ذكريات لم تمحها 35 سنة

amimourok1.jpg66177

دكتور محيي الدين عميمور

 

عندما كنت أحتفل في قالمة بذكرى مرور 35 سنة على رحيل الرئيس بو مدين كانت الذكريات تتدافع في مخيلتي تدافع أطفال يخرجون من باب المدرسة الضيق بعد انتهاء اليوم الدراسي.

كان المكان قاعة بسيطة في بلدية هواري بو مدين، بدعوة من جمعية الوئام المحلية، أي أن الاحتفال كان محليا بكل الوجه، حيث أنه لم يكن هناك أي احتفال على مستوى الدول لأسباب لا أعرف عنها شيئا.

وكان أهم ما مر بخيالي في تلك اللحظات مذكرات الرئيس التي كتبها بخط يده وهو على فراش المرض في موسكو، حيث لم يكن في الأسطر القليلة التي قرأتها على الإطلاق ما يشير إلى شعوره بأنه على أبواب الآخرة، وعلى الرغم من استعراضه لمعاناته في بعض الأحيان، مثلما كتب عن سقوطه عندما أراد التوجه للحمّام فقال: وقفت متجها للحمّام ولكنني سقطتُ على الأرض مثل البعير الشارف (العجوز) بل بالعكس، كانت كل الكلمات تحمل اشتياقه ورغبته الشديدة في العودة السريعة إلى أرض الوطن، وعبّر عن ذلك بكلمات قال فيها بخط يده: لو كنت طائرا لقطعت كل المسافات وعدتُ سريعا للجزائر، وكانت كلماته تحمل الكثير من الآمال بالنسبة للمستقبل، وتضم بعض الأسماء التي كان ينوي عزلها وإحالتها على التقاعد بعد عودته من روسيا وكذا بعض التفاصيل عن المرحلة القادمة للجزائر المستقلة.

والسبب واضح في ذكري لكل هذا.

وتقودني الذكريات التي تثمن شخصية الرئيس بو مدين إلى إحدى الشهادات التي جاءت في حق الرئيس الراحل من أحد الذين حَكم عليهم بالإعدام لأنه تورط في محاولة اغتياله في 1968 وهو الرائد عمار ملاح، الذي لم ينفذ فيه بو مدين الحكم، وسجن سنوات ثم أطلق سراحه، هذا الرجل قال لي وهو يحتضنني والدموع في عينيه : خسارة، ضاع منا بومدين، ولم نعرف قيمته إلا عندما غاب إلى الأبد! ، وعندما يصدر مثل هذا الكلام عن رجل حُكم عليه بالإعدام من طرف الرئيس فإنه يدل على قيمة الراحل، وهو ما أكده الرئيس بو ضياف عندما علق على جنازة بو مدين قائلا : رجل يحبه شعبه كل هذا الحب، لا بد أنه كان على حق.

بدأت علاقاتي المباشرة مع الرئيس بومدين عندما استدعاني في 11 ماي ليقدم التعازي في وفاة والدي، وليعبر له عن رغبته في أن يعمل إلى جانبه، وكنت أعرف أنه كان يتابع مسيرتي خصوصا خلال عملي في البحرية الوطنية، طبيبا ومحافظا سياسيا، ثم من خلال مقالاتي المتتالية في مجلة الجيش والمجاهد وصحيفة الشعب.

وهكذا بدأت المهمة مع أول يونيو من نفس العام، وكان إحساسي بأن صلبها هو تقديم الصورة الحقيقية للرجل الذي كان تظلمه الصور غير الملونة وبعض التعليقات في الصحف الأجنبية وفي جلسات الطلقاء، أي أن مهمتي كما رأيتها كانت باختصار: صياغة معالم الصورة الجماهيرية للرئيس.

وهنا كنت حريصا على تقريب حقيقة الرئيس من الشعب وإبراز صورته البسيطة والمتواضعة، عن طريق تمرير بعض اللقطات المصورة بينه وبين المواطنين، وهذا ما حدث عندما مرّرت تسجيلا له مع أحد الفلاحين، الذي سأله الرئيس فيه عن عدد أبناءه ليجيبه الفلاح بأنه يملك 16 طفلا، ويسأل الرئيس :…وما زال ؟؟؟، وكان يريد أن يعرف ما إذا كان الرجل يريد أن ينجب أطفالا آخرين، لكن الفلاح فهم أن الرئيس يتساءل عن قدرته على الإنجاب في هذه السن، وعندها انطلق يزأر بكلمة ممطوطة وإصرار عجيب : ما زااااااااال، وأدرك الرئيس على الفور ما فهمه الفلاح فانفجر في ضحكة عميقة صافية.

وعندما جرى بث الحوار في النشرة الإخبارية شاهد الجزائريين من رئيسهم ما لم يكن مألوفا لديهم، وتلقيت مكالمة غاضبة من بومدين سألني فيها: لماذا سمحت بعرض هذه اللقطة الضاحكة؟، وأجبت بسرعة وبعفوية، لقد أعجبتني لأنها صادقة، ويرد الرئيس بنفس طريقته في إنهاء المحادثة : الله يعاونك.

ودلالة هذا هي أن الرئيس كان يحترم رؤية مساعديه ويقدر مجهودهم وعملهم ولم يكن ليفرض رأيه على غيره، بل كان يتفهم اجتهادهم ويدرك صدقهم في أداء مهمتهم.

وفي صورة مغايرة، وتحديدا بتاريخ 16 جوان 1972، جرى اجتماع للرئيس مع الفلاحين في قصر الأمم، وأحسست أن لغة حوار الرئيس وهو يخاطب الفلاحين لم تكن في شموخ تعبيراته الخطابية المألوفة، فترددت في بث ما قاله، واستشرت في ذلك في التلفزيون أحد قدامى العاملين في مجال الإعلام، والذي زعم بعضهم أنه كان يوما يأمل في انتزاع نفس منصبي في الرئاسة، وقال لي الإعلامي العريق محذراَ : هل تريد أن تمارس الرقابة على الرئيس؟.

وهكذا سمحت ببث التسجيل كما هو دون زيادة أو نقصان، ويطلبني الرئيس بومدين هاتفيا إثر مرور اللقطة في النشرة المتلفزة ليقول لي غاضبا: “…هبلت.. (هل جًننت)، كيف تسمح بنشر تعبيرات استعملتها عمدا ليفهم كلامي من قبل الفلاحين البسطاء؟، ودافعت عن نفسي وقلت له بأني استشرت من سبقوني إلى مجال الإعلام، والذين قالوا لي بما يشبه التهديد والتحذير: هل تمارس الرقابة على الرئيس؟ ويجيب بومدين: لو عوّلت (لو كنت أعتمد) عليهم ما أتيت بك إلى هنا.

لكن ما حدث في اليوم التالي أعطاني الصورة الحقيقية لذلك الرجل الكبير.

كان ذلك في اليوم الذي أصبح فيما بعد يُسمّى يوم الفلاح أي تحديدا إلى تاريخ 17 جوان 1972، حيث كنت أشرف على العمل الإعلامي في خميس الخشنة في حفل شعبي ورسمي كان تحت إشراف بو مدين، الذي وقف في المنصة الشرفية مع كبار رفاقه، بينما كنت أنا في الساحة السفلي أتابع عملي مع الصحفيين.

وما أن انتهى الرئيس من خطابه وتوزيع بعض أوراق الاستفادة من الأراضي الزراعية حتى ترك عملية التوزيع لبعض أعضاء من مجلس الثورة، ورحت أنا  أواصل تحركي في ساحة اللقاء الجماهيري، وإذا بي أفاجأ بصوت بو مدين العميق يناديني من ورائي : محيي الدين.

وتجمدت في مكاني والتفت لأجد الرئيس قد نزل من المنصة وأخذ يتجه نحوي وهو يشعل سيغاره، ثم يقف أمامي وهو يقول: الله يهديك يا محيي الدين.

وأدركت على الفور بأن الرجل العظيم أحسن بأنه كان قاسيا عليّ بالأمس، فنزل بنفسه ليطيّب خاطري، ولم أملك إلا أن أقول : سي بو مدين، أنا أتحمل المسؤولية كاملة، لكن عذري في أنني جديد في هذا الميدان.

ويجذب الرئيس نفسا من سيغاره ثم يقول وهو يتجه نحو المنصة: الله يعاونك.

والواقع أن تصرفات بو مدين الوديعة اللطيفة مع مساعديه كانت تتناقض تماما مع الصورة المخيفة التي كان البعض يراها عليه، فعندما كان يستدعيني هاتفيا إلى مكتبه كان يخاطبني باسمي قائلا: محي الدين… هل عندك دقيقة؟ لكنه عندما كان يقدمني للرؤساء الأجانب كان يستعمل لقب دكتور بجانب الاسم.

ولعل أهم صفات بو مدين أنه كان يسمع ثم يحدد ما يقبله وما يرفضه، أي أنه لم يكن عبد لأذنه (وذيني) كآخرين، ولم يكن يقبل أمرا بدون حجة أو دليل، ولا يضحي أبدا بمساعديه الذين يثبت له إخلاصهم، ولا أقول ولاءهم.

واسترجع هنا ما نشر يوما من أن بعض الشخصيات المؤثرة الذين أزعجهم تعيينه لي بدون استشارتهم التي كانت ستضمن ولائي لهم وستجعل مني تحت تصرفهم دائما بصفتهم أصحاب الفضل في تعييني، هؤلاء قالوا للرئيس بأن لي علاقات مشبوهة مع جهات أجنبية، وأجابهم بومدين بدون تردد بأنه سيعزلني فور أن يقدموا له الدليل على ما يقولونه؟ وبالطبع فإن أحدا لم يقدم أي دليل كان، وهكذا ظللت إلى جوار الرئيس نحو ثمان سنوات وظللت موضع ثقته ودعمه حتى وفاته، ثم كنت من المساعدين المقربين للرئيس رابح بيطاط خلال الفترة الانتقالية، ثم أصر الرئيس الشاذلي بن جديد على استبقائي في نفس الموقع خلال ولايته الأولى، وإلى أن تمكن البعض من الإيقاع بي عند الرئيس، الذي اكتشف في نهاية الثمانينيات بأنه ظلمني، فاستدعاني ليعينني سفيرا في باكستان.

وتتواصل الذكريات.

كنت أرى في الرئيس بو مدين عظمة القائد الذي يفرض رأيه بالإقناع وبالحجة وليس بالسلطة أو الزجر، وكان في حياته الخاصة زاهدا ولا يرضى لنفسه أن يعيش غير حياة شعبه، كذلك كان الأمر بالنسبة لعائلته التي لم تستفد من أي امتياز عن بقية الشعب وحتى والدته لم تكن تملك البيت الذي تسكنه، ومُلّك لها بعد سنوات من وفاة الرئيس بفضل تدخل رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد آنذاك.

وقد رُويَ آنذاك أن شقيق الرئيس تقدم إلى الوالي مباشرة لطلب جواز سفر، وعندما سمع بومدين بالأمر غضب وكلّم الوالي وأمره بأن لا يعطيه شيئا وعليه أن يتقدم بطلبه للقسم المعني مثل كل الشعب، وليس للوالي مباشرة.

وفي الإطار العائلي لم يكن الرئيس يتقبل الأسلوب المصري أو التونسي الذي كان يعامل زوج الرئيس بصفتها السيدة الأولى في البلاد، ولم يدخل قرينته في شؤون السياسة إطلاقا على الرغم من أنه كان يصطحبها معه في بعض الاحتفالات الداخلية مثل حفلات الاتحاد النسائي، أو بعض سفرياته للخارج مثل زيارته للأمم المتحدة في سنة 1975، ولكنها لم تتدخل يوما في أمور الدولة لا من قريب ولا من بعيد، وهذا ما يدل على أن الرئيس كان يفصل دائما بين حياته العامة وحياته الخاصة.

ولعل هناك أمرا جديرا بالاعتبار يخص ولاية (محافظة) الرئيس وبلديته ومقر ولادته والتي لم تستفد، ربما حتى يومنا هذا، الشيئ الكثير من رئاسة بو مدين، لكن أحد لا يتوقف هناك عند هذا، ولما يملأ أهل قالمة الدنيا صراخا وعويلا على أن منطقة الرئيس لو تستفد شيئا منه كما استفادت مناطق أخرى، وهم ظلوا في الشرق الجزائري إلى يوم الناس هذا يمجدونه ويقدرونه ويذكرون بكل اعتزاز أنه ابنهم وأخوهم وأبوهم الكبير.

وهنا أمر آخر يذكر بحسن الخلق واحترام كل مستويات المواطنين الذي كان يتصرف به الرئيس مع الآخرين ، فعندما كان الرئيس بومدين كان يقوم بزيارات خارجية للولايات، كان لا يتحرك من طاولة الأكل إلى أن ينتهي كل المدعوين من طعامهم، ويطمئن بأن الجميع استكملوا الوجبة حتى آخر كأس شاي أو فنجان قهوة، على الرغم من أنه كان قليل الأكل ويكمل وجبته في لحظات.

وفي إطار الزيارات تعلمت كيف أن علي مراقبة ملامح الرئيس بشكل دائم، حيث كانت تلك المدرسة التي أتلقى فيها ومنها أسلوب العمل مع الرئيس ونوعية التعامل معه، وهكذا كان علي أن أراقب برامج الاحتفالات التي تقام في الولايات بمناسبة الزيارات الرئاسية، لأستبعد القصائد التي تتغزل في الرئيس بطريقة الرئيس بو رقيبة، وهو ما نبهتني إليه علامات الامتعاض يوما على وجه بو مدين وهو يستمع  إلى قصيدة كان فيها الكثير من المبالغة في المدح.

وتجلت بساطة بومدين في كان يلبس أساسا من الصناعة الوطنية سونيتكس  (SONITEX)  يلبس أحذية سونيبيك، وكان الاستثناء هو ربطات العنق التي كان يهديها له بعض رفاقه وخصوصا رشيد زقار.

وكان الرئيس يريد أن يكون استعماله الدائم للبرنوس فوق بدلته العصرية وسيلة تفرضه زيا رسميا وطنيا بدون الحاجة لقرار رسمي، حيث كان البرنوس يجمع يمثل، بمختلف ألوانه، كل الجزائريين بدون استثناء، حيث تتعدد الأزياء ولكن يغطيها البرنوس.

وهناك جانب آخر من شخصية الرئيس بومدين، التي كانت تتميز بالشمولية الوطنية والنظرة البعيدة والتمسك بكل عناصر الوحدة الوطنية، فقد عملت معه مدة ثمانية سنوات، لم أسمعه يوما يتساءل عن الجهة التي ينتمي له أي مسؤول كان، وهذا يدحض المزاعم التي قالت بأن بومدين كان يكره جزءا من الشعب ويفضل منطقة على منطقة، وهنا يستوقفني سؤال تم طُرحه علي مؤخرا في إحدى المحاضرات في معهد الإعلام، حيث قال السائل بأن بومدين لم يكن يحب القبائل، وهنا أجبته بأن هذا كذب وبهتان، وواقع الأمر أن بو مدين كان يرفض أن يحتكر البعض المعطيات التاريخية والوطنية التي هي ملك للأمة بأسرها، وهذا هو السبب الذي جعله يرفض أن يحتكر بعض من يرفعون لواء التعريب هذا البعد الأساسي للشعب، تماما كما كان يرفض أن يحتكر بعض المنتمين للتيارات الإسلامية صفة الإسلام ويرون أنفسهم أكثر إسلاما من الآخرين، وهو كان يرفض ادعاءات عناصر النزعة البربرية بأنهم وحدهم الذين يجسدون الأمازيغية، في حين أنهم أقلية لا تمثل شيئا أمام الشعب الجزائري المعتز بعمقه التاريخي الأمازيغي وبانتمائه الحضاري العربي الإسلامي.

ولقد اضطررت إلى تذكير السائل ذي الخلفية المشبوهة بأن عددا من أهم مساعدي بومدين كانوا من القبائل، بداية بأقوى وأهم قسم في الجيش وهو المخابرات كان تحت مسؤولية قاصدي مرباح بالإضافة إلى ركائز أخرى في الجيش لا تقل أهمية مثل الهاشمي حجريس وسعيد أيت مسعودان وعبد المجيد أوشيش وكذلك في المناصب المدنية مثل العربي سعدوني ومولود قاسم وإسماعيل محروق ومولود أو مزيان وعبد السلام بلعيد والحاج يعلا وعشرات آخرون غيرهم، وهذا إلى جانب مسؤولين من مختلف مناطق البلاد، حيث أن الكفاءة والوفاء ونظافة ذات اليد كانت من أهم الصفات التي يتطلبها العمل مع الرئيس.

وأكدت للسائل وللحضور بالدليل والحجة أن بومدين كان يؤمن بالجزائر ككل وكان يكره سياسية الاحتكار، لا أحد يحتكر الجهاد ويعتقد أنه مجاهد أكثر من الآخرين ولا أحد يمكن أن يحتكر الإسلام ويعتقد أنه مسلم أكثر من الآخرين ولا أحد أيضا يمكن أن يحتكر الأمازيغية و يعتقد أنه بربري أكثر من الآخرين.

وببساطة أكثر، كان بومد ين يكره المستلبين الذين يرفعون المظلة عندما تمطر السماء في باريس.

وكانت أهم ملامح سياسة الرئيس بو مدين بناء مشروع مجتمع وطني، يتميز بالديناميكية الخلاقة، ويعطي الشعب الإيمان العميق بأنه قادر على صنعة معجزة تنموية لا تقل عن معجزة التخلص من الاستعمار الاستيطاني.

وكان يهدف من خلال مشروع الصناعة المصنعة إلى تكوين طاقات عمالية بشرية من خلال تصنيع الحديد الذي يؤدي إلى تضاعف سعره عندما يتم تحويله إلى صلب، بالإضافة إلى إطلاق صناعات تكميلية كصناعة الجرارات والدراجات وصنابير المياه، وتنشيط أعمال موازية مثل صناعة الخشب وخلق نشاطات متعددة من الخدمات الاجتماعية.

 ولقد حاول البعض الإساءة لبومدين من خلال القول بأن الفكرة هي أساسا برنامج فرنسي، وهذا لو صحّ يجب أن يجعلنا نتساءل عن عدد المصانع التي بنيت في العهد الاستعماري، وهي صفر، بالإضافة إلى أنه يؤكد أن بومدين لم تكن له أي عقدة للاستفادة من أي فكرة يمكن أن تقود إلى تحقيق المصلحة الوطنية العليا، وواقع الأمر أن من أفسدوا الثورة الصناعية كانوا من الجهلة الذين عهد لهم بإدارة هذه المصانع لمجرد أنهم يعرفون اللغة الفرنسية، وظن بعض كبار المسؤولين أن اللغة تعطيهم في حد ذاتها الخبرة التقنية المطلوبة، حيث تم بناء مصانع للورق في أماكن لا توجد فيها مياه، وبعض هؤلاء المسؤولين هم اليوم في فرنسا، حيث يقال أن بعضهم يمتلك هناك عقارات امتلكوها بفضل المسؤوليات التي احتكروها في مرحلة معينة.

أما الثورة الزراعية فأعتقد أن الفكرة ظلمت كثيرا حيث أن القضية لم تكن قضية تأميمات زراعية (والتي كانت محدودة جدا) بقدر ما كانت جزءا من مشروع مجتمع يستهدف خلق حركة ديناميكة تنموية في إطار تضامن وطني، وكانت وسيلة للالتفاف على التسيير الذاتي الذي فرضته مرحلة معينة على الجزائر ولم يكن من الممكن التخلص منه ببساطة، رغم ما قاد إليه من سلبيات، وكان من أهم أهداف الثورة الزراعية تحقيق اللامركزية السكانية، بحيث يتوزع السكان على كل الأرض الوطنية ولا يتجمعون في دوائر قصديرية حول المدن الكبرى وداخلها.، وكان المنطلق هو أن سبب النزوح الريفي هو البحث عن الرزق وضمان العلاج عند المرض والتعليم بالنسبة للأبناء، وبالتالي يجب أن يجد الفلاح العمل حيث يعيش، ويجب أن يجد المسكن اللائق والعلاج الضروري ومختلف مراحل التعليم الأولي بالنسبة للأبناء، وهنا تأتي قضية القرى النموذجية.

والمضحك أن هناك من يدعون بأن فكرة الألف قرية هي أساسا فكرة فرنسية على منوال حكاية المصانع، ومرة أخرى أتساءل: فليقل لنا هؤلاء كم قرية بنيت للفلاحين الجزائريين في العهد الاستعماري، طوال قرت وثلث قرن ؟.

وبرغم حرص الرئيس على أن تتم العملية عبر التبرعات تحقيقا للتضامن الوطني فإن التأميمات المحدودة التي تمت وهاجمها بعض المتأسلمين كانت نظرية إسلامية تعمل بقول عمر بن الخطاب :الأرض لمن يفلحها، ومن هنا يبدو نفاق الذين هاجموها بحجة أنها تتناقض مع الإسلام الذي وزع الأرزاق على الناس.

ويذكرني هذا بمقولة بو مدين الرائعة في لاهور عام 1974 : من حق المسلمين أن يشبعوا، ولن أقول للناس عليكم أن تدخلوا الجنة بمعدة خاوية.

ثم إن الثورة الزراعية كانت تعني أيضا السد الأخضر، الذي انطلقت إقامته بالأشجار بطول 1200 كيلومترا وبعرض يتراوح بين 20 إلى 30 كيلومترا، بهدف إيقاف زحف الصحراء نحو الشمال، وتغيير المناخ المحلي بخلق رطوبة تجتذب الأمطار،  وكانت الثورة الزراعية أيضا تعني تكامل الأصالة الشعبية الريفية مع الطاقات الشبابية عبر الوطن كله بفضل عمليات التطوع الشباني الذي حققته الخدمة الوطنية، وتعني أيضا وصول المواد الغذائية للمستهلك بأثمان زهيدة بعيدا عن الوسطاء الشرهين، وتعني أخير وليس آخرا طاقة بشرية تضاف إلى طاقات العمال السياسية، وهما من القوات الحية للأمة.

لكن لا بد من الاعتراف بأنه عًهد أحيانا بتطبيق بعض جوانب الثورة الزراعية لمن يرتزقون منها ولا يؤمنون بها، والدليل على ذلك أن كل من رأيناهم يتصدرون مؤسساتها ويرفعون شعاراتها لم ينطق واحد منهم بكلمة واحدة دفاعا عنها إثر وفاة بو مدين، لأنه مهما كانت مساوئها المزعومة فلا بد أنه كانت لها بعض الفوائد.

كان البناء الداخلي إذن حجر الزاوية في رئاسة بو مدين، وكان الهدف تحقيق مجتمع الكفاية والعدل والتكافل الاجتماعي، ولكنه كان أيضا الأساس الواقعي للديبلوماسية الجزائرية، وهكذا تمكن نظام الرئيس بومدين من جعل الجزائر عنصرا فاعلا في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، بل في العالم كله، وخصوصا في القارة الإفريقية.

وقد كنا أسمع بعض الرؤساء الأفارقة وهم ينادون بومدين بلقب PATRON، أما في الوطن العربي فكانا الثوار يلقبونه بالزعيم، وهذا ما حدث في سوريا سنة 1978 حينما ألقى بومدين خطابا عن التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، ودُعي  بعده ياسر عرفات للكلام فقال، فيما يرويه عبد الملك كركب، “كيف يمكن أن أتكلم بعد كلام الزعيم؟”، وهو ما يذكر هنا بكلمته الرائعة : نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة.

وهكذا لكانت لجزائر بومدين أدوار بالغة الأهمية عبر الوطن العربي والقارة الإفريقية، بداية بمصالحة موريطانيا مع الجامعة العربية في بداية السبعينيات، ومصالحة السنغال مع غينيا في 1972 ومصالحة باكستان مع بنغلادش في 1974 ومصالحة إيران مع العراق في 1975 وكذلك مصالحة وليم هولدن مع أوغستينو نيتو في نفس السنة لإنقاذ ثورة أنغولا.

وفي هذا السياق يجب أن نتذكر أن العلاقات الخارجية كانت تتميز بالاحترام المتبادل للأفكار وللمصالح، وتتسم بالحزم والصرامة فيما يتعلق بالمصلحة العليا للجزائر، مثلما حدث في مواجهة وحدة جربة المرتجلة بين ليبيا وتونس، التي قال عنها الرئيس الجزائري أن الجزائر يجب أن تستشار في كل ما يتعلق بقضايا المنطقة، وهي لا تجري وراء القطار بعد انطلاقه، والوحدة كالزواج يلزمها حسن الإعداد والاستعداد، وما حدث في جربة لم يكن أكثر من “زواج متعة”.

وحدث أمر مشابه مع السادات إثر زيارته المشؤومة للقدس، والتي جاءت باتفاقية كامب ديفيد، التي قال بشأنها بومدين : إذا أنجزت هذه الاتفاقية شيئا ذا أهمية لمصر وللوطن العربي فإنني سأعتذر عن تنديدي بها، وفي غير ذلك فإن على الرئيس السادات أن يتراجع حفاظا على مصر وعلى المصالح العربية العليا.

ولقد ذكرت يوما بما قاله لي وليم كوانت بمحضر عشرات الديبلوماسيين الجزائريين، من أنه لو كانت هناك ديموقراطية في مصر لما أمكن تمرير اتفاقية كامب دافيد.

ولعل اعتزاز بو مدين بجزائريته تجسد في رفضه رفض دعوة من الرئيس شارل دوغول لزيارة فرنسا، قدمت عن طريق سفيرنا في دردشة له مع الرئيس الفرنسي، لأنه اشترط الدخول من الباب العريض وليس من الباب الخلفي، أي بدعوة رئاسية رسمية لزيارة دولة رسمية يعزف فيها نشيد الثورة الجزائري “قسما” في المطار، حيث يستقبل بو مدين من طرف الجنرال الفرنسي شخصيا، وهو ما لم يكن واضحا في الدعوة.

وكانت خلفية بو مدين أنه يريد صداقة تحالفية مع فرنسا مبنية على مصالحة تاريخية تشبه مصالحة فرنسا – دو غول مع ألمانيا – أديناور، وكان بالتالي يرفض مصالحة من نوع مصالحة ألمانيا هتلر مع فرنسا بيتان.

وأنا ممن يرون أن خلفية المصالحة التاريخية مع فرنسا كانت، بالنسبة للرئيس بو مدين، خطوة نحو إقامة كتلة دولية جديدة تتكامل فيها أوروبا الغربية مع الوطن العربي وإفريقيا، لتكون قوة تعادل دولي بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية.

ومن هنا أصيب بو مدين بإحباط بعد خلال زيارة الرئيس ديستان للجزائر في منتصف السبعينيات، حيث أحس بان الرئيس الفرنسي كان أتفه من أن يفهم الأبعاد الحقيقية لمصالحة جزائرية فرنسية تقوم على احترام الحقوق التاريخية للجزائر والاعتراف بخطايا الاستعمار الفرنسي، وهو لم يفهم رسالة الرئيس الجزائري وهو يقول بأن صفحة الماضي مع فرنسا قد طويت نهائيا، ولهذا قال بو مدين في آخر خطبه الرسمية أن الصفحة طويت ولكنها لم تمزق.

لكن أمانة المناضل تقتضي التنديد بإهمال الجزائر لواحد من أهم رؤسائها، ولا أحب أن أتهم أحدا بعينه والقول أن هذا التعتيم على شخصية بومدين متعمد، لكن المؤكد هو أن فكر الرجل ومبادئه وأسلوب حياته ونظرته الإستراتيجية لمشروع المجتمع الوطني كلها تشكل خطرا على مصالح السياسيين المحترفين ورجال المال الشرهين، وكثيرا ما كان الرئيس يردد : لو فشلت مشاريعنا في البناء الوطني فستعرف الجزائر طبقة من الكولون الجزائريين سيكونون أكثر شراسة من الكولون الفرنسيين”.

وكان من الطبيعي إذن ألا يكون هناك بلد واحد من أمة “مهند” (حسبما عرفت) توقف لحظات ليترحم على رجل كان من أول أهمياته رفعة الوطن العربي وتكامله مع العالم الإسلامي وبروزه كقوة دولية لها وزنها واحترامها وفعاليتها.

رحم الله بو مدين وفيصل وعبد الناصر والخطابي وعمر المختار وغيرهم من أحرار الأمة.

وأمة تستهين بأفضل أبنائها لا يجب أن تفاجأ عندما تنالها الإساءة من أسوأ الأبناء، وأمة لا تعترف بفضل رجالها ستصبح لعبة في يد غلمانها.

ذلك هو حكم التاريخ.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. في بلادنا و في وطننا كما في البلاد و في الوطن العربي الكبير يعتير الجحود و نكران الخير سمة بارزة و مميزة و تكاد تكون أسلوب جاري العمل به تجاه من ضحوا و عملوا و أخلصوا للوطن و الشعب و تفانوا في خدمة العامة التي إستفاد منها الأغلبية الساحقة من الشعب بكل فئاته ، الناس إستفادت من الطب و العلاج المجاني في الداخل و في الخارج و في أرقى العيادات و المستشفيات ، إستفادت من التربية و التعليم المجاني من الحضانة إلى الأساسي إلى الجامعي و بعد التخرج يستفيد المتفوقين من متابعة الدراسة و التكوين في الخارج ، إستفادت من السكن المجاني و من المعيشة شبه المجانية و حتى من السياحة المجانية + منحة بالعملة الصعبة ، القائمة طويلة و لا يمكن حصرها و نكتفي بهذه الأشباء التي رواها لنا أبائنا عن جزائر الأمس ، و رغم هذه النعم فالبعض تنكر في أول أزمة أصابت الأمة و حاول صوملة الأرض و من عليها و تنكر للأرض و الوطن و قد رد الجميل بأسوأ طريقة و هذا هي فمة الجحوذ و قمة الأنانية خصوصا ممن أكلوا الغلة و سبوا الملة ، لا نلوم الغلمان أو الدراري الصغار فقط و لكن نلوم كل المنظومة الإجتماعية التي تنصلت عن القيم التي كانت ذات يوم الحصن الواقي من كل خطر أو تهديد .

  2. مقال بديع من شاهد سطر ما عرفه من قرب عن رجل عايشه ثمان سنوات.
    ان اجمل ما فى المقال العبرة التى سردها الكاتب وهى:
    “امة تستهين بافضل ابنائها لا يجب ان تفاجأ عندما تنالها الاساءة من اسوأ الابناء
    وامة لا تعترف بفضل رجالها ستصبح لعبة فى يد غلمانها.
    ما اروع هذا الكلام الذى يمثل للاسف واقعنا الحالى.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here