د. وليد بوعديلة: الجزائر.. “إما التحوّل أو التحوّل”: اختلاف حول الآليات والخطوات… لكن يبقى “الحوار الجاد” هو الحل

 

 

د. وليد بوعديلة

نعم، لا طريق لجزائر الشهداء إلا السير في مسار “التحول”، بكل معانيهم دلالاته، والبداية من التحول السياسي، فإما “التحول أو التحول”، أو انتصار الوطن و تحقيق النصر السياسي على مافيا المال والسياسة، ولا تراجع عن أمل التغيير ومحاصرة الاستبداد /الفساد.

الحوار..  رفض ومساندة

رغم رفض  مولود حمروش لمبادرة الحوار والوساطة، وتصريحه بأنه غر معني بأي دور في هذه المرحلة، فبالتأكيد ليس ضد الحور كوسيلة لحل الأزمة، لكنه ضد السياقات التي ينظم فيها وضد غياب الضمانات ومبادرات السلطة بالحل الجذري لكل الإشكالات السياسية في انتظار مواقف أخرى لشخصيات وطنية، قد تلبي دعوات التوافق والوساطة أو قد ترفض، لكن دائما من دون رفض جذري لروح الحوار ولكن لظروفه السياسية فقط.

وما يدعم موقفنا هو تراجع بعض  الأعضاء المنسحبة من مجموعة الحوار، مما يؤكّد شكوك الحراك الشعبي في مواقف السلطة وعدم جديتها، وعلى أعضاء المجموعة الحذر وعدم الوقوع في فخ الوعود والامتيازات التي قد تأتي من ممثلي السلطة، وعليهم البحث عن الاستقلالية للتحرك والمبادرة، والتمسك بكل مطالب التهدئة لضمان رضا الحراك الشعبي.

ونحن لا نخوّن ولا نشوّه أي أحد، فقد تختلف الآراء والقناعات، لكن حب الوطن يجمعنا وعلينا الاستماع لبعضنا البعض، ولا قيمة لانتخابات قد تنجز في غياب الشعب ورفضه للحضور لقاعات ومكاتب الانتخاب، فالروح أهم من المظاهر، ولا هرب من توسيع قاعدة التشاور الشعبي الوطني بين كل التوجهات، لإنهاء الأزمة والوصول رؤية متقاربة للحل السياسي الدستوري.

روح الانتخاب أو شكله؟

 كما أن  التوافق على الأفكار قبل انجاز الفعل الواقعي، والتاريخ يشهد بأن كل موقف يتحقق دون حضور لقبول شعبي كان فاشلا، مزورا، ناقصا؟ وقد تنجح السلطة في تنظيم إداري تقني للانتخاب مع فشل شعبي وسياسي سيؤخر الحل الجذري ويوقف التحول السياسي من نظام الفساد والاستبداد؟

ولا ننسى أن السلطة في موقف ضعف وعليها البحث عن مخارج لإبعاد الوجوه المرفوضة في الحكومة، في ظل سجن الكثير من رجالها السابقين( احمد أويحي وعبد الملك سلال ترد أسماءهما في كل فضائح الفساد والصفقات المشبوهة)، و في ظل ورود أسماء مازالت في الخدمة  في قضايا فساد وفي ظل تلاحق ولاة الجمهورية على المحاكم، بل وسجن البعض والرقابة ضد البعض( ثلاثة ولاة سابقين بتيبازة متابعين قضائيا في ملفات فساد عن تبديد أموال عمومية وإساءة استغلال الوظيفة وغيرها؟)

ويجب تفاعل كل القراءات السياسية و القانونية للبحث عن التوافق الوطني، والقيام بإجراءات التهدئة الملموسة، مثل: ضمان الحريات والحقوق، مساندة المسيرات السلمية ،فتح وسائل الإعلام العمومية لمختلف الحلول والآراء…

الجزائر… وطن الشهداء لا يموت

علما أن  الخبراء القانونيين و الدستوريين قد كشفوا بعدم إمكانية تدخل السلطة للإفراج عن المسجونين، من دون محاكمات عادلة..،  كما رفض قائد الجيش إملاءات ومطالب المعارضة، ورفض كل الشروط المسبقة للمشاركة في الحوار، وركز على ضرورة التركيز على الانتخابات فقط، والترفع عن القضايا الهامشية و المزايدات، وأرجع أمر إطلاق سراح الموقوفين من صلاحيات العدالة وحدها …

وهنا اختلفت مجددا تأويلات خطاب قائد الأركان(ليوم 30جويلية)، وهناك من ساند واقتنع بكل الأفكار، وهناك من تهجم ورفض واعتبرها مواقف ضد الحراك الشعبين رغم تعني الجميع بحب الجزائر والحرص على مستقبلها. ونسي الجميع أن المسيرات متواصلة لأكثر من نصف عام وقد تصل لعام كامل، إذا حضر التعنت والتشدد ورفض كل مبادرة أو رأي توافقي؟؟

يقول  كريم يونس منسق هيئة الحوار( المكونة من شخصيات وطنية):” ليس لنا خيار آخر ما عدا الحوار الجاد و المسؤول سلطة ومعارضة،  لأن الحوار هو السبيل الأمثل والوحيد للخروج من هذا النفق والسفر بالبلاد نحو بر الأمان …فالمطالب متحكم فيها ويمكن تحقيقها لأنها تشكل الأرضية المتينة و الصلبة لانطلاق الحوار وتعكس إرادة الكل في تهيئة المناخ وتنقية الأجواء لإدارة الحوار”.

ولا يوجد في رأينا الاختلاف حول أهمية الانتخابات ودورها الديمقراطي على العموم، ولكن الاختلاف حول الآليات لتنظيمها، والجزائر وطن لا يموت ويظل يترقب النهوض في كل مرة بفضل التضحيات والتماسك المجتمعي الوطنين واختلاف الآراء وارد جدا، لكن تحت الغطاء الوطني والوحدة الترابية.

وصرح حزب طلائع الحريات مثلا أن انتخاب رئيس للبلاد بشفافية هو المسار الأكثر ديمقراطية، لكن الحزب أكد على مسار الحوار والتزام النظام بكل مخرجاته التوافقية، وكما كتب القيادي في حزب حمس ناصر حمادوش:” أصل الأزمة هو أزمة الشرعية السياسية للسلطة الحاكمة، وأنه بدون ديمقراطية حقيقة وبدون احتكام فعلي لإرادة الشعب الحرة لن تقوم للبلاد ولا لتنميتها ولا لنهضتها قائمة”.

استرجاع المال العام أولوية

ولا يخفي علينا أن عصابات النظام السابق تواصل نشاطها بخبث وشراسة، ونذكر من أخبارها مثلا:

 -الآن توجد أكثر من 330 مطحنة عمومية وخاصة تحت التحقيق، لبيع المنتوج بأسعار مضاعفة، مع غلق خمسة وأربعين مطحنة في جهة الغرب الجزائري؟؟

– و خطر الفساد المالي والإداري يهدد شركة سوناطراك، ورئيسها الأسبق محمد مزيان تحت الرقابة القضائية بسبب إبرام صفقات مخالفة للقوانين و تبديد المال العام؟

-تفكيك الكثير من الشبكات الجهوية و الوطنية لتهريب العملة الصعبة، عبر المطارات و الحدود، و تمكّنت فرقة للدرك الوطني بوهران من تفكيك شبكة تروج العملة الأجنبية وحجز مبالغ معتبرة، وبفضل تشديد الرقابة على مستوى الموانئ والمطارات تم حجز -منذ بداية الحراك الشعبي- حوالي 4 ملايير أورو..ياناس.

ومن جهة أخرى تم تكليف ديوان قمع الفساد بالتحقيق مع كبار المسؤولين، وأولهم وزير العدل السابق الطيب لوح، مع تحويل ملفات الفساد من الدرك الوطني للديون المركزي لقمع الفساد لفتح التحقيقات الابتدائية.

وعلى الهيئات الجزائرية التي تريد حماية المال العام التحرك والاستماع لأصوات الحراك الشعبي، واسترجاع المليارات المهربة، بالتنسيق بين الجهات الأمنية و القضائية، لكشف عمليات مالية مشبوهة لرجال المال والمسؤولين السابقين وأبنائهم وأقاربهم…خاصة تحت مظلة الاستيراد وبغطاء الشركات العمومية؟؟

وأخيرا..

على جيشنا (الوطني الشعبي) أن يرافق الحراك الشعبي، من بعيد ودون تدخل في الحقل السياسي، ولا يجب جره لممارسة ليست من صلاحياته الدستورية، وعلى سلطة عبد القادر بن صالح تحل المسؤولية التاريخية وتقديم مبادرات ترضي الحراك الشعبي، في ظل القانون و الدستور، وبحوار سياسي ثوري/ فعلي وليس ديكور وسياسي- إعلامي.

هكذا تتحرك الجزائر بين أشواق الأمل والتغيير و مطبّات التعنت و الاقصاء، ولا يحمل الوطن إلا الانتصار والانتقال السياسي، فإما “التحول والتغيير وإما التحول والتغيير “، بمعنى لا مصير آخر ينتظرنا، ونختم بهذه الكلمات الوطنية الصادقة المعبرة للدكتور عبد الرزاق قسوم :” فهل تبزغ شمس التغيير على بلدنا، من بعد ما يضطلع به شباب إعادة البناء، وجيل السمو والإعلاء، فتضمد جراح أبنائها، ويرمم خلل اقتصادها، ويعاد دور ريادتها بين الأمم، وفقا لما يقتضيه سؤددها ويطمح إليه الخيّرون من أولادها”(جريدة البصائر، عد969).

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here