د. يوسف يونس: تقدير موقف – المصالحة الفلسطينية ما بين الاستراتيجية والتكتيك

د. يوسف يونس

  • ادى الانقسام الفلسطيني الى ضياع الهدف الاستراتيجي، لبناء نظام سياسي ديمقراطي، والتأصيل للمؤسساتية وفق برنامج سياسي مشترك، وفشلت دائما لقاءات المصالحة في الوصول إلى صيغ قابلة للتطبيق، نظرا لعدم قدرة الفصائل الفلسطينية، لاعتبارات ذاتية وموضوعية، على التوافق والعمل المشترك، وتأسست بنية انقسام رافضة للشراكة، مما يفرض ضرورة البحث عن صياغة البرامج السياسية الموحدة والرؤية الاستراتيجية قبل التوجه الى الانتخابات.

  • على الرغم من خطورة المرحلة وتعاظم المخططات التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، فشلت جولات المصالحة الاخيرة، ليتعزز الشعور العام أن الانقسام اصبح “قدرا محتوما”، وعزز معه التخوف من أن التركيز على الانتخابات، دون البحث المعمق في العديد من المعضلات التي تحول دون المصالحة، ما يعني أن “الانقسام” قد يتطور ليصبح “انفصالاً”، ما يخدم المشاريع المطروحة لفرض القيادة البديلة على الشعب الفلسطيني. وهو ما يطرح ضرورة استنهاض الحالة الفلسطينية انطلاقا من التوافق وإعادة بناء الكيانية الفلسطينية على أسس مؤسسية وطنية وديمقراطية، وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وتجديد شرعية هيئاتها، وإعادة صياغة الخيارات الوطنية.

  • العديد من العقبات القانونية والسياسية تقف امام المصالحة ، سواء الهدف وهل هو إنهاء الانقسام الفلسطيني أم تجديد “شرعيات شاملة” ام “شرعيات جزئية” ؟، هل الانتخابات طريقا للمصالحة ؟، وهل ينتهي الانقسام من دون الاتفاق على برنامج وطني؟، وإمكانية المصالحة في بيئة سياسية يسودها انعدام الثقة بين الفصائل، وغياب سلطة القانون، والأزمات الداخلية التي تعاني منها الفصائل؟، هل ستُجرى الانتخابات بالفعل ؟، ولماذا هذا الفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني؟، ، وهل ستجرى الانتخابات لمجلس تشريعي السلطة أم برلمان دولة فلسطين ؟، ومدى جدية الفصائل في الاقرار بنتائج الانتخابات، وما هو القانون الذي سيحكم الانتخابات، هل هو القانون الأساسي المعدل عام 2005، أم تعديلاته عام 2007؟، ومن هي الحكومة التي ستشرف على الانتخابات؟.

  • تعتبر اسرائيل أن الانقسام الفلسطيني يمثل مصلحة استراتيجية ، ولذلك من المستبعد أن تسمح بتعافي الوضع الفلسطيني وانهاء الانقسام، ويتوقع أن تضع الكثير من العقبات، وفي المقابل يتوقع قيام اسرائيل بالمناورة للحصول على مكاسب استراتيجية، من خلال الموافقة على “تصويت القدس” بشرط أن يتنازل الفلسطينيون عن التصويت داخل البلدة القديمة والمناطق المرشحة للتهويد، وهو ما يعني حصولها على “تنازل سياسي كبير”، يوفر لها غطاءا رسميا لتكريس الخطوات التهويدية، والاعتراف “غير المباشر” بالقرارات الأمريكية ، ما سيفتح الباب أمام دول جديدة للاعتراف بها عاصمة للكيان.

  • تتعامل فتح وحماس مع موضوع المصالحة باعتبارها “ضرورة تكتيكية” تتطلب استمرار كسب الوقت، من دون اللجوء إلى اتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ، وجاءت نتائج اجتماعات القاهرة بين الحركتين مخيبة للآمال، في ضوء عدم التفاهم على الكثير من الملفات العالقة، مما يعزز فرضية وجود العديد من العوامل تعرقل المصالحة الفلسطينية ، ليس فقط الخلافات بينهما، فالطرفان يواجهان تعقيدات على صعيد كيانهما الذاتي والبيئة التي تحسب عليه كمجال لمسؤولياته.

  1. السيناريو الاول : المصالحة قبل الانتخابات : الانقسام الناجم عن غياب التوافق على استراتيجية سياسيّة، وغياب أهداف النظام السياسيّ، يجعل الانتخابات غير ممكنة إلّا بعد الاتفاق على عوامل أساسيّة وعلى رأسها، الاستراتيجية الفلسطينيّة، ومكوّنات النظام السياسيّ الفلسطينيّ، والخطة الوطنية الشاملة لمواجهة التحديات والمخاطر التي تواجهها القضية الفلسطينية، وشكل النظام السياسيّ، وماهيّته، وحدوده، وهويّة الدولة. اضافة الى وحدة المؤسسات، والحد الأدنى من التوافق القانونيّ والسياسيّ، ومن دون ذلك فان اجراء الانتخابات قبل انهاء الانقسام ليست أكثر من ‘وصفة للفشل’؛ وإعادة تدوير لأزمة المشروع الوطني الفلسطيني وتكريس الانقسام والدفع به نحو الانفصال.

  2. السيناريو الثاني : الانهيار والفشل : استمرار الخلافات والتناقضات بين فتح وحماس، واستخدام الانتخابات كـ”مناورة”، وتعارض المصالح، وتمسكهما برؤيتهما دون تقديم تنازلات؛ خاصة في ضوء التقديرات أنَّ نتائج الانتخابات لن تكون في صالحهما، ولذلك من المرجح عدم التوصل إلى تفاهمات بين حركتي فتح وحماس، مما يهدّد جهود المصالحة بالفشل، ما سيمنح “التقاسم الجغرافي – السياسي” بعدا “ديموقراطيا”، وصولا الى “الفصل” بين جناحي الوطن، انسجاما مع الصفقة الأمريكية، وضمن الشروط الإسرائيلية التي تسعى أن تكون الانتخابات لـ “سلطة حكم ذاتي” وليس لـ”دولة”.

  3. السيناريو الثالث : الانتخابات : بعد أن تصل حركتي فتح وحماس الى القناعة أن الشراكة الوطنية أساس للنضال الوطني المشترك، ستتجهان الى مسار المصالحة، واجراء الانتخابات، وسيتم تشكيل حكومة وحدة وطنية للإشراف على تطبيق بنود اتفاقات المصالحة ومعالجة آثار الانقسام وتوحيد المؤسسات. ومن المستبعد أن يفوز أي من حركتي فتح وحماس بأغلبية المقاعد، وهو ما قد يدفعهما لتشكيل قائمة مشتركة تحقق هدفهما بتجديد الشرعيات ومواجهة مشروع الضم و صفقة القرن والقيادة البديلة، وهو ما قد يعني تأجيل معالجة مشكلة الانقسام، واعادة إنتاج النخب السياسية القديمة.

  • ستبقى التداعيات الإقليمية عاملا حاسما في تحديد اتجاهات الكثير من التفاعلات الفلسطينية، ما يفرض على الفلسطينيين قراءة أكثر عمقا للمشهد الاقليمي والدولي، تحسبا من تغييرات متوقعة في قواعد اللعبة، وما تعكسه من توازنات جديدة في المعادلات الجيوسياسية ، والتي ستفضي في النهاية إلى تأثيرات على جوانب مختلفة من القضية الفلسطينية.

  • وتأتي “المصالحة” الخطوة الأولى لتحقيق الأهداف الفلسطينية لمواجهة تلك التطورات الخطيرة المحدقة بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، والتي لم يعد إنجازها خيارا “تكتيكيا”، وانما اصبح خيارا “استراتيجيا” ، يحتاج الى الإرادة السياسية لأصحاب القرار الفلسطيني, والتوافق لإنجازه, حتى لا يتحول “الانقسام السياسي الاداري” الى “انفصال اداري وجغرافي وسياسي” تتكرس فيه “الكانتونات” الجغرافية الفلسطينية, خدمة للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي.

  • يجب دراسة خيار أن الانتخابات التشريعية القادمة لبرلمان دولة فلسطينية باعتبار ان المرحلة الانتقالية انتهت، وهذا يتطلب تغييرات واصلاحات في النظام السياسي الفلسطيني، أبرزها التوافق على مسودة دستور فلسطين مع بعض التعديلات يمكن أن يكون مدخلا مهما وضروريا لعقد اي انتخابات. وتوضيح العلاقة السياسية والقانونية بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية.

  • انتهى –

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here