د. وليد بوعديلة: الحراك والتحول السياسي.. عن دور القوة الناعمة في التغيير

 

 د. وليد بوعديلة

  إن زماننا هو زمن التأثير الأسطوري لشبكات التواصل الاجتماعي و تكنولوجيات الاتصال، وهو تأثير يتجاوز  كل وقفات العقل والتفكير،” فظهر مفهوم القوة الناعمة” يعني ما تملكه وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أدوات الإعلام الجديد، فهي تعتبر من آليات التفاعل بين الأفراد والمجتمعات، وهي لا تمتلك القوة باعتبارها تحضر في الآلات الصماء، وإنما لأنها ثمرة للعقول والأفكار، لأن التكنولوجية تحتاج لحضور فكري، ووعي سياسي، وتدبير اجتماعي لكي تحقق غاياتها.

    وقد جمع المفكر العربي علي حرب بعضا من مقالاته التي تتبعت الثورات العربية ضمن كتاب “ثورات القوة الناعمة في العالم العربي، نحو تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات” (الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف- 2011م)، فما هي القضايا التي توقف عندها؟.

العولمة والثورات:

ينطلق المفكر من فكرة هامة حول الربيع العربي، وهي أن الانتفاضات الراهنة هي ثمرة فتوحات العولمة، لأنها قد غيرت نظرة الإنسان لنفسه، وبدلت موقعه في العالم، كما غيرت علاقته بالوجود وقضايا الهوية والمعرفة والحرية والسلطة؛ ومن هنا كانت الأجيال العربية الشابة اليوم مخالفة في وعيها وحراكها للأجيال التي سبقتها، بمختلف مشاربها الفكرية، ومستفيدة من القوة الناعمة والفائقة للثورة الرقمية والتقنية، وبفضل الميادين والمنظمات الافتراضية للتواصل والتجمع ترجم الشباب مواقفه في أرض الواقع.

يقول علي حرب عن الثورات التي وقعت في السنوات الأخيرة وهي مستمرة: “هي متعددة الأبعاد، إذ هي سياسية بقدر ما هي فكرية، وتقنية بقدر ما هي ثقافية، وخلقية بقدر ما هي اقتصادية، إنها تجسد ولادة فاعل جديد على المسرح، هو الإنسان الرقمي ذو الأنا التواصلي، وصاحب العقل التداولي” (ص11)، وبالنسبة له فثورة الربيع العربي تطمح لتجاوز النموذج النضالي الآفل، ويقصد به الذين قادوا حركات التحرر الوطني وحملوا مشعل البناء بعد الاستقلال، وهم الذين ورثوا لأبنائهم الوطنية باعتبارها سجلا تجاريا، وليست عزة ومجدا وشرفا (حاشا بعض الشرفاء المخلصين الباقين على عهد الشهداء عبر كامل الخريطة العرب).

كما جاءت الثورات لتجاوز النموذج النخبوي الفاشل، والنموذج البيروقراطي العاجز والنموذج الجهادي القاتل (الحركات الأصولية)، فكلها نماذج للفشل وفقدان المصداقية من منظور علي حرب، وللتخلص منها ستكون الآفاق المستقبلية لرهانات عربية جديدة تخلع عباءة الأيديولوجيات المقدسة، وتكسر عقلية النخبة والبيروقراطية والتخلي عن العنف والإرهاب لتغيير الأوضاع، وبدلها استعمال الوسائل السلمية المدنية التواصلية.

بالنسبة لهذا المفكر فالشعوب العربية تخرج من سجونها –كما عنون أحد مقالاته-، بعد أن تأخرت عن التحولات العالمية، وهو يتتبع الفشل الداخلي والخارجي للأنظمة العربية، فكان الحراك الشعبي “المطالب بتغيير شامل وجذري يتعدى الإصلاحات الجزئية أو الشكلية لكي يطال الدساتير وأنظمة الحكم، بقدر ما يطال طريقة الدول في إدارة الشأن العام، وكيفية ممارستها للسلطات..”. (18)

البوعزيزي التونسي والبداية: ويعترف لمحمد البوعزيزي بالفضل في الثورة التونسية، فهي الشرارة التي اندلعت بعدها التظاهرات والاحتجاجات الشعبية العفوية، ولا يقل دور المعارضة السياسية والنقابية ضد الاستبداد والحكم البوليسي، يقول: “إن الأنظمة الاستبدادية هي أعجز وأضعف من أن تصمد أو تتغلب على شعب كسر حاجز الخوف، وأجمع على تغيير نظامه السياسي وواقعه الاجتماعي”. (ص37).

وينظر علي حرب بنظرة تشاؤمية لموقف المثقف العربي من الرهانات التي يشهدها المجتمع، لأنه مثقف مازال يبحث في قضايا النهضة والحداثة فيما الفاعلون العرب الجدد قد تجاوزوا الحداثة إلى ما بعدها بانخراطهم في الحداثة الفائقة والسيالة للعصر الرقمي والواقع الافتراضي، فشباب الشبكة العنكبوتية “البطال” هو من صنع الثورة أما المثقف فيتعيش منها ليأخذ –بتعبير مفكرنا اللبناني_ شهادة حسن السلوك الثوري أو التحرري أو التنويري.

ويلتفت إلى مساهمة المرأة في الربيع العربي فتكسرت خرافة الفحولة وقيمة الذكورة، فالمرأة اليوم هي جزء من الثورات الجارية بحيويتها وفاعليتها، كما أنه يؤكد على دور “الأجيال الشابة الفتية التي لا تعترف بالأيديولوجيات الإسمنتية والمنظمات الجهادية الإرهابية”. (ص45)

لقد صدر هذا الكتاب تزامنا مع الثورات العربية، وحاول البحث في بعض خصوصياتها وأسئلتها المهمة، لكن هناك الكثير من الإحداث التي وقعت وستقع بعد ذهاب رموز الاستبداد ورجاله، لكن المهمة الثورية تبقى صعبة، للقضاء على أفكار الاستبداد وممارساته، فالتغيير الفكري أصعب من التغيير المادي، وما الأوضاع السياسية والاجتماعية في دول الربيع العربي إلا الدليل الأكبر.

وهنا أتساءل: إلى متى يظل العربي يكرر أخطاءه ولا يستفيد من زلاته في التاريخ، أو زلات غيره أو جيرانه؟

ولماذا كل من يصل إلى الكرسي يعيد فتح صفحات الاستبداد، ويقصي غيره المختلف عنه في السياسة والفكر؟

ولماذا تظل الشعوب تنتظر الاستقرار الأمني والمؤسساتي في ظل التخلف المدني والخراب الاقتصادي، والهشاشة الصحية والتعليمية؟

أسئلة تحتاج إلى إجابة لكي نتجاوز هذا الراهن العربي السوداوي، الرجعي، المتخلف، القابع في ذيل العالم والبعيد عن رأسه؟

وتواجه الشعوب العربية (التي شهدت الثورات أو لم تشهدها) تحديات كبيرة لأجل تجاوز الراهن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المتخلف، من أجل الوصول إلى دولة ملامحها هي: مشهد ديمقراطي، مدني، وحدوي في ظل التعدد والتنوع الفكري والثقافي، تنمية اقتصادية واجتماعية، عدالة القضاء واستقلاليته، وضع الثقة بالكفاءة وليس الولاء العائلي والجهوي القبلي، حرية التعبير والتفكير، حرية الإعلام وعدم خضوعه لقيود السلطة (الإشهار مثلا).

هذا الكتاب مهم في مجاله، وهو لا يفيد الدول التي شهدت الثورات فقط، بل قد يفيد الدول التي لم تشهد ثورات بعد بصورة أكبر، فهو يقترب من السلطة في المجتمع العربي، ويقرأها قراءة تاريخية وفكرية، كما أن صاحبه اسم محترم في عالم الأفكار، قد يحقق التآلف مع مواقفه وقد يصنع الاختلاف؛ والأكيد أن التحاور أكثر فائدة لمجتمعاتنا قصد الوصول للحظة التاريخية التي تقترب بنا من الآخر الغربي تمدنا وتحضرا وممارسة سياسية ديمقراطية، مع المحافظة على الايجابي في الخصوصي، من دون التطبيل للبقاء في الكرسي، والخلود فيه على حساب التداول والتغيير

عن الحراك الجزائري:

   ولا نضيف أي شيء للحقيقة التاريخية عندما نذكر دور شبكات التواصل الاجتماعي في الحراك الجزائري، وما على السلطة إلا الاستماع لنبض الشارع بدل الحلول الترقيعية، و.

تحتاج سيرة الزعيم المستبد لدراسات نفسية وانتروبولوجية لكشف مميزاتها وملامحها، ومن ثمة نحن بحاجة لعلم نفس الطغيان و الاستبداد.

 و إن التاريخ يقول بان انسحاب المستبد من كرسي سلطانه ليس بالأمر السهل والهين، لكن لنا أن نتساءل عن مصير كثير من المستبدين الذين عرفتهم الدول والشعوب من الشرق إلى الغرب؟

فالمستبد يحاصر شعبه ويخنق أفكاره وأحلامه، ويستعمل كل الوسائل للمحافظة على جاهه وملكه، ولا يهم لديه معاناة الرعية وأمراضها وفقرها وجهلها، بقدر ما تهمه-وتهم حاشيته أيضا- متعة تحقيق النزوات الشخصية وملء الخزائن ونهب العقارات و…

ويجمع المستبد حوله كل مصاص للدماء و عاشق للمال ومحب لكل وسيلة وشهوة ولذة من عالم الدنيا و المادة؟؟؟، وكأنها سكرة من سكرات الجنون وفنونه؟؟

وإذا عدنا للشأن الجزائري لوجدنا الحراك الشعبي السلمي أداة حضارية للقول “قف” لكل الفاسدين و الناهبين والمداحين، وقد ازداد الوعي بالمواطنة وقيمة الحكامة في تسيير الدول وإدارة مصالح الناس، بعيدا عن النهب والسلب وشهوات الاختلاس والمال الفاسد المتواطئ مع السياسة المختلة القاصرة، في ظل صمت الخطاب الديني ، بل وتفاعله مع أصوات خنق الشعب وإيقاف حراكه السلمي الباحث عن الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي.

إن أحلام الشعوب اكبر من كل بطش حاكم مستبد، وقد تستمع بطانة الفساد والخراب لفترات زمنية، لكن زمان كنس الخائنين للشهداء وذاكرتهم قادم لا محالة، وما على الصامتين و الخائفين إلا اللحاق بركب التحرير الوطنين، وفاء لذاكرة الشرفاء الوطنيين، وتواصلا مع منجزات رجال الحركة الوطنية والثورة التحريرية.

  تشهد الجزائر منذ أسابيع مسيرات كثيرة مطالبة بعدم ترشح الرئيس لعهدة خامسة..وقد اشتركت فيها مختلف فئات المجتمع، لتعبر عن صوت الشارع الجزائري الكاره للمشهد السياسي المتعفن، والمحاصر بالفساد السياسي المتحالف مع الفساد المالي،

فأيها القابعون على صدور الشعب انسحبوا من اجل ذاكرة الشهداء ومجدهم..

انسحبوا من تاريخنا ويومنا، واخرجوا من عيوننا وقلوبنا ومخيالنا..

لقد كرهنا حضوركم وكلامكم وصوتكم، انسحبوا من صحفنا وإعلامنا وكلامنا،…

لقد مات الموت ولم تموتوا ،وانصرف المستبدون من كتب التاريخ والجغرافيا وانتم مستمرون في استبدادكم،…

ولقد افتقر الفقر وانتم ما افتقرتم،،اخرجوا من ارض الشهداء،فأبناءهم الوطنيون وأحفادهم قادمون لكنسكم،…

يا من تتحدثون باسم الزعيم قد آن زمن خروجكم من عطر أرض الملحمة الثورية الخالدة،…..

لنا السلم والأمن والاستقرار،فاخرجوا،لنا أفراحنا وأحزاننا فاخرجوا،….

لقد مل الملل وانتحر وانتم ما مللتم،فانصرفوا من وطن همّش-في زمانكم- أفكار ابن باديس والابراهيمي ومالك بن نبي  وحاصر أحلام الشهداء…

وانصرفوا من وطن خان-في زمانكم- نضالات زيغود يوسف ومصطفى بن بو العيد وديدوش مراد وغيرهم ،….

ايها القابع على الجسد والروح منذ سنين قد آن لك أن تنسحب وترحل،بطريقة سلمية، وفاءا للشهداء والمجاهدين ، واحتراما لإرادة كل الشعب،بعيدا عن الطبالين والمداحين والآكلين في كل الموائد،؟؟

لأجل أطفالنا وشيوخنا،انسحبوا، و لأجل دموعنا وصراخنا ،انسحبوا، ولأجل أحزان امرأة فقدت ابنها في البحر قتيلا ،وهو يهرب من فسادكم وسرقاتكم ،انسحبوا،واستمعوا لصوت الحكمة والعقل، ولا تحرقوا الوطن،…

لكم المال والجاه والذهب،لكن اذهبوا،أيها القابعون على صوتنا وتاريخنا،اخرجوا من مجدنا،ومكاننا وزمننا،واتركونا ننشد:

 إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر

و لابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here