د. وليد بوعديلة: الشيخ طاهر الطاهري والتاريخ الثقافي للجزائر

د. وليد بوعديلة

يجب على الجزائر (دولة ومجتعا) أن تفتح الكثير من الأوراق و المباحث قصد التعريف برجال وعلماء مرجعيتها الوطنية و الدينية، ومن هنا تأتي أهية الإطلاع على كتب التاريخ الديني والثقافي القديم و الحديث و المعاصر، ومنها مذكرات  وتراجم وسير العلماء و الفقهاء و الأدباء. وإن من يقرأ مذكرات  الأستاذ الشيخ طاهر الطاهري(1911-1994) سيرحل في تاريخ ثقافي واجتماعي هام حول منطقتي بوسعادة و قسنطينة، وحول مشاهد من العلاقات الثقافية الجزائرية التونسية، كما سيتعرف على أهم خصوصيات حياة تلاميذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ثلاثينيات القرن العشرين في معهد ابن باديس بقسنطينة.

وقد صدرت المذكرات عن مركز البصيرة للبحوث والاستشارات والخدمات التعلية بالجزائر سنة 2009،فما هي أهم المحطات التي توقف عندها الشيخ الذي تتلمذ على يد الإمام المصلح الجزائري الكبير ابن باديس؟ وما هي المشاهد الاجتماعية و الثقافية التي نقلها قبل وبعد الاستقلال؟

1-من منطقة بوسعادة إلى معهد ابن بادس:

يعود الشيخ طاهر الطاهري في بداية مذكراته إلى مسقط رأسه، ليقدم للقارئ خصوصيات الحياة في منطقة أولاد سيدي إبراهيم، بلدية الديس، دائرة بوسعادة، حيث كان مولده في سنة 1911، ولا ينسى اهتمام المجتمع البوسعادي بتكريم أهل القرآن، وإقامة حفل لمن يختم القرآن حفظا في اللوحة، يقول” كانت تلك الحفلة من الذكريات التي ما تزال عالقة بذهني، وذلك لما شاع في الأوساط الشعبية في ذلك التاريخ من تعظيم حافظ القرآن قطع النظر عن الآثار المترتبة على ذلك الحفظ”(ص19).

وقد تلقى الشيخ علوم اللغة و الفقه بزاوية الشيخ السعيد بن ابي داود(قرب أقبو ببجاية)، ثم اتجه سنة 1936 لقسنطينة  ليدرس في التعليم المتوسط مدة أرع سنوات بمعهد ابن باديس ،ثم اتجه سنة1941 للدراسة في جامع الزيتونة، متحصلا على الشهادة الأهلية ثم الثانيةـ وتابع التعليم العالي في القسم الأدبي والشرعي لمدة سنتين بنجاح، وعاد سنة1946 لأسباب صحية، لم يتوسع في ذكرها في المذكرات.

ومن الملامح التربوية و الثقافية التي تقدمها المذكرات نجد الحديث عن مشاكل التعليم وإغلاق المدارس من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية، كما يكشف الشيخ الطاهري المساعدات التي كان يقدمها التجار للمعلمين و المتعلمين في المدارس القرآنية والمساجد، ويذكر بعض الوقائع التي تؤكد ذلك، مثل كراء المنازل لطلبة العلم بقسنطينة ،و غلق التجار لدكاكينهم احتجاجا على غلق المستعمر لمدرسة التهذيب (ص21)، و ليسمح لي القارئ أن أتساءل هنا: كم هو عدد التجار ورجال الأعمال -في جزائرنا المستقلة اليوم- الذين يقدمون المساعدات للمدارس التي تعاني  الكثير من النقائص ؟؟ وكم يتحصل من يحفظ القرآن أو يجيد ترتيله في مسابقات المساجد والدارس ؟ و ما هي المساعدات المالية و المادية التي تتحصل –مثلا- عليها جمعية العلماء المسلمين خدمة للدين والهوية عبر الوطن في ؟؟

لنعد للمذكرات، فبعد صفحات من الحديث عن مدرسة التهذيب اتجه الكاتب للحديث عن الجامع الأخضر في قسنطينة، ويشرح التلميذ طاهر الطاهري في ذلك الزمن طريقة الشيخ ابن باديس في تقديم الدروس، وجديته وانضباطه وعدم سماحه باللحن في القراءة وتشجيعه الطلبة على الخطابة…

كما تتضمن المذكرات الصور والوثائق والرسائل المرسلة للشيخ(مثل رسالة الشيخ البشير الإبراهيمي)، وتعرّف بواجبات الطلبة في المعهد الباديسي، وآداب العلاقات الاجتماعية بينهم، وكذا واجبات النظار و العرفاء وعلاقاتهم مع الإمام ابن باديس، وهو ما يؤكّد العمل الإداري التنظيمي والرؤية الاستراتيجية في التسيير داخل المعهد ومدارس الجمعية، رغم الصعوبات المالية والحصار الاستعماري للتعليم العربي.

2- من الذاكرة المجتمعية:

ويتوقف الكاتب عند مشاهد حفل زفافه وتقاليده وعاداته في إطار الشرع الإسلامي، وينقل للقارئ قصيدة نظمها عن الربيع وجماله تزامنا مع أراح العائلة بالزفاف،كا ذكر في سياق آخر استمتاعه بغناء المطرب المصري محمد عبد الوهاب، وهذه إحالات تهمنا في سياق البحث عن الاعتدال والوسطية في الخطاب الديني، فتلاميذ ورجال وعلماء جمعية العلماء لا يتميزون بالغلو و التطرف.

كما يعترف  الطاهري بفضل وأخلاق الزوجة وما قدمت له وللأبناء من تضحيات كبيرة، ويتحدث عن الانضمام لجبهة التحرير سنة1954، وقد تعرض لعملية اغتيال في 22جويلية1957 أمام باب المدرسة، لكنه نجا بعد عراك مع المجرم وتمكن من توجيه المسدس لكفه فأصابه، وقد تذكرنا هنا ما تعرض له – قبله بسنوات – شيخه ابن باديس من محاولة اغتيال على  يد أحد المجرمين المكلفين من أصحاب الخرافات و البدع، فهدف الطرقية والاستعمار واحد وممارساتهما و احدة  أيضا.

ويذكر الشيخ دخوله للمحتشد لمدة عامين إلى غاية الإفراج في 1960، وكنا نتمنى لو نقلت لنا المذكرات الكثير من المعلومات و الحقائق عن ممارسات الاستعمار الفرنسي ضد الشعب وضد العلماء و الأئمة، وطرق التنكيل والتعذيب في المحتشدات والمعتقلات، و لسنا ندري هل يمتلك أبناء الشيخ بعض الوثائق و المعلومات التي لم تنشر، لتكون جزءا من الذاكرة الجمعية التي تنقل همجية و بطش فرنسا.؟

لقد كانت المدارس تهتم بالفرق المسرحية في إطار نشاطاتها الفنية و الأدبية، فكثيرا ما نجد مدرسة قرآنية فيها فرق تشجع الإبداع بكل فنونه، وقد ضمن الشيخ مذكراته صورة مع الفرقة المسرحية، وهو ما لم تنتبه له المدارس القرآنية اليوم، فعظمها ينحصر عملها في التعليم القرآني، رغم أن القرآن يهتم بكل مكونات الإنسان في أبعاده الصحية ،اللغوية، النفسية، العقلية… وقد يعود هذا النقص في الجمعيات والمدارس يعود لأسباب مادية أو لأسباب خاصة بغياب الرؤية الشاملة للبناء الفردي و المجتمعي.

وإنّ إشارة مذكرات الطاهري  لحضور المسرح في المدارس القرآنية أثناء التواجد الاستعماري لأمر هام بالنسبة للجزائر المستقلة، بخاصة ونحن اليوم في حراك أمني ومجتمعي وتربوي لمواجهة الأخطار الالكترونية المتعددة التي صارت تقتل أبناءنا في ظل غياب الرؤية الشاملة للطفولة والشباب وأهمية النشاط الثقافي في كل مؤسسة تعليمية خاصة  أو عامة.

ولا تنسى المذكرات كشف ممارسات شيوخ الطرقية وأتباعهم ضد المقبلين على العلم في مدارس جمعية العلماء، ودور القياد في خدمة الحاكم الفرنسي،كما ينقل لنا الحاج الطاهري طلب الشيخ ابن باديس منه إرسال برنوس بوسعادي عند توجهه لبوسعادة،مما يؤكد اهتمام الشيخ بالصناعات التقليدية في ذلك الزمن، كما نقرأ عن مشاهد من الأسواق الشعبية وخصوصيات الدكاكين الصغيرة في الريف الجزائري.

كما  نقرأ في الكتاب رحلة الأستاذ الطاهري مع التعليم بعد الاستقلال واستقراره بالقبة بالعاصمة، ثم مشاهد من رحلة الحج، علما بأن الشيخ طاهر قد رزقه الله سبعة أولاد ذكور وبنتين، وقد توفي أحد الذكور(و هو الوليد) بعد ثلاثة شهور من ولادته.

كما تتضمن المذكرات قسما خاصا بالشعر ، وهو جانب آخر في شخصية الأستاذ الطاهري ، فنجد بعض القصائد في موضوعات مختلفة وجدانية وطنية ودينية. ونكتشف الارتباط العاطفي القوي مع أفراد الأسرة من خلال رثاء الشيخ لوالدته (توفيت سنة1953)ووالده(توفي سنة1960) و كان قد رثى الأخ احمد طاهري بن عيسى سنة 1945 في قصيدة ،نقرأ منها:

 بني طاهر صبرا على البعد إنني

أشاطركم رزءا على الحزن دائب

و إن هالكم وقع المصيبة سلّموا

إلى الله ما تعدوا علينا النوائب

  ثقوا واصبروا كي تؤجروا ،ولتعلموا

  بأن مذاق الموت للناس واجب

3-النشاط  الثقافي في تونس:

وفي تونس تتحدث المذكرات عن الدراسة في جامع الزيتونة والصعوبات الاجتماعية المختلفة التي تعترض الجزائريين، ويتذكر الطاهري أصدقاءه مثل محمد بن عبد الرحمان المسعدي والكامل الحناشي السوق أهراسي، وينقل لنا الأحداث التاريخية التي مرت بتونس، مصل قصف طيران الحلفاء وقنبلته لمدينة تونس سنة1943، فبد الهرب من القنابل والعودة  ينل لنا”وجدنا المدينة موحشة لا ديار لا نافخ نار، والدكاكين مغلقة والشوارع خالية من المارة… وكثير من شوارعها الجميلة أصبحت أنقاضا متراكمة وتحتها جثث الموتى أشلاء ممزقة…”(ص73).

ويتحدث الكاتب عن العلاقات الثقافية بين الجزائريين والتونسيين، و نشاطه في الكشافة الزيتونية، وما انشده من شعر في مختلف المناسبات، ونقل بدقة المناهج الدراسي الذي كان يدرس في الزيتونة، وكذلك ما تلقاه من دروس في المكتبة الخلدونية، بخاصة دروس الشيخ الفاضل بن عاشور والأستاذ عثمان الكعاك وغيرهما من العلماء.

4-مواقف من الإسلام المعتدل:

ويخصص الشيخ الطاهري في آخر المذكرات صفحات لمقالات ومواقف حول بعض القضايا الدينية ، وننقل منها:

-مقال “هدف الدين”، جاء فيه:” …إنه أطلق للعقل حريته، فل يلزم الناس بتشريعاته الجزئية في كل شئ، بل ترك لهم كثيرا من الشؤون يشرعون فيها بما يرونه محققا للمصلحة، ولم يكلفهم فيها سوى الشورى وتبادل الرأي”(ص195).

-مقال”النظر العقلي”، وجاء فيه:” و في سبيل الحجة العقلية طلب الله من الإنسان النظر والتفكير في هذا الكون، في أرضه وسمائه وما أودع فيه من أسرار، الأمر الذي يحيل في نظر العقل صدور الكون عن نفسه ويوجب الاعتراف القلبي بأنه لا بد لهذا الكون البديع من مصدر خالق”(ص197).

-مقال”الطريق إلى الإسلام”، جاء فيه:”…عرض القرآن عقائد الإسلام إليها فيما يتعلق بعقيدة الإله (وجودا ووحدانية وكمالا) دائرة بين النظر العقلي وبين ما يجد الإنسان في نفسه من الشعور الباطني والإحساس الداخلي”(ص203).

قال عن الوحي، جاء فيه:”… أما الأنبياء فأساس علمهم الوحي، هؤلاء الرجال المصطفون من أبناء آدم تتلقفهم العناية الإلهية من نشأتهم الأولى لتقيم أوضار الطبيعة البشرية وترتقي بهم صعّدا في مدارج الكمال وترشح قلوبهم الكبيرة لاستقبال ما يفد به الملأ الأعلى من حضرة القدس…”(ص211).

الختام:

هذه أهم المحطات من حياة أحد أعلام الجزائر،و هي حاضرة في مذكرات تنقل للقارئ الكثير من الخصائص الاجتماعية و القافية للجزائر في ظل الاستدمار الفرنسي وبعد الاستقلال بقلم رجل تتلمذ على يد الشيخ ابن باديس، وعمل من اجل اللغة العربية و القرآن الكريم  في كل مكان درس فيه، وكانت حياته من اجل الدفاع على الجزائر وهويتها وعقيدتها.

وقد أردنا ان نقل لكل الجزائريين هذه المحطات لكي يعرفوا قيمة رجالهم ويتحدوا حول علماء و شيوخ مرجعيتهم الوطنية و الدينية، في سياق عربي يشهد الكثير من الفتن باسم المذهب الفكري والانتماء والديني.

جامعة سككيدة بالجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here