د. وليد بوعديلة: الجزائر.. الحراك الشعبي و دولة الحريات والعدالة

د. وليد بوعديلة

     لقد تأكد للجزائريين إن إبعاد نظام ديكتاوري رسّخ جذوره في أرض الفساد لن يكون سهلا، وعلى  الحراك الشعبي السلمي أن يجدد أفكاره ويبادر بحلوله، وهو ما تجسد مؤخرا بمبادرات كثيرة، تصب في هدف تحقيق التحول السياسي السلمي.

صوت” الشرف الوطني”..للتغيير

    يريد الجزائريون أن يشاهدوا النزاهة الأخلاقية و الشرف الوطني في كل من يبادر بالحلول، ولا يريد شباب الحاك السلمي أن يستمع لمن ركب في سفينة الحراك الشعبي، وترك سفن النهب و الفساد والقرصنة السياسية و الفكرية،في أحزاب التطبيل و لجان المساندة في العهد البوتفليقي؟؟

    ياناس…إن الجزائريين يعرفون المسار السياسي لكل من يتحدث ويكتب بيانات مساندة الجيش اليوم بعد مساندة السلطة الفاسدة بالأمس؟؟بحثا عن التموقع وتجديد ملفات العودة للمشهد الوطنين لتحقيق المزيد من المكاسب؟؟

    كما أن الحراك الشعبي يريد الرجال الشرفاء وليس الخونة، ويريد سماع صوت من واجه النظام المستبد لسنوات وكان من ضحاياه، كما هو الأمر مع الدكتور طالب الابراهيمي.

    وقد قدم الدكتور طالب الابراهيمي نظرة موضوعية وعقلانية للشأن الجزائري و تجاذباته، في رسالته للشعب الجزائري في 22 ماي، داعيا للفصل بين السلطة و المال الفاسد، وقال:”لقد بلغ الحراك الشعبي مستوى عاليا من النضج والوعي رغم ما يعتريه من انقسامات طبيعية، وغم كل المخاطر والمخاوف، بما فيها مع الأسف لغة التخوين تجاه بعض القيادات السياسية، أوجهات من الوطن، أو الإساءة إلى قيادة المؤسسة العسكرية،..”  وبارك وشكر الدكتور طال الابراهيمي أسلاك الأمن على حفظ المسيرات، لكنه طلب من  المؤسسة العسكرية الإصغاء لاقتراحات النخبة والعقلاء ، ونصحها بعدم مساندة مؤسسات لا تحظى بالرضى الشعبي، وقال:” لا يجب أن تكون مشروعية تدخل المؤسسة العسكرية بديلا  عن الشرعية الشعبية، بل عليها أن تكون قناة لتحقيق هذه الشرعية عبر الاستجابة الواضحة للمطالب الشعبية.”

       كما تحدث عن ضرورة تغليب المشروعية الموضوعية على المشروعية الشكلية، لأن الدستور من وضع البشر ولا يجب أن يكون متخلفا عن حركة الواقع أو معوقا لحركة المستقبل.

الشعب:لا لرموز الاستبداد و الفساد

    تلك هي أهم محاور ورقة الابراهيمي، وبالنسبة للحراك الشعبي،فيظل رفض الحوار مع رموز القوى غير الدستورية متواصلا، لأنها تحمل في فكرها فكر الفساد والإقصاء والرؤية البوليسية للأمور،علما أن هذه القوى متغلغلة في كل المجالات و الميادين،من الحكومة للبرلمان لقطاعات العدالة و الاعلام و الاقتصاد ،وكذلك في دواليب الأحزاب والجمعيات و النقابات، وكلها حاصرت الشعب وجوعته وسارت بالدولة و الأمة للانهيار الاجتماعي و الاقتصادي و الفساد السياسي؟؟

     ونساند كل القوى الوطنية التي ترفض التعامل مع من مازال وفيا للعهد البوتتفليقي في فكره و ممارساته، من دون تقديم أي إجراء للنزاهة و النظافة، وكيف يكون الرضى على سلطات تقمع المسيرات وتعرقلها وتخنق العاصمة في كل جمعة؟؟ وكيف نتفاعل مع وزراء وقفوا لجانب حكم المال الفاسد والرؤية الاستبدادية وكانوا موظفين عند وزراء طردهم الهبة الوطنية الشعبية؟؟ وكيف تكون الثقة في رجال سلطة هم مشاريع متهمين في قضايا الفساد الاقتصادي وربما الخيانة العظمةو التامر مع جهات اجنبية؟ ..يا ناس كيف يثق الشعب في من حاصره لسنوات وقمعه  وجوّعه و أغرقه في المخدرات؟؟

 و تكون مقتراحات الجماعة الوطنية بالمزج بين المقتضيات الدستورية والحلول السياسية هي المخرج الجذري كل هذه الأزمة أو المأزق السياسي، بمعنى النظر بمرونة في أوراق الدستور، لكي يكون خادما للشعب وليس معوّقا لحراكه وآماله في التغيير و التطور،لذلك طالب الشعب بالنظر في المادتين السابعة و الثامنة من الدستور الجزائري،  وهي التي تعيد السلطة للشعب .

ومن ثمة فلا مناص من إيجاد وتطبيق الحلول السياسية التوافقية، لتجنب كل الاحتمالات التي تزيد الوضع تعقيدا، فالشعب لن يتراجع عن مطالب التغيير الجذري وأبواب العدالة النزيهة الشفافة ستفتح، وسيكون السجن مصير كل الناهبين والمفسدين،لأن الشهداء قد عادوا ليباركوا هذا الحراك بصورهم و تاريخهم وعطر دمائهم الزكية، وهم قوة الحراك وضميره، ولن يتراجع الشباب الثائر سلميا حتى يسترجع وطنه المسروق، وحتى يوقف قوافل الهجرة غير الشرعية، وحتى يبنى جزائر المستقبل والنهوض الوطني.

الحلول وموقف الجيش….

    وبالعودة لخطاب قائد الأركان ليوم 20ماي، يمكن أن نحدد الأفكار التي تحدث عنها في نقاط كثيرة، أهمها الإسراع في تشكيل وتنصيب الهيئة المستقلة للتنظيم والإشراف على الانتخابات،  ودور الانتخابات الرئاسية في تفادي الفراغ الدستوري(لم يحدد زامنها) …

  و اعتبرت القيادة العسكرية للبلاد أن من يقف ضد جهود الجيش هو ضد مصلحة الجزائر(لم يحدد إذا كان يقصد من يخالف رؤية القيادة للحلول أم من يهدد الوحدة الترابية والحدود الوطنية؟؟)، وتحدث عن أصحاب مناصب عليا استغلوا وظائفهم لأغراض شخصية( قد يعني قيادات مدنية و عسكرية تسببت في الفتنة  وخانت وسرقت البلاد،و…؟؟؟)، والأهم في خطاب قائد الأركان هو تأكيده أن الجيش ظل مرافقا لكل الحلول التي ترضي الشعب.

    وبما أن الفريق قايد صالح-في خطابه يوم 22ماي- قد أكد بأنه لا يملك طموحات سياسية سوى خدمة البلاد طبق للمهام الدستورية، فليسعى لتجسيد الموقف الشعبي في حراكه المستمر، وليرافق الحراك وليفتح الحوار بين أبناء الوطن الواحد، وليسهم فعليا في تحقيق التحول السياسي السلمي.

      نقول هذا ، لأننا قرأنا بانتباه تصريح القيادة العسكرية عن محاولات أبواق العصابة تمييع فتح العدالة لملفات الفساد  وتطهير البلاد من المفسدين، لكي “تتمكن رؤوس العصابة وشركاؤها من التملص و الإفلات من قبضة العدالة”، وكانت  جهود القيادة النوفمبرية للجيش بالمرصاد لها.

…..

   ولسنا ندري لماذا تواصل السلطة في تجسيد حلولها المؤقتة، عبر تقديم مبادرات اجتماعية ضيقة؟؟ لا ترى في الجزائريين إلا الجانب البطني منهم؟؟، رغم أنهم أبدعوا في الجانب العقلي برؤى وتصورات وممارسات في كل المسيرات السلمية التي أذهلت العلم لكله، والسلطة متمسكة بحكومتها وببرامج وزرائها، وبممارسات ولاتها، في ظل قيود تفرض على المؤسسة العسكرية عدم البروز في المشهد، كي تتجنب كل قراءة  دولية خاطئة) الانقلاب العسكري).

 وهنا جاء الرد من الحراك الشعبي الذي رفع شعارات الدولة المدنية و ليس الملكية أو العسكرية، كما طالب برحيل بقايا النظام الفاسد، وعبر عن أرادته في بناء دولة مدنية بسيادة شعبية برعاية جيشه الوطني الشعبي،وكانت الإرادة كبيرة، حتى في شهر رمضان ومعاناة الصيام، لكن كانت دعوات إسقاط بقايا النظام .

في الختام

    يريد الجزائريون عبر حراكهم السلمي الوصول لدولة القانون التي تحترم الحريات وتضمن العدالة الاجتماعية، كما يردون الدولة التي تحفظ ثوابتهم وهويتهم، وتمنحهم القدرة على رفع التحدي التنموي اقليميا وعالميا،  و هناك الكثير من المقترحات الفردية و الجماعية لحل الأزمة، وتحتاج فقط لمن يساندها ويفعّلها، ويستمع لها ،كما تحتاج لمن يقرّب بينها للمصلحة العليا للوطن…

   و اللهم احفظ الجزائر وأهلها ، واحفظ السلم والأمن، وقوّي علاقة الجيش بشعبه، ووفق كل الجزائريين في حراكهم السلمي بشعار “الجيش والشعب خاوة خاوة”، ونختم بشعر للشاعر الجزائر الوطني محمد العيد آل خليقة:

ألا أيها الشعب الذي بجهاده

أعاد جهاد الصحب يقفوهم أثرا

لقد ثرت في التاريخ أعظم ثورة

تسجّل تبرا في الصحائف لا حبرا

أراك بلغت اليوم ما كنت راغبا

 ونلت مزايا لا تطيق لها حصرا

ودع عنك أسباب التنازع واعتصم

بميثاقك الثوري واشدد به أزرا

ولا تنس فضل السابقين إلى الفدى

من الشهداء الطيبين بها ذكرا

د-وليد بوعديلة

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here