د. يوسف عبدالحق: الخطة الصهيوريكية لتصفية القضية الفلسطينية

 

 

د. يوسف عبدالحق

هذا  العنوان هو الاسم الموضوعي لصفقة القرن حيث لا صفقة ولا قرن فيها حتى لو كان قرن ماعز ،وانما كل ما فيها هو خطة عمل تم تجليسها مسبقا على برامج تنفيذية مسلحة بكافة الوسائل اللازمة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لتصفية القضية . ومما يلفت النظر الى اهمية هذه الخطة عن سابقاتها من الخطط الصهيوريكية هو أن تلك الخطط كانت حين تطرح على العرب ومنهم الفلسطينيين ، تواجه مقاومة وطنية عروبية في معظم الاقطار العربية ترعرت في ظل المد الناصري العروبي الذي ظل يهتدي بها النضال العربي  من الجزائر حتى الحليج العربي ومن الشام الى الجزيرة العربية  حتى الان. في ظل ذلك تمكن النضال الوطني العروبي من هزيمة العدوان الثلاثي، وتحرير الجزائر واليمن وهزيمة عدوان 67 في حرب 1973.

 أما اليوم ونحن نواجه تصفية القضية الفلسطينية نجد أن هذه التصفية تجد قبولا بشكل أو بآخر اولا من القيادة الفلسطينية الرسمية وهو ما تجسد قبل يومين في “برلمان السلام” في تل ابيب والذي شارك فيه حوالي 50 فلسطينيا من بلاط الرئيس وبرعاية لجنته للتواصل الاجتماعي. وفي هذا الخصوص لا يمكن تجاهل استمرار التنسيق الأمني مع احهزة الأمن الاسرائيلية ومع المخابرات الأمريكية التي زارت مديرتها هاسبل رام الله يوم 30/1 بعد اعلان الصفقة بيومين ،والتقت مع ماجد فرج مدير المخابرات الفلسطينية ونتج عن هذا اللقاء استمرار التنسيق الأمني الفلسطيني الأمريكي والاسرائيلي علما بأن المساعدات الأمريكية الأمنية للمخابرات الفلسطينية لم تتوقف حيث تم تسليم مدير المخابرات الفلسطينية 75 مليون دولار في سبتمبر2019 .

أما على المستوى العربي فحدث ولا حرج حيث من السهل على اي متابع للقضية الفلسطينية أن يكتشف أن جل العواصم العربية قدستها الوفود الاسرائيلية سواء كان على مستوى رئيس الحكومة  نتنياهو أو على مستوى وزراء حكومته او على مستوى وفود رسمية او خاصة او مكاتب او لقاءات هنا وهناك سرا وعلنا، ولعل من أبرز هذه القدسيات الصهيوريكية مؤتمر البحرين، و زيارة نتنياهو لعمان،  ، والاستخارة للبرهان في السودان  لمقابة نتنياهو!!! وقد تتوج كل ذلك بتصريحات عادل الجبير وزير الدولة للشئون الخارجية  بالسعودية ” الصفقة فيها ايجابيات يمكن للطرف الفلسطيني أن يبني عليها”.

قُتلت هذه الصفقة تحليلا وتفصيلا ولذلك سأختصر كل ما كتب عنها  بعنوان هذه المقالة وهو ” خطة تصفية القضية الفلسطينية أرضا وشعبا”، وعلى المستوى العربي لا أجد تعبيرا أدق واعمق عن المصيبة القادمة على فلسطين والعرب إن نجح العدو الصهيوريكي في تنفيذ هذه الخطة، سوى ما ورد في مقالة للدكتور محمد فاضل الأستاذ الجامعي في كندا على موقع ” Middle East Eye  ” في 5 اغسطس الحالي ”  تتطلب صفقة الولايات المتحدة من الفلسطينيين التخلي عن جميع المطالبات التاريخية الناشئة عن طردهم وتجريدهم من املاكهم من قبل  القوات الصهيونية ومسخ الحقوق الفلسطينية المشروعة” ، وهو ما يعني الخضوع لنظام الفصل العنصري المستمر إلى الأبد. وهذا في تقديري سيسمح بالضرورة  للكيان الصهيوني بالاندفاع بسلاسة نحو دول النفط في الخليج العربي بحجة حمايتها من ايران وهو ما سيحول هذه الدول الى محميات اسرائيلية، ستكون المحميات البريطانية مقارنة بها نعمة رغم سوئها وقسوتها، ذلك لأن المحميات بالمفهوم الاسرائيلي تعني أن كل شيء ملك للعنصرية الاسرائيلية، وما على الجميع بعد ذلك سوى الخنوع ،هذا غيض من فيض من العنصرية الصهيونية المتغولة.

اما على المستوى الأوروبي نجد ان الاتحاد الاوروبي مع الأسف يحتار دوما أن يسير باتجاه متسق بشكل او بآخر مع السياسة الأمريكية وهو ما تجلى بوضوح في مشكلة الغاء الادارة الأمريكية  للاتفاق النووي الايراني حيث لا زال الاتحاد الأروبي يراوح مكانه . ويتكرر هذا الموقف الأوروبي بشكل أكثر ميوعة حين يتعلق الأمر بالاحتلال العتصري الاسرائيلي وبتصفية القضية الفلسطينية، فالاتخاد الأوروبي تجمد موقفه عند  اعلان البندقية في اواسط الثمانينات الذي اعترف فيه ب منظمة التحرير القلسطينية حيث لم يتحرك شعرة واحدة بعد ذلك لصالح الحقوق الفلسطينية، بل هو عمل على تمييع موقفه سنة بعد أخرى لدرجة انه صنف كل المنظمات الفلسطينية كمنظمات ارهابية وهو اليوم يعمل على فرض موقفه هذا على مؤسسات المجتمع المدني من خلال ضغوطاته المالية في الوقت الذي يقوم به العدو الصهيومريكي بالعمل على تصفية القضية الفلسطينية. ويشكل الموقف المعلن من الاتحاد الأوروبي ميوعة عالية بحيث أنه في الوقت الذي يعارض فيه الموقف الأمريكي في شرعنة المستوظنات وضم القدس عاصمة لاسرائيل…… في نفس الوقت لا يقوم بأي فعل ولو بسيط يوحي أنه سيطور موقفه نحو الاعتراف باالحقوق الوطنية الفلسطينية. تقول رامونا وادي في مقالتها في موقع MEMO  بتاريخ 18 من الشهر الحاري ” تعهد نتنياهو بتنفيذ ضم الضفة ان هو نجح في الانتخابات، الاتحاد الأوروبي لم يفعل شيئا غير البيان المعتاد في الادانة الناعمة، ولذلك ان حصل الاتحاد الاوروبي على مكانة فعالة في المفاوضات فسيتبني بوضوح الموقف الاسرائيلي.

في القوى الوازنة عالميا بقي روسيا والصين واليابان، اليابان من غير المنطقي ان تعارض اسرائيل وامريكا، أذكر ان الملخق الاقتصادي في السفارة اليابانية في تل ابيب زار نقابة المحامين في نابلس  قبل 6 سنوات وتحدث عن التجربة اليابانية في التنمية مشيرا الى ان الفلسطينيين يمكنهم الاستفادة منها، حينها بادرت وعقبت على كلامه بقولي: أنك تتحدث عن اليابان التي تنتج مع تواجد القواعد العسكرية الامريكية، وهي قواعد لا تخطط الى تدمير الشعب الياباني او نهب ارضه او طرده ، نحن نعيش  تحت احتلال استعماري اسرائيلي عنصري توسعي ، هدفه الأساسي هو  تدمير شعبنا وأرضنا، أجاب القنصل ومع ذلك فالتجربة اليابانية هي طريقكم، يعني علينا العيش الى الأبد تحت الاختلال !!!!!!

 بخصوص الموقف الروسي والموقف الصيني  فهما من حيث القرارات يقفان مع الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق صيغة اوسلو التدميرية ،وهذا نتاج الفعل الفلسطيني المتدهور بالدرجة الأولى ، ولكنهم في نفس الوقت حين يمارس العدو الصهيوني حقده ووحشيته ليل نهار بحق شعبنا فسنجدهم لا يفعلون غير البيان او التصويت لصالح فلسطين في الأمم المتحدة. وهذا يعني باختصار أن الموقف الدولي ليس لديه في احسن الاحوال غير القرارات الدولية لصالح شعبنا ، لكن هذه القرارات لا يمكن تنفيذها الا بموازين قوى راجحة لصالح  الحقوق الفلسطينية في جميع الجوانب وهوما أهملته تماما القيادة الفلسطينية المتنفذة.

وأختم  واقول،في ظل التقدم المتسارع الذي تحرزه الخطة الصهيوريكية لتصفية القضية ، فإن على القوى الفلسطينية الأكثر وعيا وعطاء أن تبادر بطرح مبادرة لحماية القضية الفلسطينية تضم كل من يقف قولا وعملا مع الحقوق الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف في العودة وتقرير المصير والدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الخالدة، ومع حق شعبنا في ممارسة الديمقراطية لتنظيم حياته بلا قمع ولا فساد وفي ظل العدالة والأمان، ومع تشكيل تحالف وطني من كل من يوافق على هذه المبادئ بصرف النظر عن انتماءاته الحزبية أو الدينية او الاجتماعية وذلك لحماية هذه المبادئ على طريق اعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وبشكل ديمقراطي ممثلا شرعيا وحيدا لشعبنا.

 في ظني أن المسالة باتت خطيرة جدا فكل يوم يمر ينهش عدونا بعضا من وطننا وشعبنا وهو ما  يستلزم الفرز بين من هم مع برنامح الاجماع الوطني برنامج م.ت.ف  وبين من اعتقل هذه المنظمة ودمر برنامحها الوطني ، وهو ما يحتم تشكيل تحالف وطني لحماية فلسطين بين جميع القوى والأفراد من شعبنا المؤمنة قولا وعملا بالمبادئ  المشار اليها أعلاه. .

==============

*** محامي ومحاضر جامعي في اقتصاد التنمية / نابلس 26/2/2020

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here