د. وليد بوعديلة: تحديات انتخابات “الريّس”: جزائرنا  بين “صنوق الانتخاب” ورهان “السلمية”؟

 

 

د. وليد بوعديلة

تتجه الجزائر لتنظيم انتخابات رئاسية، قد تفتح للشعب صفحة جديدة من الممارسة السياسية، لكن المواقف تعددت و اختلفت، في ظل استمرار الحراك الشعبي، وفي ظل ظهور أصوات مسيرات مساندة لطريق المؤسسة العسكرية الداعم للانتخابات، كيف نقرأ المشهد الجزائري هذه الأيام؟

التنوع في القناعات…

وقد وقع الاختلاف بين الحراك الشعبي وقيادة الجيش حول شعار  “دولة مدنية وليس عسكرية”، فاعتبر رئيس الأركان قايد صالح أن العصابة  “تحاول تغليط الرأي العام ونشر الأفكار الخبيثة” بهذا الشعار، وأن “الجيش عرضة لحملات مسعورة من خلال النقاشات والجدل الذي أثارته وتثيره دوائر مشبوهة حول دوره ومكانته في المجتمع”، كما جاء في خطاب له في ندوة حول دور ومكانة الجيش في المجتمع.

في حين يفهم الحراك هذا الشعار بإبعاد مؤسسة الجيش عن الجدل السياسي والاكتفاء بالمهام الدستورية، بالإضافة لعدم التدخل في عمل العدالة ومخرجات المواقف القضائية.

لكن رغم الاختلاف في التأويل ، فالأكيد أن الجيش هو حامي الوطن وضامن الوحدة التربية، وعلى الشعب أن يتوحد مع جيشه، لتجنب خطابات  وممارسات عرفتها بعض الدول، لتجد نفسها أمام مليشيات وجماعات مسلحة تسيطر على بعض المساحات والأراضي من دون وازع قانوني دستوري، وهنا الكارثة التي تشتت الوحدة الوطنية والترابية.

الإعلام والراهن الجزائري..

وسياق الراهن السياسي الجزائري،ساند وتضامن الاتحاد الدولي للصحفيين مع الصحافة الجزائرية، في معركتها من أجل الاستقلالية ،وطالب السلطات الجزائرية باحترام حرية الصحافة، وهذا انسجاما مع تنديد الصحفيين الجزائريين، في التاسع من نوفمبر ، بأوضاعهم الصعبة وبضغوطات تعيق مهامهم في تغطية الأحداث وذكر الاتحاد الدولي في بيان له يوم 13 نوفمبر أن السلطات الجزائرية نفذت اعتقالات غير مبررة في حق الصحافة منذ بداية الحراك.

ثم جاءت منظمة “هيومن رايتس” لتسهم في النقاش حول الحريات في المشهد الجزائري، واتهمت السلطات باستهداف  المحتجين لإضعاف الحراك، وتوقفت في بيان لها يوم 14 نوفمبر عند الأصوات المعارضة للانتخابات واعتقال بعض الوجوه الحراكية و الإعلامية.

ولا ننسى الوقفة الاحتجاجية التي قام بها الصحفيون بالعاصمة( يوم 15 نوفمبر) للمطالبة بتكريس الخدمة العمومية و وقف المضايقات و السماح للصحافة بتغطية الأحداث بحرية ومهنية.

  ولعله مع الحملة الانتخابية للمترشحين ، وبتوقيع ميثاق أخلاقي للممارسة الانتخابية، سيكتشف الجزائريون أوراق المتنافسين على كرسي الرئاسة، كما سيكتشف الخدمة العمومة للإعلام الرسمي، في ظل تغييب كل صوت معارض أو قادم من الحراك ومسيراته؟؟

ومن الغريب مطالبة وسائل الإعلام الجزائرية بإمضاء ميثاق أخلاقيات الانتخاب ، بعد مضايقاتها وحصارها؟؟ فكيف تكون لجانب المترشحين و تحترم مبادئ العمل الديمقراطي ،في وقت يقمع الصحفيون في تغطياتهم للمسرات؟؟ وهل المطلوب نقل حركات المترشحين فقط وعدم نقل حركات المتظاهرين كل جمعة؟؟

عن ميثاق الانتخاب ..

 وبدأت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات للانتخابات توزع الإشهار الخاص بالموعد الرئاسي، ونتمنى أن تتفضل بتقديم صفحة أو نصف صفحة إشهارية لجريدة البصائر التي تصدرها جمعية العلماء الجزائريين وتنشر الأفكار الوسطية المعتدلة حول قضايا الوطن و الدين.فهل يفعلها  الأستاذ علي ذراع المكلف بالإعلام  في هذه  السلطة ويتذكر جمعية الجزائريين وصحيفة ابن باديس؟؟

وللتذكير فعلي ذراع قد صرح سابقا أن السلطة حذرت المترشحين من المساس بالثوابت والمؤسسات الوطنية وطالبتهم بالابتعاد عن الخطابات العنصرية والجهوية. و من العناصر الهامة الواردة في ميثاق الممارسة الانتخابية نجد الكثير من المفاهيم النظرية المؤسسة للديموقراطية، مع الاعتراف بصعوبة تجسيدها جزائريا، ومنها:

-الالتزام بمبدأ الانتخابات الحرة و النزيهة.

-السعي لتعزيز ثقة المواطن والحقوق الديموقراطية.

– بذل الجهود لضمان تصويت لائق وسري.

-احترام مبدأ الحياد من طرف مستخدمي الإدارة وعدم الانحياز لمترشح محدد( لسنا ندري كيف تجسد في ظل حكومة يرأسها من هو مرفوض من الحراك الشعبي، وكان  وزيرا للجماعات المحلية في العهد البوتفليقي؟؟)

– على المترشحين الإدلاء بتصريحات واقعية وعدم القذف ضد المنافسين ( هذا يناقضه الكثير من الوعود الانتخابية التي تقدم في ظل خزينة فارغة واقتصاد متراجع و…؟؟؟).

نحن و التجارب الدولية…

ومن غرائب الشأن الجزائري أننا لم نسمع عن مبادرات لتخفيض أجور الوزراء والبرلمانيين في عز هذه الأزمة  الاقتصادية- الاجتماعية الخانقة، ورغم المسيرات الشعبية الكثيرة، عكس ما وجدناه في لبنان ثم العراق؟؟

وقد ينجح المترشحون في تسويق خطاباتهم ومواقفهم وبرامجهم، وقد يمر يوم الانتخاب بأمن وسلم، وقد يتواصل الحراك الشعبي، لكن ماذا بعد الانتخاب؟ ماذا سيفعل الرئيس القادم أمام أصوات الرفض الشعبي؟ كيف سيتعامل مع المسيرات والمطالب السياسية والاقتصادية؟

إننا نخاف من تكرار نفس الأخطاء، في دول وشعوب وأمم أخرى في الماضي البعيد، أو في الحاضر، ولسنا ندري هل قرأ الجزائريون المشهد في بوليفية، فبعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاجات على إعادة انتخاب الرئيس البوليفي إيفو موراليس، قدم الاستقالة من المنصب على خليفة  التلاعب بنتائج الانتخابات.

وجاءت الاستقالة لتهدئة البلاد وتجنيبها أزمة كبيرة،بعد مطالبة الجيش باستقالته لضمان الاستقرار، مع اتهامات المعارضة له بالتزوير، ومن ثمة لا ننسى أن الانتخابات ليست إلا آلية من آليات كثيرة للتعبير السياسي و تجسيد الديمقراطية وفتح  أبواب التنمية، وهل من تنمية في ظل اضطرابات سياسي وعدم توافق وطني؟؟

مترشحون وبرامج متقاربة؟

 ولا أريد التوقف عند برامج المترشحين ووعودهم الانتخابية، لأنها تتقارب في طرحها  وتسعى مثلا لطرح

-استرجاع الأموال المنهوبة -توفير الديمقراطية و الحريات واحترام حقوق الانسان…

–   القطيعة مع الزعامات و الأشخاص والتأسيس الفعلي للحاكمة و الرشاد..

– تقديم الوعود للشباب و المرأة والمستثمرين والطلبة… – التقليص من صلاحيات الرئيس ومحارب الفساد والاستبداد…

ونحن نعلم أن تنفيذ الوعود الاقتصادية مرتبط بأسعار البترول وتحقيق الوعود السياسية مرتبط برضا الحراك الشعبي والغاضبين في المسيرات السلمية الأسبوعية، والوعود الثقافية والهوياتية لا يجب أن تخرج عن الدستور ومبادئه، ومن ثمة سيجد الرئيس القادم نفسه مكبّلا وبشرعية منقوصة مشكوك فيها محليا ودوليا؟؟

بخاصة إذا كانت نسبة المشاركة ضعيفة جدا، وإذا استمرت السلطة ومن والاها في سياسية محاصرة الرافضين للانتخابات والتضييق الإعلامي عليهم، والتسويق فقط لمن يساند ويطبل ويدافع عن مواقف السلطة، حتى لو لم يكن مقتنعا، أو كان يبحث عن مصلحة شخصية و تموقع سياسي ومادي في المستقبل؟؟

في الختام..

إذا كان وزير الشؤون الدينية يعتبر المؤسسة المسجدية شريكا في الرئاسات الجزائرية، وفيها دعوة لنبذ العنف و الكراهية من خلال الانخراط في المواعيد الوطنية الكبرى،كما دعا لعدم الفصل بين الخطاب الديني والوطني، فقد لا يسير الأئمة في طريق مواقف الوزير والحكومة التي ينفذ برامجها، لأن فيهم المساند والمشارك في الحراك الشعبي..

والأمر نفسه مع أساتذة الجامعات، رغم دعوة المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي لهم بالمساهمة في إنجاح الرئاسيات، وتجنيد الشعب  بضرورة اعتماد مبدأ الانتخاب كحل سلمي ديموقراطي، وهذا لاختلاف مواقفهم و قناعاتهم الفكرية والسياسية من الأحداث الجارية، ولأنهم ليسوا ضد الانتخابات ولكن ضد سياقاتها وظروفها والوجوه التي تنظم تحت إمرتها(حكومة بدوي تحديدا؟؟)

ياناس…بصراحة، أرجو أن تبقى المواقف في حدود السلمية والتنوع و الاختلاف، ولا تصل للضرب والشتم، وأتمنى أن ينقل الإعلام كل المواقف المعارضة أو الساندة لانتخاب الرئاسي بمهنية واحترافية.

وبالتأكيد أن الاتجاه نحو انتخابات دون توافق وطني سيؤثر على المشاركة فيها، كما سيجدد الجدل حول شرعية السلطة الجديدة  وشعبية الرئيس القادم، وقد نخسر وقتا كثير للوصول لتحقيق مكاسب ومخارج للسلطة، ولتظل الدولة تنتظر هبة وطنية مستمرة لحفظ الوطن.

أخيرا..اللهم احفظ الجزائر وامنحها السلم و الأمن، ووفق أهلها للوفاء بعهود الشهداء.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الجزائر ، هذه الأيام في حاجة ماسة ، إلى من يحميها من مخططات العصابات التي تسعى إلى تدميرها و تخريبها ، وتقديمها لقمة صائغة إلى أعدائها من وراء البحار . هذه الايام الجزائر في حاجة ماسة لأبنائها الوطنيين المخلصين ، فيقفوا جدارا مانعا أمام هذه العصابات التي لا تريد إلا الشر كل الشر لجزائر الشهداء. فكل من يقف في وجه مؤسسة الجيش الشعبي الوطني، فقد أسقط جميع اقنعته التي كان يتخفى من خلالها ، وصار عاريا حد النخاع الشوكي ، وأثبت عمالته و خيانته لأرض الشهداء و شعبها. فالجزائر ليست بحاجة إلى ديمقراطية و حرية وحقوق إنسان ، إذا كان ذلك يقذف بها إلى غيابات الجب للفناء و الزوال. فباسم الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان تمكنت العصابات بجميع أشكالها و ألوانها وأطيافها من نهب و سلب ثروات الشعب الجزائري ، وتكديسها في بنوك الأعداء من وراء البحار. فهذه الأيام صارت الانتخابات ، قضية حياة أو موت ، بل صارت قضية تحديد مصير. فالذين يرفضون الانتخابات ، غرضهم الدفاع عن مصالحهم التي حقوقها أيام حكم العصابات ، بل هم أفراد فيها عن سبق و إصرار. فالجيش الشعبي الوطني هو العمود الفقري للجزائر ، فإذا سقط هذا العمود سقطت الجزائر وإلى الأبد في حضن الفناء و الزوال. فالانتخابات ، ومهما كانت مساوئها ، هي الحل الوحيد و الأوحد لنجاة الجزائر من كيد الكائدين . فالجيش الشعبي الوطني قد شرح الدرس مرارا وتكرارا ، ومن يتغاظى عن ذلك فهو العدو اللدود لنفسه و لوطنه، ولدينه و عرضه و شرفه وهويته. والسلام على كل جزائري وطني شريف كريم أبيّ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here