د. وليد بوعديلة: هبة جماعية جزائرية لتنظيف المدارس: المؤسسات التربوية و ممارسات المواطنة.. سلوكات مجتمعنا تؤكد أن افكار ابن باديس لم تمت

د. وليد بوعديلة

    تشهد الكثير من المؤسسات التربوية عبر كامل الوطن ظاهرة جديدة وجيدة، وهي قيام أولياء التلاميذ والمحسنين بعمليات تطوعية ، الهدف منها تصليح وصيانة المدارس التي تكاد تنهار على الأطفال، وقد شاهدنا أعمالا تؤكد حضور سلوك ووعي المواطنة لدى الجزائري، من خلال دهن و شراء التجهيزات والكراسي والطاولات…وغيرها من الأعمال، عبر اتحاد المواطنين وتضامنهم في غياب كلي للسيد رئيس المجلس البلدي في معظم بلدياتنا؟؟.

 

أين البرلمان وأين المير و أين…؟

     وذلك فعل من أفعال المواطنة، و من معانيها قيام الفرد بواجباته نحو وطنه والشعور والوطني المجسد في ممارسات ميدانية تفيد الصالح العام والمجتمعي، عبر التكامل والتضامن الجماعي المشترك في مجالات عديدة.

        ومع ان  حضور الدولة من الأبعاد الهامة لتشكيل الوعي المواطناتي، فالمواطنة عندنا قد تحضر بغياب ممثلي الدولة للأسف؟؟  نتيجة لغياب الفعل الديمقراطي الانتخابي، وانتشار التزوير وتدخل المال الفاسد في العملية السياسية، وهو ما  يتجلى بعد أشهر معدودة من كل انتخابات، فإذا لم يتدخل المواطن لإصلاح شؤونه فمصيره كارثي؟؟  

    ففي الوقت الذي كان فيه المواطنون والتلاميذ ينظفون المدارس والمؤسسات التربوية، كان أعضاء مجلس الأمة يحتجون بسبب دخول زميل لهم السجن لتهمة فساد؟؟ وعندما كان أهلنا في المدارس التي تعاني الإهمال و الخراب ينظفون ويصلحون الأبواب و الطاولات والكراسي كان أهل البرلمان يتهندمون ويتعطرون في أزقة وشوارع وفنادق العاصمة استعدادا لعدم فعل أي شئ في البرلمان ،غير التصديق والتصفيق والتصوير وقراءة الفايسبوك؟ ولا يهمهم الشأن المحلي والوطني؟؟ ولتذهب المدارس للجحيم؟

       وفي غياب كلي للهيئات التي تشرف على المدارس، وفي ظل انشغال المير ومجلسه البلدي بالصفقات و العقارات و المشاريع الشخصية لنهب المال العام…، وإرجاع أمر الموقف السلبي لعدم وجود الميزانية الكافية، رغم أن الكثير من الأميار غيروا سياراتهم وجهزوا مكاتبهم و لبسوا الكوسيمات الغالية الثمن و(…)، وبالتأكيد إن الكثير من المدارس التي تعاني لن تشهد أي تدخل من المجالس البلدية ، ليس بسبب التقشف وغياب المال في الخزائن و إنما بسبب سؤ التسيير وانعدام الكفاءة وغياب الضمير و الحكامة في التسيير، وإذا لم يتدخل الأولياء لحماية مدارس أبنائهم فالحلول غائبة لزمن سيطول. يطول.يطول…

     و إني أدعو الأولياء عبر الوطن لأن يتوقفوا عن الاحتجاج والشكوى من الظروف الصعبة لتمدرس أبنائهم، وعليهم اخذ القدوة من المواطنين الذين تدخلوا لتنظيف مدارس أبنائهم، وتنظيف شوارع مدنهم، وتنظيف مساجدهم،وتنظيف ملاعبهم، و….، وإلا هجمت عليهم الأمراض و الأوبئة، في انتظار التنظيف الكبير للمجالس البلدية التي تعاني الانسداد و الصراعات ،و رجالها(؟؟) همهم هو التفكير في نهب المال الهام وعدم التفكير في مؤسسات العلم و التربية.

مدارس مدينة عزابة..القدوة

     و أشير هنا –مثلا- لأولياء تلاميذ مدرسة الشهيدة فاطمة لعمامرة (مدرسة البنات سابقا) ببلدية عزابة-سكيكدة، حيث تغيرت صورتها بفضل المحسنين وبتضحيات شباب الحي الذي تتواجد فيه المدرسة، فقد ضحى الأولياء بوقتهم وراحتهم واجتمعوا على كلمة سواء، وساهموا بحسب المقدور بالمال والجهد والوسائل والدعاء، و سهروا على توفير الأجواء المحترمة للتلاميذ و المعلمين و الطاقم الإداري، فكان التنسيق بين الأولياء والإدارة للمصلحة العامة..

       وما بقي لمديرة المدرسة السيدة الاستاذة سعدي صبرينة إلا الانتباه للتسيير الإداري الناجح والفعال، و قد علمنا ان الكثير من تلاميذ الأحياء القريبة من المدرسة قد سعوا للتحويل نحوها للدراسة.

        وهي أعمال موجودة – والحمد لله- في الكثير من المدارس في ولايات جزائرية عديدة، وتبقى المدارس الأخرى تعاني وتنتظر تحركات المسؤولين في البلديات والدوائر والولايات، وهي لن تأتي أبدا؟؟

      كما إني أعترف للسيد الأستاذ ويشاوي موسى مدير مدرسة مبعوج أحمد بتضحياته و مجهوداته الكبيرة في تحسين صورة المدرسة، فهو مثال للمربي المخلص المحب لمهنته ،رغم الصعاب و الظروف العائلية، بمشاركة وتفاعل من الطاقم التربوي والإداري العامل في المؤسسة، لتكون نموذجا تربويا ومؤسساتيا متفوقا ومتميزا ولائيا ووطنيا.

      و أدعو مدير التربية لسكيكدة لتكريمه ودعمه ماديا ومعنويا لمزيد من التألق و النجاح ،وقد حققت مدرسته نتائج محترمة في مختلف المستويات، ليبقى النقص في عدم وجود حارس في الفترة النهارية، ونقص في عاملات النظافة. وعلى السيد رئيس مجلس بلدية عزابة الانتباه لهذه المسألة قريبا.

          لأشير هنا لظاهرة غريبة، وهي غياب تحفيز وتكريم الإداري المخلص و الناجح في عمله، وهي ظاهرة جزائرية تطر التساؤلات؟ علما أن كل الدراسات تعتبر التحفيز عاملا هاما لنجاح و تطوير المؤسسات التربوية او الاقتصادية..

       و رغم وجود سلوكات المواطنة و التطوع ، فنقول بأن الكثير من المدارس عبر ولاية سكيكدة وغيرها من الولايات تعاني المناظر السلبية و النقائص المتعددة،بخاصة في القرى والأرياف، لأن الفساد و سؤء تسيير وتنظيم المال العام قد عم في بلادنا ، لكن من يتدخل؟؟

..ابن باديس لم يمت..و لنشكر بصوت واحد…

لذلك لنشكر جميعا هؤلاء الأولياء عبر جزائرنا الحبيبة، الذين تحملوا مسؤوليتهم التاريخية ،و  لندعو لمحاسبة كل مير فاشل، ولنلعن جميعا كل مير فاسد و خائن للأمانة، أو تارك للمدارس تغرق في الأوساخ و غياب الوسائل البيداغوجية.

        إن الهبة الجماعية الجزائرية لتنظيف المؤسسات التربوية وصيانتها وتجهيزها ،تذكرنا بزمن ابن باديس  عندما كان الشيخ الإمام حريصا على بناء المدارس والمساجد، و كيف كان يجمع أهل الخير  من الجزائريين حول مشروعه التربوي الإصلاحي، لتقديم العون المالي للطلبة والمعلمين، وإن تجدد مظاهر اجتماع الجزائريين حول مدارس أبنائهم يرسخ عندنا ان الأمل موجود في هذا الوطن، وان افكار ابن باديس ستبقى حية، رغم وجود السراق والمرتشين والمختلسين والناهبين للمال العام، ولندعو  جميعا لتشكيل لجان تحقيق ولائية تمر عبر مختلف المدارس لتسجل النقائص لمحاسبة المشرفين البلديين الفاشلين.

لتبقى المهمة الأهم عند وزيرة التربية و مستشاريها للنظر في ظروف المعلمين وتكوينهم البيداغوجي ، والنظر في المناهج وتصحيح أخطاء الكتب ، وربط تلاميذنا بتاريخهم و دينهم و لغتهم، بدل إصلاحات  قد تحطم الهوية وتحتقر المرجعية الوطنية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here