د. وليد العليمي: القوى الإستعمارية وحكم العسكر

د. وليد العليمي

لقد وصلت حالة الشعوب العربية الي المرحلة الاخيرة ، وهي مرحلة الإنفجار ، وهذه المرحلة المتأخرة التي وصلت اليها الشعوب العربية كانت بسبب ، حكامها الفاسدين ، وأنظمتهم القمعية البوليسية، وتشبث هؤلاء الحكام بكرسي الحكم الي مالانهاية، إن هؤلاء الحكام   مولودين من رحم المؤسسة العسكرية ، التي تقف وراء كل الكوارث والإنتكاسات التي أصابت هذا الجزء من العالم ، وهي السبب وراء التخلف الإقتصادي والإجتماعي والثقافي للبلدان العربية ، وسنورد في هذا المقال ،بايجاز بعض الأسباب التي جعلت المؤسسة العسكرية العربية تنحرف عن مهمتها الأساسية ،وتقف وحدها بلا منازع  في قفص الإتهام .

القصة بدأت منذ عقود خلت من الزمان ، عندما ثارت الشعوب العربية على الإستعمار الأجنبي ، كما ثارت في هذا العقد من الزمان ، وما أشبه اليوم بالبارحة ، في الماضي قامت الشعوب العربية بالثورة على المستعمر الأجنبي  ، واليوم تثور على أذناب  هذا المستعمر  ، وهو المؤسسة العسكرية العربية .

عندما غادر المستعمر الأجنبي  ، الأراضي العربية ، سلم السلطة ، للمؤسسة العسكرية ، وأعتبرهم وكلائه في المنطقة ، وأذنابه الذين لا يستغني عنهم أبدا ً ، وكلما حاولت الشعوب العربية ،الإنعتاق من حكم العسكر ، والتطلع  لسلطة مدنية ، أعادت هذه القوى الإستعمارية ،حلفائها العسكر الي السلطة ، سواءً بإنقلابات عبر الصناديق أوعبر الدبابات .

لم يكن الإستعمار هو السبب الوحيد ،لإنحراف المؤسسة العسكرية العربية ،عن مهمتها الأساسية والوحيدة ، وهي حماية الوطن وحماية حدوده وثغوره من اي إعتداء خارجي ، بل كانت الشعوب العربية ذاتها هي سبب آخر لهذا الإنحراف ، بجهلها ، وتماهيها ، مع العسكر ،وثقتها بهم .

في الدول الديمقراطية ومنها بالطبع القوى الإستعمارية التي إستعمرت  بعض البلدان العربية ، لا يتدخل العسكر في السياسة إطلاقا ً ، وهذا ما نراه في بريطانيا وفرنسا والمانيا وغيرها ، على سبيل المثال لاالحصر ، فالسلطة في هذه الدول ، سلطة مدنية خالصة ، ماذا يحدث يا ترى ؟ ولماذا هذه الدول تتشدق بالديمقراطية في بلدانها ، وتتفاخربسلطاتها المدنية ؟ بينما تريد لبلداننا العريية أن تبقى بيد حكومات عسكرية بوليسية إستبدادية وقمعية ؟

في طيات الإجابة عن هذا السؤال  ، تكمن الحقيقة الساطعة وهي أن القوى الإقليمية الكبرى في العالم “الإستعمارية منها سابقا ً والقوي الصاعدة أنذاك كالولايات المتحدة ” ؟تكيل بمكيالين ، ولدى هذه الدول إزدواجية في المعايير ، وضبابية سوداء في التعامل مع قضايا بلداننا العربية على وجه الخصوص ، فهي تريد لشعوبها الديمقراطية ، والحكم المدني ، والحرية ، والعدالة الإجتماعية ، بينما تكرس ، الشمولية ، والحكم العسكري ،البوليسي و القمعي ، والإستبدادي ، في بلداننا العربية ، وبعض بلدان العالم .

حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية والتي لم تكن من دول النادي الإستعماري ا لقديم  ، إلا أنها أصبحت دولة إستعمارية باسلوب جديد ،يتناسب مع شعاراتها الفظفاظة المعلنة ، والتي تعتبر سارية المفعول فقط داخل أراضي الولايات المتحدة ، بينما هي في حقيقة الأمر تقود الإنقلابات حول العالم ، وتنصّب الحكومات العسكرية ، في الدول الصغيرة ، بلا حياء ولا خجل ، من الدستور الأمريكي الذي يدعي كُتابه أنه قائم على المبادئ وصيانة حقوق الإنسان ، لدرجة ، تجعل المثقف حول العالم يقول بتهكم وسخرية ( أمريكا فقط لا يحدث فيها إنقلاب لانه لايوجد سفارة لها هناك ) .

ما حدث يوم الخميس الفائت في السودان ، هو مسرحية رديئة ، للعسكر ، لإختطاف السلطة ،والإ لتفاف على مطالب الشعب السوداني الثائر ، وعلى الشعب السوداني البطل أن يكون على حذر ويقظة من العسكر ، وعليه أن يستمر بثورته حتى تتسلم السطلة “حكومة مدنية” إنتقالية ، بإستطاعتها إقامة إنتخابات حرةو نزيهة وشفافة ، لا تشارك فيها المؤسسة العسكرية ، إلا في إطار حماية العملية الإنتخابية فقط ، وفي إعتقادي أن الشعب السوداني أصبح أكثر وعيا ً ونضجا ً بحيث لن تخدعه شعارات المؤسسة العسكرية وألاعيبها ، وهذا ما ننتظره من الشعب الجزائري الحر .

في الماضي القريب طردت شعوبنا العربية المستعمر الأجنبي ، وهي الان ومنذ مطلع عام 2011م ، تحاول بكل قوة  أن تطرد أذناب هذا المستعمر في منطقتنا العربية ، الفارق لنا في هذه المرحلة ، هي إدراكنا للحظة وعى جمعي ، ومعرفي ، تسبر لنا أغوار الحقيقة ، بحيث نتبيّن ونتحسس طريقنا الصحيح ، الذي يجب أن نصل من خلاله  ، لحياة كريمة ، وعادلة ، وآمنة ، لنا ولأبنائنا ولأحفادنا ، حياة نتشارك جميعا ً في صناعتها ، حياة تسمو فيها مصلحة الأمة على مصالحنا الذاتية الضيقة .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here