه دينامية تؤهله للتطوير ولكن ليس إلى درجة تغيير المبادئ والأسس التي تقوم عليها الحقوق الوطنية، على اعتبار أن التغيير يكون ممكناً في إطار قواعد الاشتباك والرؤى السياسية التي لا تمس الحقوق المشروعة.

وذلك ينطبق ايضا على مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية بما هي حركة تحرر هدفها كان يقوم على كنس الكيان الصهيوني عن ارض فلسطين.. ولكن الفخ الذي وقعت فيه هذه الحركة التحررية تبلور من خلال تخليها عن التمسك بالأهداف الاستراتيجية ومنها “الميثاق الوطني الفلسطيني” دون احتساب موازين القوى الاقليمية والدولية.. وهو ما جلب الخيبات والنكسات إلى المشهد السياسي الفلسطيني وصولاً إلى مؤامرة صفقة القرن، وذلك منذ تبني البرنامج المرحلي الهادف لإقامة الدولة الفلسطينية عام 1974 وفق القرارات الدولية مع الاحتفاظ بالهدف النهائي.. ثم هدم المشروع النضالي الفلسطيني في اوسلو والذي جرى تشذيبه في “واي بلانتيشن” بغض الطرف عن الهدف الاستراتيجي القائم على تحرير فلسطين، ومن ثم اشهار التخلي نهائياً عن هذا الهدف في 14 ديسمبر 1998 بعقد مؤتمر غزة الذي حضره الرئيس الامريكي بيل كلينتون لتكريس الغاء بنود الميثاق الوطني الداعية لإزالة الكيان الإسرائيلي المحتل.

إن الحنين إلى تلك الأيام جارف والطريق إلى خيار المقاومة في ظل مؤامرة صفقة القرن بات معبداً، ومنفذو عملية “عوفر” علقوا الجرس.. فهل تتحول الضفة الغربية إلى غزة جديدة فيتكاتف الشعب الفلسطيني خلف بندقية التحرير!

النتائج مرهونة بقادم الأيام حيث يتمطى طائر الفينيق الفلسطيني بين الرماد كي يعيد خارطة الطريق الفاعلة للفلسطينيين.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here