د. وليد بوعديلة:  عشتار ورمزية العودة… في الرؤية الشعرية الفلسطنية- قتراب من شعر المناصرة-

 

د. وليد بوعديلة

عندما نعود إلى السياق الأسطوري نجد (عشتار)، وأخبارها وقصصها تأتي إلى جانب (تموز)، وهي إلهة كبرى في مجمع الآلهة السومري، إلهة الحب والجنس والخصب والحرب، هي (إنيني) عند السومريين و(عشتارت) عند الإغريق، وهي (أفروديت) و(أرتميس) عند اليونان و(فينوس) و(جونو) عند الرومان، ومن الأسماء التي أُطلقت عليها: الربة الأم، 

سيدة الماء، سيدة الآلهة، ملكة السماء…

 وبانتقال الأسطورة لم تتغير أسماء الآلهة فقط، وإنّما تغيرت القصة أيضًا مع بقاء جوهرها؛ فتموز عشيق وزوج عشتر (في الأسطورة البابلية)، وهو راعي يقتله الخنزير البرّي، فتهبط زوجته إلى العالم السفلي لتخلّصه، وتبقى زمنًا يصيب فيه الحياة الجفاف والذبول، ثم تعود ويعود معها الربيع إلى الحياة، ويعود تموز بعد أن أعادت له آلهة العالم السفلي الحياة.

لقد حضرت الرمزيات الأسطورية لها كثيرا في شعر بلاد الشام، ومنه الشعر في فلسطين، وسنقترب من نصوص الشاعر عز الدين الناصرة لنقرأ بعض دلالات توظيف عشتار، وقد وظّف المناصرة في بعض شعره (عشتار) بالاسم أو بسرد أخبارها، وهنا يوظف الشاعر تيمة (العودة)، ويجعلها ممتلئة بالقيم الطقوسية الإيحائية، ومن داخل النص الشعري تبنى علاقة جوهرية عميقة بين الشاعر/ الذات-فلسطين والرمز المستدعى/عشتار، ويصبح الوطن/ كنعان محاطًا بالأبعاد الملحمية والعناصر الأسطورية، لنقرأ هذا النموذج الشعري الذي يتحدث عن المرأة في زمن الرحيل والسفر:

رحيلُك

لا لن يكونْ

رحيلك كالبحر، كالشمسِ،

مثل رحيل المطرْ

تعودين عبر الشرايين قبل أفُول القمرْ

تعودين مثل الحمام إلى بيتك الأخضر الأبديّْ

و بين جزائر هذا الزمانْ

تقيمين عُرسًا لأبنائك الطيبينْ

رغم أنها غائبة الاسم، لكنها حاضرة الفعل، هي (عشتار) تختفي وتبتعد، فيتحوّل العالم إلى أحزان وأوجاع وجمود، إنّها تأخذ معها مظاهر الطبيعة (البحر، الشمس، المطر)، وهي مظاهر لا تكتفي بأحادية المعنى أو البعد الواقعي، لكنها تتحوّل في الشعر وفي الأسطورة إلى عناصر تروي قصص المغامرة الفكرية الأولى، ببراءتها وصفائها. ولأنّ (عشتار) في الأسطورة عادت إلى الأرض بعد السفر إلى العالم السفلي، فإنّها عادت في النص الشعري؛ ذلك أن هذا النص، أضحى نصًا أسطوريًا يستعين بالرمز من البداية إلى النهاية، وبعودة (عشتار) يحدث الانقلاب البنيوي- الفكري في النص، كما حدث الانقلاب الوجودي في الأسطورة، وثم الانتقال من الظُلمة/ العدم إلى النور/الوجود، ومن الجذب/الموت إلى الخصب/ الحياة. وما كان للنص أن يسمو بالرمز وحده، وإنما بالمزج بين هذا الرمز وبين التقنيات الفنية النصية (لغة، صورة، أسلوب…)، لأن (استمرار الرمز على طول القصيدة كلها أو مجموعة القصائد لا يمثل وحده العالم الحاسم في الترميز، بل تضاف إليه طبيعة الرمز ذاته، ونوع العلاقة التي يُقيمها بين المستوى اللّغوي والعاطفي للتعبير، ومدى تواتر المؤشرات التي تؤدي إلى الحدس بدلالته) ، وقد نجح نص المناصرة في جعل الرمز العشتاري والتقنيات التعبيرية تخدم رؤيته وتكشف عواطفه، فهو يبحث عن زمن الخلاص والعودة إلى الأرض الفلسطينية، وإقامة أعراس الانتصار لهؤلاء الأبناء الذين تفرقوا في العالم، وعاشوا المنفى واحترقوا بنار الغُربة والاغتراب. ويُصوّر لنا الشاعر (عشتار) وهي تنزل إلى القبر، بحثًا عن الإله الزوج، قصد إعادته إلى الحياة، نحن نقرأ الخلفية الأسطورية، من خلال لفظ (الأم)، فالقبر قبر الشهيد والوجع والحزن لهذا الإنسان:

تظليّن فوق الذي فوق، يا قُرَّةَ العين

يا أم هذي الجيوشْ

إنْ اشتقت يومًا لقبر حبيبك، مُرِّي به في الصباح.

و صُبِّبي عليه من الدمع، صُبّي من الدمع فوق الترابْ

مُصابك فوق الذي نستطيعْ

ستخرج عكا إلى السَهل رافعةً كفها للسماء

ألا من رأى كنعان، في أي منفى نقيم العزاء؟!!

إنها الأم/الإلهة وهو مصاب الوطن/الأرض، والغائب في القبر هو هذا الشعب/تموز، يحاول الشاعر أن يمزج أشواق الأم بأحزان الوطن، تعبيرًا عن فقدان هوية وذاكرة وروح هذا الشعب، فيستعين بالأسطورة ويُوظِّف موضوعها الجوهري، كي يعطي الغائب بعضًا من الحياة، حتى لو كان ذلك بقطرات من دمع المرأة، بكل سحر هذا الدمع وأسطورية هذه المرأة، باعتبارها علامة تجدّد الحياة في الحضارات والأساطير. ولأن الشاعر يتواصل – بعمق – مع الذاكرة الكنعانية، فهو يتذكر (بعل)، فيخرج مع أهله الفلسطينيين نحو السهل، لكي يدعوه ويكشف لهم مكان هذا الغائب/كنعان، وهنا يتخذ الشعر منعرجًا موضوعاتيًا، حيث يصبح الشعب هو كنعان تجاه الأرض والوطن، كي يمنح الحياة مع عشتار، فكأنّه إله يتوحّد في (بعل)، وينقل قوته للأرض، كي تخصب وتتحول ظُلمتها إلى نور وجذبها إلى نماء. فرغم أنّ عشتار تظل (فوق الذي فوق)، فهي (أم الجيوش)، وهي المتداخلة في الأرض وإلى جانبها (كنعان) ممتزج في (بعل)، ويتحول الشعر إلى أسطورة مع المناصرة، لأن الأسطورة تمزج المخلوقات المختلفة (إنسان/طبيعة) بعالم ما فوق الطبيعة (الآلهة) في قصص تنزع نحو الخوارق والغرابة، وشاعرنا فعل الأمر ذاته، فمن ما وراء الطبيعة انتقل بالقارئ إلى يوميات الجُرح الفلسطيني، ومن الغياب إلى الحضور، انفتح الشعر على أفق العودة في المستقبل (عودة عشتار، عودة الخصب، عودة الشهيد، عودة الأرض، عودة الهوية…) تتعدّد الدلالات وتتوهّج مع التوظيف الأسطوري، وهذه هي شعرية النص. ولأن (النص الشعري خطاب مثقل، متعدِّد الأبعاد، ينهض بفعل الإيحاء وطاقات اللّغة التعبيرية وقدرتها على إنتاج المدلولات) ، فإنّ المناصرة لم يكتف بقراءة الراهن الفلسطيني والعربي قراءة المتوجع والمتألم، ولكنه قرأه بوعي الشاعر/الإنسان، الذي يعي تغييرات الزمن وتحولاته، وكأنّه رجل تاريخ عرف الأمم والشعوب، وتتبع لحظات الانتكاسة والانتصار، وتعمّق في الحضارات وأفكارها وتقاليدها، ثم ربط كل ذلك في نسيج نصّه الشعري، مشيّدًا الأبعاد المتعددة والدلالات الهاربة من القراءات الساذجة (جماليًا وفكريًا):

يا كرومي

إنّ قول الصحِّ آفةْ

جذر عشتار علا ماتٌ ورايات من البفتِ

و نوقْ

غابةٌ من زنبق يرعاك في الحوض العتيقْ

غابة الماء الذي ينساب فجرًا

كم تمنى عاشقٌ في غوركِ الصافي العتيقْ

أنْ يُغني لحمامات الرموزْ.

كل الألفاظ تحيل على الرمزية الكبرى للماء، من الكروم إلى لفظ الماء، مُرورًا بالآلهة (عشتار) وتشكيلات الأرض (العلامات، البنت، النوق، الغابة…)، فرغم ما قد يخفي من المعاني إلاّ أن القراءة يمكن أن تقبض عليها وتحاورها، وذلك هو الغموض البعيد عن الإبهام، وهذا مبحث مهم في القراءة النقدية للشعر في سياق الحداثة الشعرية، فيجب (أن نفرق بين الغموض، بوصفه فعلاً إبداعيًا مفارقًا للخطاب العادي، وطاقة إيجابية لتوليد المدلولات وتكثيف الإيحاء، والإبهام الذي يميل إليه بعض الشعراء الذين اهتموا أساسًا بلعبة الأشكال والألفاظ) ، وذهبوا شأوًا بعيدًا في التعقيد والإلغاز وطلب التجديد باسم الحداثة، وشاعرنا لم يغفل فاعلية الشعر وتواصله مع القارئ، لكن دون إهمال الجانب الجمالي، ولم يقع في فخ الاجترار أو الصوت الأيديولوجي. وكيف للمناصرة أن يقع في هذا الفخ/ الصوت وهو يحاور (عشتار)، التي تمنح الحياة للأرض؟ وهي هنا تمنح السمو والجلال للنص، وتجعله قُداسًا يبتهل لروح الماء ويُغني لفلسطين/ الكون من عمق الحجر الكريم/ الطاهر، أي من عُمق التربة الكنعانية، بكل جمالية أساطيرها وموروثها الشعبي.

لقد تجلّت (عشتار) في شعر المناصرة من خلال تضمين أخبارها في الأساطير، وعبر الصور البلاغية التي تمزج الذاكرة بالراهن، وكذلك بواسطة البناء الفني الشبيه بالبناء الأسطوري، ثم أضفى أجواء المطاوعة التي غيّرت دلالة العنصر الأسطوري الموظّف، كما بدّلت رمزيته، وإذا كانت الأرض اليباب (إليوت)، وأنشودة المطر (السياب)، قصيدتين أثرتا في مسار الشعر المعاصر، فإنّ المناصرة صنع خصوصيته، مدركا بأنَّ القصيدتين، قد مهّدتا طريق التجاوز والانفلات، كما (مهّد العملان السبيل لبورة مصطلح شعري جديد، يتباعد شيئًا فشيئًا عن سلطة القديم والتقليد، ويسعى لتوليد طاقة شعرية هائلة وإمكانات لغوية مدهشة، هكذا مثل كلا العملين- كلٌ في سياقه التاريخي الخاص- بداية بارزة في طريق الحداثة الشعرية، ومهّدا الطريق أمام تجارب طليعية وحداثية لاحقة)، وهو الطريق الذي سار عليه المناصرة فيما بعد، وبرز بتوظيفه للأساطير الشرقية، بعامة والكنعانية بخاصة، كما تميّز بخصوصية الانتماء الفلسطيني/ الكنعاني/العالمي. فالمبدع لا يكون متفردًا إلاّ إن اختار الانفلات عن السائد والجاهز، وأعلن فرادته الأسلوبية، وشكّل عوالمه الفكرية والذاتية، واستعان بالموروث وروح الهوية بطريقة جمالية لا تقع في تفاهات وبساطات فنية أو فكرية، والأمر الإبداعي – الخصوصي يكون أكثر وضوحًا عند قراءة الشعر الفلسطيني في المنفى في نماذجه العليا، وعند تأمل جماليات التوظيف الأسطوري عند المناصرة، بكل قداسة وشعرية هذا التوظيف، الشعر الرعوي/ القصيدة الرعوية.

يقدم لنا شعر المناصرة الكثير من المشاهد الاحتفالية بالخصْب وبالأرض المنتجة، وما يصاحبها من طقوس يُشارك فيها الرجل والمرأة، لكن تبقى المرأة هي محورها الرئيسي، وهي المكانة التي تحتلها في كل أنواع الرقص، وفي هذه الاحتفالية يبرز الشعر الرعوي الحضاري، وتتوهّج القصيدة الرعوية عند المناصرة، ولا تُفْهَمُ في بُعدها الاقتصادي – الريفي فقط، وإنّما هي الذاكرة والروح، وهي العُمق الفلسطيني/ الإنساني، الذي يبحث عنه الشاعر/ الإنسان، إنّها إحساسٌ عميق بجراح وأحزان الريف الجميل، لذلك يكتب المناصرة عمق وروح هذا الريف، ويحتضنه ويحّن إليه، كما يحتضن الأسطورة ويحنُ إلى عناصرها وجزئياتها. ويُشكل المناصرة للقارئ غواية حكاية الاحتفال بالأرض لما في هذه الحكاية من لذة الرقص ومتعة الغناء:

هل تأذن أوروبا بالرقص الدمويْ

دالية خضراء على السفح المهجورْ

الرقص حنين عظام الأحياء إلى كلمات الشهداءْ

الرقص حنين الأرض العطشى للماءْ

الرقص فناءْ

أيتها المنتظرة خيلاً، وسيوفًا من هذي البيداءْ

الخَبَرُ سيأتي، الأرجح، من سفحك ذاك المنحوتْ

من زمن الرقص إلى زمن الخصب، يتشكل النص وفق الشكل الأسطوري، ويكتب المناصرة لحظات الدعاء والرجاء في الزمن/ الأرض الكنعاني، وهو زمن يمتد في الجذر التراثي-الأسطوري، يمارس احتفالية/ الخصب والحياة، ليحيل على أشواق وأحلام الذات الإنسانية في الفرح بأعراس النماء والنور والحب، ويكون ذلك بطقوس الرقص الدموي، فيذوب الطقس/الأسطوري في اليوميات الزراعية، ويتحوّل الحفل إلى فضاء سام وعجائبي، ترتفع منه أغاني الخصب ورقصات البحث عن الماء. وتأتي الرقصة برمزية القداسة والحنين إلى الشهادة، كما تأتي برمزية النماء والحنين إلى التجدّد والحركة، في ممارسة يتقاطع ويتداخل فيها الواقع واللاواقع، وذلك هو شان الأسطورة عند كل الشعوب. في النموذج الشعري السابق، يتعانق اليومي مع الديني، ويتقاطع الإنساني مع الأسطوري، فالشعر يستدعي الطقس/الرمز القادم من الأعماق الأسطورية-الدينية، ثم يذهب بعيدًا في بناء الرؤية، إنّه (يستدعي الرمز النموذجي الذي تتكئ عليه الأسطورة والدين، ولكنه يوزع عليه بطريقته الخاصة التي تقيه من التلاشي في ما ليس منه، وتسمح له بأن يفتح مجراه المتفرّد بعيدًا عن خطر التشابه والانمحاء في الآخر الشبيه) ، لأن الشعر يطمح إلى السُّمو والتجاوز وعدم التلاشي في غيره، وبصيغة أخرى إنّه يأخذ شعلته الجمالية ووهجه الدلالي، ثم ينسج فضاءه النصّي الشعري، وقد جاءت شعلة المناصرة ووهجه من الأرض الكنعانية ومن بيدائها المدهشة، إنّها تنادي هذا الشاعر الفلسطيني وتخبره بأنّ الفجر سيأتي يومًا، ويمنحه المحبة والأمل، ثم تشع عليه الشمس بكل إيحاءات القوة والمجد. لا يكتب المناصرة شعره من دون العودة إلى المعتقدات الشعبية الفلسطينية، أو من دون تأمل عناصر الأسطورة في الحضارات الشرقية، وهو ما يفسِّر استدعاءه لرمزيات الدم في مكاشفته الشعرية لخصوبة الأرض:

الأرض الحُبلى بالعشب وبالنوّارْ

تتجلى في ليلة دخلتها في نهر الدمْ

العاشق كالخاتم في إصبعها

والكون لعينيك مدارْ

يعتمد المناصرة على هزّ وعي القراءة، ودفع القارئ إلى البحث الأنثروبولوجي قصد فكّ شفرات شعره، لأنّ هذا الشعر يقيم عالمًا دلاليًا يتوحّد في الذاكرة الفلسطينية والشرقية، كما أنه يهرب من الرؤى القاصرة التي لا تكاشف الرهبة والصدمة، ومن هنا نفسِّر تعب القارئ أو عدم سهولة المهمة القرائية أمام هذا الشعر/الملكوت، حيث لابُدُّ من قراءة القصيدة أكثر من مرّة، فهي لا تعطيك نفسها بسهولة، رغم بساطتها وإدهاشها الواضحين، وهي علامة الشعر الناضج الخالد، لأن (محاولات إخفاء المعنى باللغة الرمزية أو النسيج الأسطوري لم يُردّ بها الشاعر قتل المعنى، أو موت الدلالة…فكأنّما كان يستلذ لعبة الإخفا والإظهار، أو كأنما أراد للقارئ أن يشعر بلذة الكفاح من أجل البلوغ إلى المقصود، وهكذا يصير إبداع الشعر كفاحًا وتصير قراءة الشعر كفاحًا ثانيًا). وفي النموذج الشعري السابق تتحول الأرض إلى أنثى تنتظر الزوج، لكي يتحقق التواصل واللقاء، وهنا تحضر الخلفية الأسطورية، حيث يتحقق فعل العودة من العالم السفلي إلى العالم العلوي، ومن ثمة من الموت إلى الحياة، من خلال (عشتار) و(أدونيس)، وهي حوارية الآلهة التي قرأها –بوعي- المناصرة وشكّل وقفها بناءه الشعري، على مستوى البنية النصية والفكرية. ولعل السطر الأخير (الكون لعينيك مدار)، تأكيد على فاعلية وقوة (عشتار) في تحريك الكون وإعطائه البهاء والجمال والحب، انطلاقًا من عملية أسطورية تحوّل جفاف الأرض إلى خصب، وتنتقل بزمن الأحزان إلى زمن الأفراح، فبحضورها يتغيّر كل شيء على المستوى الإنساني/الكوني، وذلك هو الشوق الوجداني والفكري للمناصرة، لأنه (الشاعر الكنعاني الشاهد على هذه الأرض، الملتحم بتاريخها، لا يكل من إعادة إعمار الأرض في الشعر، بعد أن آمن بإمكانية هذا الإعمار) ،كما تأمله في الذاكرة الكنعانية وفي أساطير الخصب، ويتتبع السفر (العشتاري) والعودة (التموزية) والقوة (البعلية)، وغيرهم من الآلهة، وبما تحتويه قصصهم من جزئيات وعناصر تحضر من حين إلى آخر وترتفع أصواتهم من الزمن الأسطوري إلى الراهن الفلسطيني- العربي. فالأرض تتلبَّسُ – في شعر المناصرة – الدم، ووفق إيقاعاتها، تتأثر المشاعر والقيم في المجتمعات البشرية، كما أنّ الكون يخفق مع خفقها، وتتحرك أزمنته/أمكنته لأجل هذه الأرض، وهنا يتأخر التفسير العقلي اليقيني، ليترك الصف الأول للتفسير الماورائي الأسطوري، ثم تأتي الكتابة الشعرية لتستفيد من هذا التفسير، لتسعف الشاعر بالمشاهد والرؤى، وفي الأخير يتلاحق القراء أمام هذا العالم الشعري، فتختلف القراءات والتأويلات، وكيف لا يقع الاختلاف أمام شعر يعانق الدهشة والعجائبية؟ بل: كيف لا تكون القراءة رمزية متعددة، وهي تفكك النسيج النّصي المحاور للرمزية التراثية- الأسطورية، بما فيها من تنوع وتعدد وساحرية ؟

وإنْ بدت أسطورة الخصب غامضة أو متعددة الرؤية في شعر المناصرة (النموذج السابق) فإنّ تقنية المطاوعة لم تغفل مساعدة لحظة القراءة ببعض التشابه بين العنصر الأسطوري (الأرض-الخصب) والعنصر الأدبي (ليلة الدخلة، الدم، العاشق…)، فكانت المسافة الدلالية بينهما تتحرك بين الثبات والتحول في رمزية الأسطورة، وبدت الأرض ذات قيمة مقدسة، كما بدت في كثير من الشعر الفلسطيني، وهذه القُدسية تجلّت في شعر المناصرة بفضل العوالم الخارقة للحديث الشعري عن مظاهر الطبيعة والفاعليات الوجودية البشرية للأرض، وبفضل توحيدها للزمكان في الماضي والحاضر، علمًا بأن (المقدسات المكانية الزمنية تشكّل حجر الزاوية في بنية الفكر الغيبي وممارساته، وتقدم في الواقع صورة عن تحركاته الممتزجة بالدين والأسطورة والسياسة والثقافة الشعبية والمكوّنات الاقتصادية) ، كما تقدم صورة عن البحث الإنساني المتواصل عن قيم الحب والجمال ودلالات الحركة والحياة. تستمتع القراءة بهذا المشهد الشعري الذي يُصوِّر الاحتفال الكنعاني بالخصب:

– الكنعانيون يحتفلون بعيد الشعير في الأباطحْ

لزجون، عرقٌ، حصى البحر الميت، وجنازات أحبابي

يتلذذون بالأهازيج والسيوف البرونزية

– شُقّوا طريقًا أيها الكنعانيون في الوعر لحميركم

لدمكم يُسرسبُ كالماء في حواف الأنهار

عروقٌ كلون القزح تظهر في طين الحوَّرْ

والوروار

يتكهن بالمغيب، بمواعيد الزلازل.

لقد اشتهرت منطقة المشرق العربي برقصة الدبكة، ولها جمالياتها وقيمها، وشاعرنا لا ينفصل عن ذاكرة المنطقة/ الأرض، لذلك يستعين بالثقافة الشعبية وخلفياتها الأسطورية في قراءة دلالات الخصب والحركة، والتجلّي الأسطوري يبدأ من عنوان القصيدة (عيد الشعير)، ويجمع ثنائية الاحتفال/الأرض، أي الممارسة التي يتحاور فيها الإنساني والإلهي، وينطلق من الواقعي نحو فضاءات الديني – الأسطوري، ثم تتلاحق دلائل التجلّي الأسطوري، من اقتباس الوقائع إلى الصورة البلاغية بتوحّد الإنسان (عرق – دم) في الأرض (الأنهار، الماء، الطين).

ويتجلّى لنا الإله الكنعاني (أدوني) أو (بعل) ليقدم أجوبة عن أسئلة الإنسان الكنعاني الباحث عن الحياة، في مشهد راقص شبيه برقصة الصف في المغرب العربي، حيث (تؤدي هذه الرقصة في مواسم الأعراس والمناسبات الاحتفالية في شكل حلقة نصف دائرية من الرجال وتتسع كلما اشتد الرقص والتفاعل مع إقاعه والاندماج فيه، وتدخل النساء الراقصات إلى الحلقة، كلما حان دورهن الذي يقوم على التحاور مع من يقابلهم من الرجال المشاركين في الرقصة، عبر مجموعة من العلامات والإشارات والدوال متواضعٌ عليها، فتتغذى الذكورة بالأنوثة في هذا المشهد الاحتفالي) ، وهو مشهد يكون أكثر امتزاجًا بين الذكورة والأنوثة في رقصة الدبكة حيث تكون النسوة إلى جانب الرجال في صف واحد، ويظل المرجع الثقافي والدلالة التراثية واحدة، فكلا الرقصين احتفال بالحياة وشوق إلى المحبة والجمال، وهذا عيد الشعير عند الكنعانيين يحضر بالأهازيج والسيوف، أمام هذه الأرض التي اغتسلت بالعرق/ الدم الكنعاني. لقد حاور المناصرة أساطير الخصب واستفاد منها في فتح نصه الشعري على عوالم الحركة والجمال والحياة، وقد رأيناه يوظّف أسماء الآلهة، ويعتنق رمزية (الكنعنة)، من خلال توظيف كنعان والكنعانيات، وهذا أدخل القراءة في لذة البحث عن جمالية ومرجعية المرأة في المجتمعات وفي الإبداع، كما وظّف شاعرنا الأسطورة من خلال التوظيف الجزئي الذي يستحضر عناصر الأرض، المطر، الزرع…و غيرها من العناصر الأسطورية الخاصة بأسطورة الخصب والنماء في الموروث الأسطوري الشرقي والكنعاني.

ملاحظة:للدراسة مراجع

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here