د. وليد بوعديلة: مدارات الحداثة وقصيدة النثر في الثقافة العربية

د. وليد بوعديلة

لم يقتصر التفاعل العربي مع الغرب على الجوانب التكنولوجية و المادية فقط بل شمل الكثير من القضايا الثقافية وجوانبها الفنية و الفكرية، وقد كان الخطاب الشعري العربي المعاصر من أكثر الخطابات فتح لإشكاليات الحداثة و تجاذباتها التقنية و الفكرية، كما ظهرت قصيدة النثر منذ عقود وفتحت الأسئلة المحرجة على القارئ العري، قبل ان يظهر الادب الرقمي و ينقل المتلقي العربي لفضاءات بعيدة ليتواصل النقاش حول إشكاليات الأنا والآخر …

الشعر العربي والحداثة

 لقد أردت أن أشرك القارئ الجزائري و العربي  في بعض ما طرحته في كتابي عن الشاعر  والأكاديمي الفلسطيني عز الدين المناصر الصادر عن دار مجدلاوي للنشر بعمان الأردنية،ففي هذا الإطار النقدي (تراث وحداثة) يبدع المناصرة الشاعر ديوانه (كنعانياذا) بيروت (1983)، يلنفتح الذوق على الخصوصية الحضارية، وليُعلن قراءته وتفاعله مع التراث من منظور إبداعي جديد، والمناصرة لا يغفل الحديث عن هذه التجربة في كل كتاباته، لأنها نقطة التحول عنده وعلامة الفرادة عن غيره، فهي تقدم صورة شعرية عن الكثير من عوالم الأدب الكنعاني القديم والفضاءات الشعبية الرعوية الفلسطينية.

لقد أراد بها الباحث الجامعي عز الدين المناصرة أن يجمع اليومي والتاريخي، وأن يختصر الزمن، وأنّ يجسد الحلم في كتابة التاريخ الشعري الفلسطيني، تأكيدًا لتواصله مع الموروث وتشبثه بروح ورائحة التربة والتاريخ في فلسطين القديمة، ومن هنا تنفتح القراءة النقدية على سؤال كبير: كيف ينظر المناصرة للحداثة ؟ وكيف يتعامل مع خصوصيات التشكيل والرؤية في إطار الحداثة الشعرية؟.

 ومن المواقف التي يجعلها  الاستاذ قراءةً في الحداثة الشعرية، قوله: (الحداثة في الشعر الحديث ضرورية، أي أنّه ليس كل من كتب على طريقة التفعيلة وتفتيت الشكل القديم يعتبر شاعرًا حديثًا، بل يجب أن يصاحب هذا الشيء الذي من الممكن تسميته بقصيدة، موقف واضح يحب الجمال والخير والتقدم للإنسان،…، هذا من ناحية الموقف، أمّا الفن، فمن الضروري الابتعاد عن أخطاء الشعر التقليدي من المباشرة والسفسطة اللّغوية والمحسنات البديعية إلى التراكم الكمي للتجارب بشكل استعراضي).

ولا يكتفي  الدكتور المناصرة بالبحث في مسائل الرؤية والبنية من المنظور الحداثي، وإنما يتعمق في البحث ليقف عند الزمن الآخر الأوروبي، يقول في كتابه “شاعرية التاريخ والأمكنة”: (الحداثة جزء من مفاهيم متعدّدة للإبداع، والحداثة حداثات، لكنها تظلّ مربوطة بزمن محدد… ثم إن الحداثة العربية السائدة الآن موجودة ليس فقط في الشعر، بل هي موجودة في أنواع أدبية أخرى، بل هي فكرية، لكنَّ الحداثة العربية السائدة تعطي معنى التكنولوجي المرتبط بالغرب، وهذا المعنى جزئي أولاً، ثم هو يرتبط بالقيم الغربية ونحن شوّهنا الحداثة كمصطلح واستخدمناه في شكله، وهذا أمر جزئي أيضًا).

و الناقد الفلسطيني المناصرة هنا يتجاوز البحث الضيق والجزئي (الحداثة في الشعر) إلى مفهوم كلّي شامل هو المفهوم الحضاري المازج بين الجوانب المعنوية والمادية لحركة التغيير والتجديد في المجتمع، باعتبار أنَّ الإبداع الأدبي، لا ينفصل عن يوميات الحياة الاجتماعية .

ومن هنا تأتي الدعوة إلى البحث في الخلفيات التكنولوجية والقيمية للحداثة الغربية، وتأثيرها في الشعر الغربي، قبل الانطلاق في عملية مساءلة ودراسة الحداثة في الشعر العربي، وعكس هذا العمل المعرفي، يدخل النقد في متاهات كثيرة شعارها الخطأ والإخفاق المتواصل، لأنه نقد اكتفى بالسطح والشكل ولم يتعمق في الجوهر والعمق؛ بذلك الجوهر هو شُمولية معنى الحداثة وذلك العمق فهو عدم انفصال الإبداع عن السياق الحضاري والثقافي للشعوب…

قصيدة النثر و إشكالاتها

كما يهتم  الدكتورالمناصرة- في سياق الحداثة الشعرية- بقصيدة النثر، وقد أفرد لها كتابًا كاملاً، قدم فيه آراء بعض النقاد الغربيين والعرب حول بدايات هذه القصيدة وأهم خصوصياتها، كما تناول بالتحليل بعض النماذج الشعرية العربية، وأنجز استبيانًا نقديًا مُهمَاً، ضمنَّهُ بعض التساؤلات حول قصيدة النثر: الأصل، التجنيس، الخصوصيات الإيقاعية، اللغوية، الدلالية… وقدم أسئلة لبعض الشعراء والنقاد العرب، ويربط المناصرة قصيدة النثر بمرجعتين:

1-         المرجعية الأوروأمريكية (بودلير- رامبو- ويتمان).

2-         المرجعية العربية (الكتابات الصوفية، كالنفري)، والشعر المترجم، بالإضافة إلى صياغات (جلجامش)، نصوص الكاهن الكنعاني، نصوص الحب والموت الفرعونية، ويعود بروادها إلى: جبرا إبراهيم جبرا – توفيق صايغ- أدونيس- محمد الماغوط- أنسي الحاج- شوقي أبي شقرا. ويبحث المناصرة في مسألة (التجنيس)،

          ويقول هذا المبدع الناقد “هناك من يرى أنها شعر خالص، وهناك من يرى أنها نثر خالص، وهناك رأي ثالث يرى أنها جنس أدبي ثالث مستقل، بما يحمله من درجات الشاعرية ودرجات النثرية،”، ويختار المناصرة الموقف الثالث (الجنس المستقل) انطلاقًا من وجود (الشاعرية العالية) في هذه القصيدة، مع درجات عالية من (السردية)، بخاصة وأنّ هذا الجنس له خصوصيات شكلية، كما أنّ الوزن لا يشكل معيارًا أساسًا في الحكم بانتماء إبداع ما إلى الشعر، ونتيجة ذلك يدعو إلى قراءة قصيدة النثر كجنس مستقل له هوية خاصة مستقلة، باعتبارها (نصاً مفتوحاً، ونوعاً عابراً للأنواع)، لكن لماذا تغيب الوقفات النقدية (التنظير النقدي) التي تهتم بهذه القصيدة؟

        يُرجع المناصرة سبب غياب التنظير النقدي إلى طغيان (التنظير الشعاراتي المتناقض) وإلى (وجود فجوة بين التنظير وبين النصوص)، ومع ذلك (اكتسبت شرعيتها من كمية المنجز النصي، المتنوع ومن النوعي في النصوص أحيانًا، فقد صدرت آلاف المجموعات من نوع قصيدة النثر، ممَّا يُوحي، ويقرر أن الاحتياج للظاهرة متوافر لدى المبدعين العرب)، ومن ثمة، فالمناصرة ينطلق من الحضور الكمي والكيفي لهذه القصيدة، ليُعلن اعترافه بها.

       فالحداثة عند المناصرة تحيل إلى الإضافة والمغايرة، وترتبط بالاختلاف (الجوهري) وليس الاختلاف (الشكلي)، والقصيدة النثرية في أفقها عبارةٌ عن (نص مفتوح عابر للأنواع) من منظور المناصرة. ويسعى المناصرة لتجاوز مصطلح (قصيدة النثر)، ويعتبره خطأ شائعًا، أخذ قبوله من خلال كثرة استعماله، وهي – عنده – جنسُ ثالثٌ، يجب أن يُقرأ بمواصفاته دون القياس على الأنواع الأخرى (شعرية – نثرية).

فرغم اشتراك الأجناس الأدبية في صفات تجمع بينها فلا يجب إغفال الاختلافات التعبيرية، أمّا عن الخصوصيات البنيوية لقصيدة النثر، فالمناصرة يقول الدكتور عز الدين المناصرة في كتابه جمرة النص الشعري: (أبرز ظاهرة في قصيدة النثر هي الميل إلى ما أسميه (تبريد اللغة الشعرية)، فإذا كان (التوتر الشعري) بأساليبه المختلفة موجودًا في نصوص كثيرة، فإنّ الميل العام الأبرز هو التأمل الهادئ للأشياء، وأعتقد أنّ اللّغة المستعملة ذات معجم متعِّدد (اللغة الغنائية- السردية – اليومية الإشراقية، الموروثة)، لكن الاهتمام باللغة السردية جعل النص يميل إلى التبريد) ، ومن العلامات التشكيلية الشعرية لقصيدة النثر التي يذكرها المناصرة  في كتابه “إشكاليلات قصيدة النثر”

وفي الختام: هذه كانت بعض الاوراق الفكرية و النقدية حوا الحداثة وقصيدة النثر في الفضاء العربي ، وبالإضافة إلى  الملامح السابقة لقصيدة النثر فهناك خصوصيات فنية و دلالية أخرى  كثيرة، يمكن البحث فيها من خلال كتب المناصرة ومن خلال قراءة الشعر العربي المعاصر،لتكون مسائل الحداثة وما تقترحه على الثقافة العربية ميدان للنقاش و التفاعل والجدال في الحقل الثقافي العربي، لأن التواصل مع الغرب لا يقتصر على المستويات المادية فحسب بل يشمل كذلك المستويات القيمية والأخلاقية والتربوية.. وكل ما يرتبط بتشكيل الإنسان العربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here