د. هشام البواب: رفع جودة التعليم في المغرب هل يتحقق بفرنسته وبما يسمى “الانفتاح”؟

د. هشام البواب

كتبتُ قبل أيام مقالا تحت عنوان: “يا أهل الجزائر: لماذا تستبدلون بالفرنسية الإنجليزية وليس العربية؟”، والخطاب هذا ولو خُصَّ به الى حد كبير أهل الجزائر، إلا أنه كان خطابا للمسلمين عامة، يناقش مشكلة تعاني منها كل الدويلات في العالم الإسلامي، فالعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. فمصيبة انفصام اللسان والشخصية آفة أُصيب بها المسلمون في كل البلدان الإسلامية منذ غزو الغرب لها عسكريا وسياسيا ابتداء من القرن الثامن عشر / التاسع عشر ميلادي، وزرع فيها نخبة من عملائه يُقَوِّضُون البلاد والعباد والدين لصالح الغرب الذي عينهم ويمدهم بأدوات البقاء.

فها هو المغرب وبعد جدال لسنوات يصادق مؤخرا على مشروع قانون – إطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي (يتضمن ستين مادة)، المشروع القانوني الذي لم يدعمه البنك الدولي (ومعه فرنسا) بقروض ربوية آخرها قرض بمبلغ خمسمائة مليون دولارا فحسب، بل ساهم كذلك بقوة في تحرير كثير من بنوده وتحديد وجهة ومنظومة السياسة التعليمية في المغرب. ولعل من بين أهم بصمة للبنك الدولي ومعه فرنسا في هذا المشروع القانوني هي المواد التي تنص على فرنسة التعليم (على الخصوص المواد 2، 31، 32).

وقد عرجتُ في مقال “يا أهل الجزائر: لماذا تستبدلون بالفرنسية الإنجليزية وليس العربية؟” على تبني المغرب لهذا القانون الذي ينص على معاودة اعتماد اللغة الفرنسية لتدريس العلوم التجريبية والتقنية والرياضيات في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي، فقلتُ بأن المغرب بدلا من إتمام مسيرة التعريب التي بدأها في تسعينيات القرن الماضي (والتي عرب خلالها المواد التقنية والعلوم التجريبية والرياضيات الى اللغة العربية في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي)، وذلك بتعريب تلك المواد أيضا في الدراسات الجامعية والعليا (التي بقيت ليومنا هذا تدرس بالفرنسية)، ومن ثم حل المشكلة اللغوية التي يجدها الطلبة حين التحاقهم بالجامعة، … بدلا من ذلك تراجع المغرب عن مسيرته، وقرر إعادة فرنسة التعليم الثانوي إرضاءً لفرنسا وأتباعها المتسلطين في البلد.

وفي هذا المقال أود التطرق بشيء من التفصيل لقانون فرنسة التعليم في المغرب وتفنيد تبريرات المدافعين عنه.

فمن أهم التبريرات التي أسردها المساندون لفرنسة التعليم هي:

  • رفع جودة التعليم.

  • التفتح على ثقافات العالم.

  • حل مشكلة اللغة التي يواجهها طلبة العلوم التجريبية عند التحاقهم بالجامعة بسبب عدم إتقانهم للغة الفرنسية.

  • الاستجابة لمتطلبات سوق العمل الذي في كثير من مجالاته يتطلب إتقان اللغة الفرنسية.

سأتحدث في هذا الجزء الأول من المقال عن النقطتين الأوليتين، وسأخص الجزء الثاني إن شاء الله للنقطتين الثالثة والرابعة.

ولن أتحدث في هذا المقال عن أهمية اللغة العربية ومركزها عند المسلم كجزء أساسه من هويته كونها لغة الوحي، وبأنها لغة كل العلوم بما فيها العلوم التجريبية والرياضيات والحاسوب والفلك والهندسة الخ، وبوجوب تعلم كل العلوم بها وترجمة كل المستجدات العلمية الى العربية، … فهذه النقاط تطرقت لها في مقال “يا أهل الجزائر: لماذا تستبدلون بالفرنسية الإنجليزية وليس العربية؟”.

  • هل تُحسن جودة التعليم بتدريس العلوم التجريبية بالفرنسية؟

الذين يربطون جودة التعليم باللغة الفرنسية، كالذي جاءه شخص يعاني من مرض، فقال له أن شفاءه لن يتحقق إلا بتناول دواء مغلف بورق مكتوب بالفرنسية. فهذا لا هو شخَّص نوعية الداء ولا اهتم بماهية الدواء الذي يشفي فعلا المرض.

فالعاقل يعلم أن قدرة الدواء على الشفاء لا تكمن في اللغة التي وُصِف بها ولا الوعاء الذي غُلّف فيه، ولكن في محتواه، تكمن في قدرة وقوة وجودة المُكَوِّن الفعال (المكون النشط حيويًّا) للدواء في شفاء المرض. أما وعاء الدواء فيُخَطُّ باللغة التي يتقنها المريض ليسهل عليه فهم محتوى الدواء ومتى يُستعمل وكيفية استعماله وما هي أعراضه الجانبية الخ. ولذلك تجد نفس الدواء يسوق بلغات مختلفة انسجاما مع لغة البلاد التي يُصدر إليها.

كذلك حال كل علوم الدنيا فلها محتوى معرفي، ولها وعاء يوصل المحتوى للمتعلم.

فالمضمون أو المحتوى المعرفي هي الحقائق والقواعد والمعلومات والتفسيرات المتعلقة بكل ما يدركه حس الانسان في الدنيا، والتي تُستنتج عن طريق بحث منهجي منظم يزيل الستار عن ماهية الأشياء ووظيفتها وكيفية حركتها وتفاعلها الخ، ويرتب نتائج الأبحاث ويصنفها ويربط بعضها ببعض ليخرج بمفاهيم وقواعد عامة وأخرى خاصة، ويوظف تلك العلوم لابتكار ما ينفع الانسان في حياته.

فمن الحماقة والسطحية البحث فقط في وعاء العلوم (اللغة التي تدرس بها المعارف والتقنيات)، وترك محتوى التعليم.

فجودة التعليم لن تتحقق إلا بالتعاطي معه من شقين:

أولا: رفع مستوى محتوى التعليم وجودته في كل المراحل، ابتداء من الروض والمدارس الابتدائية الى الجامعات والدراسات العليا، وربط ذلك المحتوى بأهداف عملية لا تُنتج نفسيات وعقليات استهلاكية تقتصر على استهلاك ما تنتجه غيرها من الأمم النشطة، ولكن تُخَرِّج عقليات منتجة مبتكرة مبدعة. هكذا يكون محتوى التعليم خادما لمصالح الأمة وهويتها ومحققا للقوة، وليس تابعا وخاضعا لدول الغرب ومنظماتها وخادما لمصالحه.

ثانيا: تعليم المحتوى العلمي (في كل أنواع العلوم بما فيها التجريبية والتقنية الخ) باللغة الأم للأمة، ليس فقط لأن التعلم باللغة الأم هو الأسهل والأسرع وسيلة لفهم المحتوى الذي يُدَرَّس، ولكن كذلك لأن اللغة مرتبطة بعقيدة الأمة وهويتها (خصوصا اللغة العربية بالنسبة لكل المسلمين) ولا يمكنها النمو والتوسع إلا باستعمالها في كل مجالات الحياة، ومتى استبدلت باللغة الأم لغة أجنبية، ضعف اللسان الفصيح وضعفت معه العقيدة والهوية.

جودة التعليم تُقاس بمحتواه وليس باللغة التي يُدرس بها المحتوى

فلنأخذ مثلا في العلوم التجريبية. فالمغرب بدلا من العمل جاهدا لرفع مستوى محتوى تلك العلوم، انشغل وشغل الناس بالفرنسية وادَّعى أن تدريسها باللغة الفرنسية هو الحل لرفع جودتها. وهذا درب من السطحية والحماقة وقمة في عدم المسؤولية.

فمستوى العلوم التجريبية يرتفع بتزويد المدارس والثانويات والجامعات بأرقى مختبرات وأدوات وآلات البحث التجريبي، وتوفير ميزانيات عالية للأبحاث تُنفق لإحداث وظائف للباحثين وتمكينهم من أموال ينجزون بها أبحاثهم في المغرب فيشترون بها الآلات والمواد التي يحتاجونها لإجراء تجارب على نفس المستوى الذي يقوم به الغرب، بدلا من أن يلجؤوا لجامعات غربية. وتمكن المبدعين من الحصول على منح مالية لتأسيس شركات تترجم نتائج الأبحاث التجريبية الى منتوجات تجارية وخدمات. فهل تتوفر الجامعات المغربية على مختبرات بحث تتوافر على معدات تسمح لهم بالقيام بأبحاث وتجارب مثل التي تقوم بها جامعات الغرب؟

ولتقريب المسألة أكثر، لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر مجال أبحاث الأورام (السرطان). فالغرب مثلا ينفق مئات المليارات من الدولارات لإجراء أبحاث على مختلف أنواع الأورام، يجريها على خلايا بشرية وخلايا حيوانية وعلى حيوانات وعلى المرضى من عموم الناس، فيجرب مدى فعالية آلاف المواد والعقاقير والأدوية في مكافحة هذا النوع من السرطان أو ذاك، ويجري أبحاثا مفصلة لمحاولة معرفة الأسباب التي تؤدي لأمراض السرطان، فيقوم مثلا بكشف سلسلة الأشرطة الوراثية الكاملة للخلايا السرطانية (مختلف أنواع السرطان) ولخلايا سليمة مأخوذة من آلاف المرضى بالسرطان ومن أناس أصحاء (للمقارنة) لمعرفة أنواع الطفرات التي تسبب السرطان. ويقوم بتجارب لكشف كيف تنظم الخلايا نشاط المُوَرثات ومتى يختل هذا النظام لينتهي الأمر بتكاثر الخلايا دون انضباط والى لانهاية ومن ثم تكوين أورام في الجسد. ويقوم بتجارب لتطوير تقنيات لتعديل وتصحيح الطفرات الوراثية باستغلال أدوات تستعملها بعض الجراثيم لحماية أشرطتها الوراثية أو لاختراق أشرطة وراثية للخلايا التي تستهدفها. ويقوم الغرب بتجارب لكشف أنواع البروتينات التي تنتجها الخلايا السرطانية ونوع التحولات التي تتعرض لها البروتينات. وطور الغرب برمجيات الحاسوب لتحليل نتائج الأبحاث التجريبية. ….. ولمعرفة وظيفة كل مُوَرِّث، قام الغرب بإنتاج عشرات آلاف الفئران التي تحمل كل واحدة منها طفرة أو طفرات في مورث واحد محدد، أو حُذف منها مورث واحد، ليبحثوا بعدها نتيجة عطب المورث على أجهزة جسم الفأر المختلفة (كجهاز المناعة والأعصاب الخ) وهل يؤدي ذلك الخلل الوراثي لنمو أورام الخ، ومن ثم يكتشفوا وظيفة كل مورث (الفئران هي النموذج الحيواني الأسهل الذي يعتمد عليه الغرب في إجراء تجارب، إذ نسبة جد عالية من مورثات الفأر موجودة عند الإنسان أيضا، ومن ثم يمكن التعرف بطريقة غير مباشرة على الوظائف – المحتملة على أقل تقدير – للمورثات البشرية).

وقس على ذلك النشاط العلمي للغرب في مختلف العلوم.

والمطلوب والواجب، ليس أن يتعلم الطالب لغة أجنبية (إنجليزية أو فرنسية) ليستطيع قراءة نتائج الأبحاث التجريبية الغربية، ولكن أن يتعلم تلك التجارب ويقوم بها ويطورها. فما فائدة أن يستطيع الطالب قراءة بحث باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وهو لم يرى ولم يستعمل قط معظم الآلات والأدوات والمواد المستعملة في ذلك البحث؟ إتقانه للغة قطعا لن ينفعه هنا، ولكن الذي ينفع أن يكون لديه مختبرا يتوافر على مثل تلك الآلات والمواد والأدوات. فاللغة التي يحتاجها الطالب هي الأدوات والآلات والممارسة العملية.

فهل لدى الجامعات والمعاهد والمستشفيات والمصانع في المغرب (والبلدان الإسلامية عموما) القدرة على القيام بكل مثل هذه الأبحاث والتجارب التي يقوم بها الغرب؟ هنا تقاس جودة التعليم بالمغرب وباقي البلدان الإسلامية! فببساطة، إذا قام باحثون في الغرب بتجربة في أي مجال من العلوم المختلفة، فهل للباحثين في المغرب القدرة على إعادة تلك التجربة في جامعات ومعاهد ومستشفيات المغرب؟ وهل يستطيعون القيام بتجارب تخلص الى نتائج وابتكارات جديدة لم يسبقهم إليها الغرب، ولهم القدرة على ترجمة نتائج تلك التجارب الى منتوجات وخدمات ينتفع منها الناس ويسوقوها الى العالم وينتجوا بها فرص عمل جديدة؟ وهل يمول المغرب مشاريع وأفكار الباحثين ليؤسسوا شركات ومصانع، بدلا من اضطرارهم الى اللجوء لممولين غربيين؟ هنا تقاس جودة التعليم، هنا تكمن الجدية والإرادة.

فالمسؤولون في المغرب تركوا النقاش الحيوي المصيري في محتوى التعليم، وتركوا العمل على رفع مستواه، وانشغلوا بدلا من ذلك بوعاء المحتوى، بل وبالوعاء الخطأ، انشغلوا وأشغلوا الناس باللغة الفرنسية التي لا ولم ولن تخدم البتة المحتوى العلمي ولن تحسن جودته، لم تفعل ذلك في الماضي لما كان التعليم في المغرب كله بالفرنسية لعدة عقود، ولن تفعل ذلك لما سيعيدون فرنسة دراسة العلوم التجريبية والتقنية.

المسؤولون في المغرب ارتكبوا في الماضي ويرتكون في الحاضر والمستقبل جريمة كبرى بحق الأطفال والشباب، فبدلا من إشغال طاقات الأجيال الصاعدة بمحتوى علمي يستوعب أحدث ما توصلت إليه البشرية في كل أنواع العلوم التجريبية والتقنية والمعلوماتية وتمكينهم من ممارستها عمليا والبحث فيها وإجراء تجارب فيها وتطويرها، ….. بدلا من كل ذلك يشغلونها باللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية. هكذا تُهدر طاقات الأجيال في الفراغ.

اللغة العربية هي الوسيلة الفعالة والصحيحة لإيصال محتوى مختلف العلوم ومفاهيمه وتلقينها

أما الوعاء الذي يوصل المضمون أو المحتوى المعرفي الى المتعلم، فهي اللغة التي تعبر عن المعلومات والأفكار والمفاهيم والقواعد للمتعلم والمستمع والقارئ. والوعاء هذا يجب أن يكون بداهة اللغة الأم للشعب أو الأمة، اللغة المرتبطة بعقيدة الأمة ووجدانها، وذلك لسببين أساسين:

أولا، لأن اللغة جزء لا يتجزأ من هوية الإنسان، فاللسان هو وسيلة التواصل الأولى والأهم للإنسان مع أبناء أمته، وهي اللغة التي أخذ بها عقيدته وما انبثق عنها من علوم، واللسان (اللغة) هو واجهة الإنسان التي يعَرِّف بها نفسه ويقدمها لمحيطه وللعالم ويعبر بها عن وجدانه وأفكاره وإيمانه وأحاسيسه من غضبٍ وفرح وسعادة وحب وكراهية الخ. فالشعب الذي يستغني عن لغته في التعلم والتواصل فيما بينه، يفقد هويته وشخصيته وهيبته ويتحول لمجرد قرد أو ببغاء يقلد لغة غيره ممن لهم شخصية وهوية. ومن ثم فاللغة المرتبطة بعقيدة الأمة هي اللغة التي يجب أن تُستعمل لتعلم كل العلوم والمعارف، لا يُستثنى أي جزء منها.

ثم إن اللغة تنمو وتزدهر وتقوى كلما اعتنى بها أهلها واستعملوها في كل مجالات حياتهم وترجموا كل ما استجد عند الأمم الأخرى في شتى العلوم الى لغتهم. فإذا توقفت أمة عن الترجمة وعن استحداث مصطلحات وكلمات جديدة من لغتها لكل ما استجد من مفاهيم وأدوات ومخترعات وعلوم، وأصبحت تتحدث بلغة دارجة عامية بدلا من الفصحى، انكمشت بداهة لغتها وتراجعت وضعف لسان أهلها، وعجزوا عن التعبير والوصف والشرح، ومن ثم ضعفت قدرة الناس على التعليم والتعلم، ناهيك عن تراجع عقيدة الأمة في النفوس لأن اللغة هي وعاء العقيدة، فبضعفها يضعف دين الناس ومن ثم يسهل اختراقهم عقائديا ومشاعريا وسلب سيادة الأمة واستعبادها من قِبَلِ غيرها.

فهناك ارتباطا متلازما بين اللغة والتعليم: استعمال اللغة في كل مجالات الحياة وعلى رأسها تعليم وتعلم كل أنواع العلوم والمعارف يقوي من ناحية اللغة وينميها ويرفع المستوى اللغوي والبلاغة لدى الناس ويثبت ارتباطهم بهويتهم وعقيدتهم، ومن ناحية أخرى كلما تمكن الناس من لغتهم سهل عليهم التعلم وفهم ما يقرءون ويسمعون.

ثانيا، اللغة الأنجع للاستعمال في التعليم والتدريس (أي تدريس كل المواد والعلوم بها) هي اللغة الأم للشعب، اللغة العقائدية للشعب، اللغة التي يسمعها الإنسان وهو في بطن أمه، ثم وهو رضيع، ثم ينطق بها أول كلماته ويعرف بها مسميات أول الأشياء التي يراها ويلمسها في حياته ويعبر بها عن أول ما يخطر بباله من مشاعر وأفكار، اللغة التي يتواصل بها مع أمه وأبيه وإخوته وأسرته، اللغة التي لا يحتاج لكثير تخمين للنطق والتعبير بها. وقد أثبتت فعلا كثير من الدراسات أن الأطفال يتعلمون أفضل وأسهل بلغتهم الأم. وكل من ذهب من المسلمين للدراسة في الغرب يدرك حجم النقص الذي يعانيه والجهد المضاعف الذي يجب أن يقوم به مقارنة بزملائه الغربيين الذين يدرسون بلغتهم الأم. فإنه وإن خف النقص والعجز كلما تمكن الشخص من اللغة الأجنبية التي يدرس بها، إلا أن شيئا من النقص يبقى دائما، فمثلا الذي يلقي محاضرة بلغته الأم يستغرق وقتا أقل لتحضيرها، لأنه لا يحتاج للبحث عن كلمات وجمل ليعبر بها عن المحتوى العلمي الذي يريد إلقاءه فهو يعبر عنها بتلقائية وطلاقة، وله بدل الكلمة عشرة للتعبير عن أي فكرة ولإيصال مفهومها بالمعنى الأدق. لكن الأجنبي يحتاج لجهد أكبر ووقت أطول، ليس لتحضير المحتوى العلمي، ولكن لإيجاد العبارات والكلمات والجمل التي سيعرض بها أفكاره ويشرحها.

  • تعلم اللغات الأجنبية فرض كفاية وليس فرض عين

ومن التبريرات التي يَسُوقُها المدافعون عن فرنسة التعليم في المغرب هي الانفتاح على ثقافة دول الغرب القوية. حتى أن نائب رئيس البرلمان قال – استهبالا أو جهلا – أن دول الغرب القوية تتعلم اللغة العربية لفهمنا، فلِمَا لا نتعلم نحن لغته لنفهمه.

https://www.youtube.com/watch?v=CTmnFcQvzI0

(مداخلة نائب رئيس البرلمان المغربي ابتداء من الدقيقة الثانية وخمسين ثانية).

السيد البرلماني جهل أو تجاهل أن كل دولة غربية تدرس كل أنواع العلوم بلغتها هي الوطنية (الأم) وليس باللغة العربية، وإنما فئة ونسبة جد قليلة من الغربيين هم من يتعلمون لغات أجنبية لاحتياج الدولة لهم في وظائف معينة، كالوظائف المتعلقة بالسلك الديبلوماسي والوظائف المتعلقة بالترجمة والدراسات الاستشراقية والتجسس. أما أنت أيها البرلماني فتريد أن يتحدث كل الشعب اللغة الفرنسية والانجليزية، وأن تستعمل هذه اللغتين لتدريس الطلبة العلوم التجريبية، أرني دولة واحدة في الغرب تدرس أبنائها العلوم بلغة أجنبية؟ والإحصائيات تكشف أن نسبة جد قليلة جدا من الناس في الدول الغربية هي من تعرف لغة أجنبية.

فهذا النوع من “التفتح” أو “الانفتاح” الذي يتحدث عنه المساندون لفرنسة التعليم، إنما هو انسلاخ، … انسلاخ من العقيدة والهوية والسيادية، هو ذوبان في أحضان الغرب، هو تبعية وعبودية للغرب. ليس ثمة دولة تحترم شعبها وهوية أمتها ترضى أن تنسلخ عن لغتها لإرضاء غيرها.

ومن الحمقى من يستسيغ فرنسة التعليم بقولهم أن للأطفال القدرة على تعلم اللغات بسرعة وبسهولة، ولذلك يجب البدء في تعليمهم عدة لغات منذ سن مبكر. فهؤلاء يفتقدون لأبسط معايير الإحساس بالمسؤولية اتجاه الأطفال والأجيال، ويفتقدون لأبسط التفكير العلمي المنطقي الرزين.

فأقول لمثل هؤلاء الحمقى أن اللغات ليست في حد ذاتها هدفا لنسخر كل طاقات الأطفال والشباب لتعلمها، وإنما اللغة وسيلة لتعلم ما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، فإن أدت لغة واحدة ذلك الغرض، فكفى بها، ولا حاجة لإهدار وقت وعقل وطاقة وقدرات الأطفال والشباب بحشو عقولهم بلغات متعددة.

فتعلم اللغات الأجنبية واجب على الكفاية، أي لا يجب البتة على كل الناس (كل التلاميذ والطلبة والمعلمين والأساتذة والموظفين الخ) تعلمها، وإنما يجب على الدولة أن تُكَوِّن ما يكفي من الأفراد كل مجوعة منهم متقنة للغة أجنبية معينة لتغطي بهم حاجة الدولة والمجتمع لها في المؤسسات الإدارية والتعليمية والتجارية والصناعية والديبلوماسية والمخابراتية، فسيتعان بهم مثلا لترجمة كل ما استجد عند الدول الأجنبية من اكتشافات واختراعات وأبحاث تجريبية الخ، وللتواصل مع دول وشعوب العالم ولتبليغ رسالة الإسلام. فهذا هو المنطق والعقل والحكمة في التعامل مع اللغات الأجنبية، بعيدا عن تقديسها وعشقها للجنون وفرضها على كل أبناء الشعب وتدريسهم العلوم بها.

فمثلا الحاجة لعلاج المرضى لا يعني أن تفرض الدولة على كل الناس أن يدرسوا الطب ويصبحوا أطباء، وإنما تعلم الطب فرض كفاية، فإن تعلمه ما يكفي من الأفراد لتغطية حاجة الناس، سقط الفرض عن الباقي. وقس على ذلك كل العلوم، ناهيك اللغات الأجنبية.

وها هي سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، تروي لنا عن الصحابي زيد بن ثابت أنه قال: أَمَرَنِي رَسُولُ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ (وفي رواية: أَنْ أَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ – وهي أحد لغات اليهود –)، إذ قَالَ له صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي”، فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، فكَانَ إِذَا كَتَبَ الرسول إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ (سنن الترمذي، بتصرف). فالرسول لم يتعلم هو نفسه السريانية ولا فرض على المسلمين تعلمها ولا تعلم لغات الفرس والروم، الدولتان العظيمتان آنذاك، ولكن أمر صحابيا واحدا لتعلم السريانية فذاك يكفي لقضاء الحاجة.

فهكذا يتعامل العقلاء مع اللغات الأجنبية، ينظرون إليها على أن بعضًا منها (وليس حتى كلها) فرض كفاية، إن تعلمها أفراد قلة ليغطوا مواضع الحاجة إليها، سقط الفرض عن البقية. وليس التعامل بهوس وجنون مع اللغات الأجنبية وخصوصا لغات الدول القوية كالفرنسية والإنجليزية، كما هو الحاصل في البلدان الإسلامية وعلى رأسها المغرب والجزائر وتونس.

 (الجزء 2)

بعدما فندت في الجزء الأول التبريرات القائلة بأن تحسين جودة التعليم ستُحَقَّق بفرنسته وأن تعليم العلوم التجريبية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية يمثل تفتحا على دول الغرب القوية، أتطرق في هذا الجزء الثاني لتبريرين إضافيين يسوقهما المساندون لفرنسة التعليم في المغرب، وهما:

  • حل مشكلة اللغة التي يواجهها طلبة العلوم التجريبية عند التحاقهم بالجامعة بسبب عدم إتقانهم للغة الفرنسية.

  • الاستجابة لمتطلبات سوق العمل الذي في كثير من مجالاته يتطلب إتقان اللغة الفرنسية.

  • حل مشكلة اللغة الفرنسية التي يواجهها الطلبة عند التحاقهم بالجامعة يكون بتعريب التدريس الجامعي وليس بفرنسة التعليم الأساسي والثانوي

من السياسات الارتجالية التي تعكس اللامبالاة وعدم الجدية عند أصحاب القرارات السياسية في المغرب واستهتارهم بملايين المتعلمين من الأطفال والتلاميذ والطلبة وآبائهم وأسرهم وأساتذتهم والتلاعب بمستقبلهم، هو تعريب المغرب تدريس مواد العلوم التجريبية والرياضيات في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي (التعليم الأساسي) والثانوي في تسعينيات القرن العشرين، لكن إبقاء تعليم هذه المواد باللغة الفرنسية في الجامعات ومعاهد الهندسة والدراسات العليا. فالطالب الذي تعلم العلوم التجريبية والرياضات والاقتصاد باللغة العربية (مع التحفظ على ركاكة وضعف تعريب بعض المصطلحات والاكتفاء أحيانا بكتابة مصطلحات فرنسية بأحرف عربية)، يجد نفسه فجأة عند التحاقه بالجامعة أو المعاهد العليا لدراسة العلوم التجريبية أو الرياضيات أو نُظُم المعلومات أو علم الاقتصاد أو الهندسة أو الطب يواجه معضلة اللغة الفرنسية، إذ عليه فجأة التخلص من كل المصطلحات العلمية العربية التي تعلم بها لمدة اثنتي عشرة سنة والبحث عن ترجمتها باللغة الفرنسية، ناهيك عن وجوب تعلمه تركيب جمل بالفرنسية والتعبير بها وتحرير نصوص بها وفهم المحاضرات والكتب العلمية المعتمدة باللغة الفرنسية. هذا الواقع يجعل طبعا كثيرا من الطلبة عاجزين عن متابعة التعليم الجامعي في المواد المذكورة أعلاه، او على أقل تقدير لا يستطيعون التفوق فيها. فقد جاء في أحد تقارير وزارة التعليم في المغرب بأن 63% من طلبة السلك الثانوي يعجزون عن إتمام مسارهم التعليمي في الجامعات بسبب عدم إتقانهم للغة الفرنسية.

فكيف تُواجه هذه المشكلة وتُحل؟

كل إنسان سوي المنطق والغريزة سيدرك بداهة أن الحل البديهي المنطقي يكمن في إتمام عملية التعريب لتشمل العلوم التجريبية والرياضيات ونظم المعلومات وعلم الاقتصاد والهندسة والطب في الجامعات والمعاهد، وبالتالي يصبح التعليم الجامعي منسجما لغويا انسجاما تاما مع مراحل التعليم الأساسي والثانوي. فدور التعليم الأساسي والثانوي هو تأهيل الطالب للدراسات العليا وللتعمق في أحد الاختصاصات التي أخذ عنها معلومات عامة أو جزئية. فتكون الدراسات الجامعية العليا استكمالا لمساره التعليمي الذي بدأه في المدرسة والثانوية، وليست منفصلة عنها، وقاطعة للصلة بها.

لكن وزارة التعليم وأصحاب القرار السياسي في المغرب، رأوا أن الحل يكمن في التخلي عن اللغة العربية ومعاودة تعليم العلوم التجريبية والرياضات والاقتصاد في مراحل التعليم الأساسي والثانوي باللغة الفرنسية. هذا ليس حلا، ولكن فوضى وعربدة ودرب من الحماقة.

أسئلة لأصحاب القرار السياسي في المغرب:

وزارة التعليم وأصحاب القرار السياسي في المغرب يجب مسائلتهم ومحاسبته على تلاعبهم بمستقبل وهوية أجيال من الأطفال والشباب. يجب محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها ويرتكبونها بحق شعب بأكمله، إذ أفسدوا لسانه وضيعوا هويته، لا هو أصبح يتحدث العربية الفصحى ولا الفرنسية الفصحى، كلامه عبارة عن خليط من كلمات عربية مدرجة وكلمات فرنسية مدرجة، ناهيك عن المحتوى العلمي الهزيل الذي تتضمنه مواد التدريس في كل مراحل التعليم.

فيجب مسائلة أصحاب القرار السياسي في المغرب:

  • لماذا لم تعربوا الدراسات الجامعية رغم مرور حوالي ثلاثين سنة على تعريب مراحل التعليم الأساسي والثانوي؟

  • كل دول العالم تترجم يوميا مئات وآلاف الكتب في شتى المجالات لتقدمها لأبناء شعبها بلغتهم الأم، فكيف عجزتم أنتم أيها المسؤولين في المغرب، على مدى ثلاثين سنة وأكثر، عن ترجمة بضعة كتب في العلوم التجريبية والرياضيات والهندسة ونُظُم المعلومات والطب يستعين بها الأساتذة والطلبة في دراسة هذه العلوم بالعربية في الجامعات والدراسات العليا؟

  • المعلوم أن المترجم المحترف يستطيع عادة ترجمة حوالي 2500 كلمة في اليوم، أي يمكنه ترجمة كتاب من حوالي 200 صفحة في خلال شهر ونصف. فأليس عَامٌ كافي لترجمة مقررات التدريس الجامعي بالنسبة لدولة لديها مؤسسات وموارد مالية وبشرية مختصة في اللغات والترجمة؟

  • إذا كان أبناء المغرب يهاجرون الى الخارج للدراسة بلغات أجنبية لم يدرسوها قط من قبل، كالروسية والألمانية واليابانية والإنجليزية الخ، ويفلحون في تعلم تلك اللغات وفي إنهاء دراستهم في بضع سنين، ويفلحون في الاندماج في سوق العمل في تلك الدول وبتلك اللغات الأجنبية، … فكيف لا تفلح دولة بمؤسساتها ومواردها المادية والبشرية الكبيرة في تعريب التعليم الجامعي والعالي في بضع سنين، واللغة العربية ليست أجنبية بالنسبة لهم، بل هي لغتهم الأم؟

  • ثم إن هناك دول عربية، كمصر والعراق وسوريا، تدرس منذ عقود وبنجاح كل العلوم، بما فيها التجريبية والرياضيات والطب الخ، باللغة العربية، فلماذا استكبرتم عن الاستعانة بها والتعاون معها لتعريب التعليم كله في المغرب واقتباس الكتب العربية منها في شتى العلوم التي عجزتم أو تكاسلتم عن تأليفها أو ترجمتها؟ لكن في المقابل لم تجدوا حرجا في الارتماء في أحضان “ماما فرنسا” والتذلل لها والاستعانة بها في سياسات التعليم في المغرب، وتبني كتبها الفرنسية في كل مواد التدريس، بل والخضوع لإملاءاتها بالامتناع عن تعريب التدريس الجامعي، ثم بمعاودة فرنسة التعليم الأساسي والثانوي؟

  • المؤسسات الإدارية والحكومية وسوق العمل في المغرب يجب أن يخضعوا للتعريب أيضا

ومن التبريرات الأخرى التي يَسُوقها المساندون لفرنسة التعليم في المغرب، أن سوق العمل في المغرب يتطلب من خريجي الجامعات والمعاهد إتقان اللغة الفرنسية.

فالسؤال الذي يجب أن يُطرح هنا، هل أنتم لازلتم مستعمرة فرنسية؟

فسوق العمل في المغرب، أي كل الشركات والمؤسسات الإدارية والحكومية يجب بداهة أن تعتمد اللغة العربية في كل التعاملات داخل المغرب وفي معاملاتها مع الدول والزبائن الناطقين بالعربية، وأن تقتصر على استعمال الفرنسية أو الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية حصريا في تواصلها وتعاملاتها مع دول وشركات وزبائن خارج المغرب لا ينطقون بالعربية، فتستعين لهذا الغرض فقط ببضعة موظفين متمكنين الى حد ما من لغة أو لغات أجنبية حسب الغرض والطلب.

وتعَلُّم لغة أو لغات أجنبية، أولا لا يستدعي تدريس أي علم من العلوم باللغة الأجنبة المرغوب في تعلمها واستعمالها لاحقا في أحد الوظائف. ولكن، وكما هو الحال في كل دول العالم التي تحترم هويتها وحضارتها ولغتها وشعوبها، تخصص ساعتان أو أربع على أقصى تقدير أسبوعيا، لدراسة لغة أجنبية يختارها التلميذ بنفسه، فلا يُجبر على تعلم لغة لا يرغب فيها. ولا يجوز البدء بتدريس اللغات الأجنبية إلا لما يتمكن التلاميذ من لغتهم الأم (ربما بعد الفصل السادس ابتدائي)، ولا يُدَرَّس أبدا أي علم باللغة الأجنبية. ثانيا، من أراد التمكن أكثر من لغة أجنبية لدواعي شخصية، فعليه الالتحاق بمعاهد خاصة لتدريس اللغات.

فلا يُعقل أن يتحدث ويتعامل موظفون مغاربة في شركة مقرها بالمغرب باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، بل يجب أن يتعامل العمال والموظفون باللغة العربية، وتكون كل وثائق وملفات التعامل باللغة العربية، حتى الموظفين الذين تستعين بهم الشركات في تعاملاتها بلغات أجنبية عليهم حصر استعمالهم للغة الأجنبية في تواصلهم مع الزبائن الأجانب. ويجب على الشركات والإدارات بالمغرب أن تدون وتسجل كل معاملات وتقارير الشركة أو الإدارة باللغة العربية، حتى تلك المتعلقة بالمعاملات مع الخارج، فإنه وإن تم مثلا تحرير عقد مع شركة أجنبية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، إلا أنه يجب أن توضع دائما نسخة باللغة العربية.

مندوبو الشركات الأجنبية ومبعوثيها هم من عليهم أن يتعلموا العربية ويتحدثوا إن أرادوا الاستثمار في المغرب

وعلى الشركات الأجنبية التي تفتح فروعا لها في المغرب أن تلتزم بقوانين استعمال العربية، وعلى مبعوثيها والمندوبين عنها أن يتعلموا هم العربية ويتحدثوا بها إن أرادوا العمل في المغرب. ولا يُقال هنا أن المغرب هو من بحاجة للاستثمار الأجنبي وبالتالي على الشعب في المغرب أن يتعلم ويتحدث لغة الشركة الأجنبية التي تفتح فرعا في المغرب، … لا، لا يجوز هذا القول، فالدول المضيفة هي التي تضع الشروط وليس الضيف، ومن لا تعجبه شروط الدولة المضيفة فلا أهلا ولا سهلا به. فالشركات التي تريد العمل في المغرب والاستفادة من سوقه، عليها هي استعمال لغة الشعب الذي تحل عنده ضيفا، وليس العكس.

ثانيا، المستثمر الأجنبي هو من بحاجة لليد العاملة في المغرب وهو من بحاجة للسوق المغربية، وهو من يربح أضعافا مضاعفة من الأموال مقارنة بالرواتب الزهيدة التي يتقاضاها المغاربة الذين توظفهم تلك الشركات، ولولا أن الشركات الأجنبية تحصل على أرباح كبيرة عن طريق فروعها في المغرب، لَمَا استثمرت هناك، فالشركات ليست مؤسسات خيرية تأتي للمغرب لمساعدة أهله على الحصول على فرص عمل ودخل مادي، ولكنها تغزوا أسواق العالم من أجل الربح المادي، … فيجب التعامل مع الشركات الأجنبية بندية، فمن أراد الاستثمار في المغرب، عليه هو أن ينسجم مع سوق العمل والاستثمار في المغرب، والتي من أهم أسسه اللغة العربية.

فالدولة وظيفتها أن تدرس أبنائها وتخرجهم بلغتهم الأم، العربية، فإن أرادت شركات أجنبية ولوج السوق المغربية، عليها هي أن تستعمل لغة السوق المغربي (العربية)، وأن تعرض وتسوق بضائعها داخل المغرب باللغة العربية. والشركات الغربية أصلا ليست عندها مشكلة في ذلك، فلو طُلِب منها اعتماد العربية داخل المغرب لاستجابت دون تلكؤ، لكن لم يطلب منها أحد ذلك.

على الدولة أن تضع سياسة للتعليم تراعي وتخدم السوق الداخلية وليس لتأهيل الشباب للهجرة للخارج

وأخيرا وليس آخرا، فإن الدول المحترمة لا تضع سياسات التعليم لتأهيل أبنائها للهجرة الى الخارج والخدمة في شركات في دول الخارج، ومن ثم فهي لا تدرسهم العلوم بلغات أجنبية ليكونوا يوما ما قادرين على الهجرة الى الخارج والعمل فيه. ولكن الدول المحترمة تدرس أبنائها لتؤهلهم للعمل داخل الوطن، فهي تدرسهم ليخدموا السوق الداخلي، ليخدموا بلادهم وأمتهم، ليحصلوا على لقمة عيشهم وحياة كريمة في بلدهم. ومن أراد بعد ذلك الهجرة للعمل في الخارج – اختياريا وليس كرها أو اضطرارا – فعليه أن يتعلم بمجهود فردي المصطلحات الأجنبية في التخصص العلمي الذي يريد العمل فيه في الخارج (عن طريق معاهد لغة خاصة مثلا).

ومن ثم فمن الواجب على الدولة أن تضع سياسة للتعليم مصحوبة بسياسة للبحث التجريبي وللتصنيع والإنتاج المحلي، تغنيها عن الاعتماد على الاستيراد والاستثمار الأجنبي.

فعلى قطاع التعليم وسوق الإنتاج والعمل أن يُنَظَّموا بشكل يخدم بعضها بعضا: أي برامج التدريس تُنسَّق حسب حاجة السوق الصناعي والتجاري والخدمي الداخلي. ومن ناحية أخرى، سوق الإنتاج والخدمات الداخلي ينظم بطريقة وشروط تمنح لخِرِّيجي المدارس والجامعات والمعاهد ولوجها دون عوائق، لا لغوية ولا تقنية. ومن ثم يعتمد التعليم في كل مستوياته اللغة العربية وتُضمن مقررات التدريس محتوى علمي عملي متطور يشمل أحدث التقنيات والمعارف في جميع المجالات. ومن ناحية أخرى تعتمد كل الشركات والمصانع اللغة العربية وتعمل على تطوير منتوجات محلية الصنع من الألف للياء في كل المجالات، تغني الدولة عن الاعتماد على الاستيراد، خصوصا السلع الحيوية الضرورية.

فسياسة الاستيراد لا يجوز أن تكون ضرورة ملحة، ولكن خطوة كمالية للزيادة مثلا في تنويع السلع والبضائع (أي عرض سلع الى جانب السلع محلية الصنع)، وخطوة ديبلوماسية تدخل في التعامل بالمثل، فيُسمح مثلا استيراد بضائع معينة من دولة ما، مقابل أن تسمح تلك الدولة أيضا بتصدير بضائع إليها.

فانظر مثلا الى أمريكا، فهي وإن كانت تستورد بضائع مختلفة من عدة دول (كالسارات مثلا والصلب الخ)، إلا أنها، أولا ليس ثمة بضاعة من التي تستوردها أمريكا لا يمكنها صنعها محليا والاستغناء عن استيرادها. وثانيا، تضمن أمريكا في المقابل فتح تلك الدول أسواقها للسلع والخدمات والقواعد العسكرية الأمريكية.

فالدول المحترمة تطور مثلا قطاعات ذاتية محلية لصناعة كل ما تحتاج إليه كالسيارات والطائرات والأدوات الطبية والصواريخ والأقمار الاصطناعية الخ …، ومن ثم تضع سياسة تَعليمٍ تُأهِّل ما يكفي من مهندسين وتقنيين وخبراء وبلغتهم الأم لتغطية حاجة سوقها الداخلي في كل تلك المجالات الصناعية.

والدول المحترمة تَعْلَم أن من واجبها ووظيفتها تعليم أبنائها وتمكينهم من أماكن عمل داخل بلدهم وبلغتهم الأم، وتمكنهم من تأسيس شركات ومصانع محلية تصنع وتسوق كل ما يحتاج له الشعب وتحتاج له الدولة.

خاتمة

أنتم يا أصحاب القرار السياسي في المغرب، بقراركم فرنسة التعليم تكرسون في أذهان المسلمين بأن اللغة العربية ليست لغة العلم، وتكرسون إحساس الدونية لدى المسلمين، فيصبحون يحتقرون لغتهم ودينهم وتاريخهم، ويقدسون لغات الغرب ومن ثم ثقافاته وتشريعاته ونظرته للحياة، ويتطلعون إليه ليرضى عنهم، ويصبح أعلى أمانيهم أن يعملوا أُجراء لدى شركات ومؤسسات غربية داخل المغرب أو خارجه، بدلا من التطلع ليصبحوا من رواد الابتكار والتصنيع والتسويق.

مراجع:

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here