د. هشام البواب: “جريمة جرش”: العين بالعين… لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب

د. هشام البواب

يوم 10 ربيع الأول 1441هـ (7 نوفمبر 2019م)، ومن جديد تستيقظ بلدة في العالم الإسلامي (هذه المرة جرش الأردنية) على وقع جريمة بشعة فقأ خلالها زوجٌ عيني زوجتيه بيديه!

ظاهرة العنف في البلدان الإسلامية مُمنهجة ومؤصلة لدى الحكام والدولة والمجتمع

ظاهرة العنف الوحشي اللفظي والجسدي من أبرز مقومات الشعوب والدول المتخلفة، وللأسف كل البلدان الإسلامية بدون استثناء جزء منها.

فالعنف في هذه البلدان عنف مُمنهج ومؤصل لدى الحكام أنسفهم والدولة، ولدى نفسيات وعقليات كل أطياف الناس بغض النظر عن مستواهم التعليمي أو الأكاديمي أو الثقافي، إلا من رحم الله. فتجد الدول في العالم الإسلامي تمارس في السجون والمعتقلات أبشع أنواع التعذيب والانتهاك للأعراض، والشتم بأقبح وأسوء الكلمات والعبارات النابية للتحقير من المعتقل وإذلاله، بل لنفي الآدمية عنه. وتجد قتل رجال الأمن للعشرات وجرح المئات خلال مظاهرات لأناس عُزَّل شيء هين جدا. والعنف متفشي أيضا بين الناس داخل بيوتهم أو في الشارع. فمجرد نظرة عبوس من شخص لشخص آخر أو ركن سيارة في مكان أراده شخص آخر، يمكن أن تنتهي بجريمة قتل. وما حادثة قطار طنطا التي أرغم فيها أحد موظفي القطار شابين من القفز من القطار وهو يتحرك ليس ببعيد، حيث فُصلت رأس أحدهم تحت عجلات القطار، وأصيب الآخر بجروح بليغة. ونفس عقلية العنف تعامل بها مؤخرا موظف في قطارات النقل العمومي بإحدى مدن المغرب، حيث سحل امرأةً مُسنة ومن ذوي الاحتياجات الخاصة (ذات إعاقة جسدية) لإخراجها بالقوة من على متن احدى عربات القطار. فالمسلمون وللأسف مثلهم مثل حكامهم والأنظمة التي تحكمهم، لا يعرفون إلا أسلوب العنف والإهانة والتحقير والبطش، عقلية النقاش والحوار تكاد تنعدم.

ولا شك أن مجتمعات تربت على العنف ويسودها التسلط، سيكون فيها الأفراد الأضعف جسديا كالأطفال والنساء، ومسلوبي الحرية كالمعتقلين، هم الأكثر تعرضا لكل أنواع العنف.

فالجريمة البشعة التي نحن بصددها، “جريمة جرش”، ليست إلا أحد مظاهر العنف المتجذر في البلدان الإسلامية عموما، وأحد مظاهر عنف الرجال ضد زوجاتهم خصوصا.

في هذا المقال سأتناول جانبين من كيفية التصدي لظاهرة عنف الزوج اتجاه زوجته. إلا أنه وجب الإشارة الى أن هذا التناول لا يشمل إلا جزءا يسيرا مما يجب علاجه. فعلاج ظاهرة العنف اللفظي والجسدي في مجتمعاتنا في البلدان الإسلامية، للحد منه (أي من العنف) الى أقل مستوى ممكن، ليس بالأمر الهين، إذ يحتاج لعلاج شامل وجذري يشمل الدولة والحكام والمجتمع والأفراد والتعليم والتشريع ونظام العقوبات.

ووجب أيضا الإشارة إلى أن مثل هذه الجرائم البشعة، كـ”جريمة جرش”، ليست حكرا على المجتمعات الإسلامية، فالجرائم تقع في كل دول العالم بغض النظر عن المستوى الحضاري والمادي لتلك الدول، إلا أن الدول المتحضرة تكون فيها مثل تلك الجرائم حالات نادرة، كما أن السائد عند الناس عموما في الدول المتحضرة هو رفضهم للعنف (على الأقل فيما بينهم كشعب، وليس بالضرورة في السياسة الخارجية لحكوماتهم). أما في الدول المتخلفة فالعنف متفشي، والمجتمعات تفتقد لحس واعي وواسع ضد العنف، فتجد أنه لازال كثير من الناس يعتبرون العنف أداة لأخذ حقهم بأيديهم بدلا من اللجوء للمحاكم، وتجد المفهوم السائد “للرجولة” هو استعمال العنف ضد كل من صدر منه حتى لو أبسط سوء أو ظلم.

الجانب الأول ومتعلق بالعقوبات:

  • ما هي العقوبة الواجب اتخاذها شرعا ضد الزوج الذي فقأ عيني زوجته

قال الله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة)، يقول الطبري في تفسيره: [وَلَكُمْ يَا أُولِي الْعُقُول فِيمَا فَرَضْت عَلَيْكُمْ وَأَوْجَبْت لِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْض مِنْ الْقِصَاص فِي النَّفُوس وَالْجِرَاح وَالشِّجَاج مَا مَنَعَ بِهِ بَعْضكُمْ مِنْ قَتْل بَعْض، وَقَدَعَ (كَفَى ومَنَع) بَعْضكُمْ عَنْ بَعْض، فَحَيِيتُمْ بِذَلِكَ، فَكَانَ لَكُمْ فِي حُكْمِي بَيْنكُمْ بِذَلِكَ حَيَاة].

فالمسلمون ملزمون شرعا بإقامة حدود الله والقصاص من المجرمين، فبإقامة الحدود ينزجر الناس عن التعدي على الغير، إذ يدرك كل من سوَّلت له نفسه الاعتداء على الغير – أيا كان نوع الاعتداء – بأنه سيعاقب بإنزال نفس الضرر عليه الذي أصاب به الضحية، فإن قَتَل يُقتَل، وإن بَتَر يَدَ أو دراع أو ساق الضحية يُبتر منه نفس العضو، وإن قلع سن شخص تُقلع سنه، وإن قطع أذنه تُقطع أذنه، وإن فقأ عين شخص تُفقأ عينه، الخ. يقول سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (سورة المائدة). يذكر ابن كثير في تفسيره: [وَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)، تُقْتَلُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَتُفْقَأُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَيُقْطَعُ الْأَنْفُ بِالْأَنْفِ، وَتُنْزَعُ السِّنُّ بِالسِّنِّ، وَتُقْتَصُّ الْجِرَاحُ بِالْجِرَاحِ].

ومن ثم فبخصوص “جريمة جرش”، يجب على القضاء أن يحكم بقلع كلتا عيني المجرم، تماما كما فقأ عيني زوجته.

القصاص هو الذي يردع عن ارتكاب الجرائم وليس السجن

ففي القصاص وحده العدل والإنصاف، وهو الرادع الحقيقي عن اقتراف الجرائم، وهو الشافي الحقيقي لصدور الضحايا وأهاليهم. فحين يرى الضحية الذي فُقِئَت عينه بأن عين المجرم فُقئت أيضا، فهذا يشفي صدره وغليله، وبالتالي يُقضى أيضا على ظاهرة الثأر، إذ تحقق العدل الرباني على يد الدولة، وحَلَّ بالمجرم نفس الضرر، فيرضى الضحية وأهله بذلك وتطيب أنفسهم. أما عقوبات السجن التي استبدلها المسلمون بالقصاص، فقد أثبت الواقع أنها لا ولم ولن تردع أبدا عن ارتكاب الجرائم، بل من المجرمين من يرى في السجن فترة نقاهة وعطلة، على الأقل لن يحمل هَمَّ تحصيل قوت يومه وأجرة المسكن، فالسجن يضمن له الطعام والشراب والسكن بالمجان. وهناك من يعتبر دخول السجن لبضع سنين مقابل إلحاق أذى دائم بشخص يشفي غليله، صفقة مقبولة. فهل كان سيقبل المجرم بصفقة يُعاقب فيها بمثل ما فَعَلَ بالضحية؟ هل كان سيكون سأفقأ عين فلان، وليفقأوا بعدها عيني؟ أو كان سيقول سأقطع لسان فلان، وليقطعوا بعدها لساني؟ أو سأقتل فلانا وليقتلوني بعدها؟ ….

ويجب الإشارة إلى أن القصاص طبعا لا يكون إلا في الجريمة المتعمدة وليس في الفعل الخطأ، فإن أصاب شخص شخصا بالخطأ، فلا قصاص وإنما حكم الشرع أن يدفع الفاعل الدية (تعويض مالي) للضحية أو لأهله إن لم يشاؤوا العفو عنه. فالله يقول: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا} (سورة النساء). قوله سبحانه (إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا): [أي إلا أن يَصَّدق أهل القتيل خطأً على من لزمته دية قتيلهم، فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه، فتسقط عنه الدية] (تفسير الطبري).

  • حين تشيع الجرائم في مجتمع وتزداد جرأة الناس على ارتكابها فيجب إلغاء الدية والعفو ولا يُقبل إلا القصاص

نعم اللهُ خَيَّر المجني عليه عمْدًا وأُسْرَتَه بين القصاص والدِّية والعفو، لقول الله {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} (سورة المائدة). والحديث الذي رُوي عن أَنَسٍ بن مالك بن النضر قال: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوا، فَعَرَضُوا الْأَرْشَ (الدِّية)، فَأَبَوْا، فَأَتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فأَبَوا إِلَّا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لَا والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: “يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ”، فَرَضِيَ الْقَوْمُ (أي أهل الجارية)، فَعَفَوْا (صحيح البخاري).

إلا أن الدِّية أو العفو في مجتمع قلَّ فيه الأمن، وكثرت فيه الجرائم، وتزايدت فيه جرأة الناس على ارتكابها، الأرجح أنه لن يَزْجرهم دفع الدية على ارتكابها، ومن ثم جاز، بل أظن – والله أعلم – أن في هذه الحالة وَجَب إقامة القصاص فقط وعدم قبول الدية ولا العفو. فنصوص الشرع نستقرئ منها أن القصاص هو الأصل والفرض، أي إصابة المجرم بنفس الأذى الذي ألحقه بضحيته، ثم عُطف على حكم القصاص إمكانية التنازل عنه والقبول بالدية إن رضي الضحية وأهله بذلك {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، فيمكن القول أن الله فرض القصاص، ورخّص العفو والدية كاختيار بديل. ومن ثم جاز للدولة حين يشيع الإجرام في البلاد أن تلزم الناس بالفرض والأصل، القصاص، في جرائم العَمد، ولا تقبل برخصة تنازل الضحية وأهله للجاني.

فالقصد من الحدود هو الحفاظ على حياة الناس وتحقيق الأمن في المجتمع، وحماية أجسادهم وأعراضهم من الأذى، فإن كان ذلك لا يتحقق إلا بإقامة القصاص وليس بتغريم الجُناة دية أو العفو عنهم {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وجب – والله أعلم – إلغاء رخصة العفو والدية، وإقامة القصاص على كل مجرم متعمد.

فقد ورد عن الرسول أنه أقام حد القتل في قاتل دون أن يستشير أهله هل يقبلون بالدية ويعفوا عن القاتل، فقد روى مسلم عن أَنَس أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ (البئر)، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ (صحيح مسلم).

وغالبية الفقهاء أجمعوا على أن قتل الغيلة لا يُصار إلى الورثة (أي لا يُستشارون فيه)، بل يجب قتل القاتل ولا تُقبل منه دية. ومن بين ما احتجوا به في ذلك قول ابن عُمَر حيث قَالَ: قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب (وكان أيامها خليفة المسلمين): “لَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ” (صحيح البخاري). فعمر بن الخطاب لم يُخَيِّر هنا أولياء المقتول، بل أمر بقتل كل من اشترك في جريمة القتل، ولم يعارض أحد من الصحابة على حكمه.

وقد اختلف الفقهاء في تعريف قتل الغيلة، فمنهم من قال القتل على وجه التحيل والخديعة. ومنهم من قال القتل على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ. ومنهم من قال هو القتل من أجل السرقة. … فأظن أن كل من قتل شخصا عن سبق إصرار وترصد، فقد قَتَلَ غيلة، فمثلا قد يفتعل شجارا بغرض أن يقتل الشخص، فلا يُقال هنا أنه قَتْلٌ غير متعمد حصل خلال شجار. فمادام دبَّر ورتب أدوات القتل مسبقا وحملها معه، فقد رتب للقتل غيلة.

ومما يُستأنس به أيضا في جواز تقييد المباح أو الرُّخص، اجتهادات للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فمثلا أمر الخليفة عمر بن الخطاب الصحابيَّ حذيفة بن اليمان بتطليق يهودية تزوجها في العراق، رغم أن الزواج من نساء أهل الكتاب مباح شرعا، وقد علل الخليفة عمر ذلك، حسب الروايات التي نقلها المحدثون، بقوله: “أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها (أي تطلق اليهودية)، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين” (كتاب الآثار للإمام محمد بن الحسن الشيباني). وفي رواية ذكرها الإمام سعيد بن منصور في سننه: [أن حذيفة سأل عمر: إن كان حرامًا خليتُ سبيلها. فكتب إليه عمر: إني لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (لأن اليهوديات في تلك المناطق كان مشهور تعاطيهن للعهر)].‏ وقد طلق حذيفة اليهودية نزولا عند أمر عمر.

ولما استشرى في عهد خلافة عمر بن الخطاب تهاون الرجال في طلاق الثلاث في المجلس الواحد، فيغلظ الرجل على زوجته بالتصريح بالطلاق ثلاث مرات، ألزمهم عمر بذلك، رغم أن الرسول كان يعتبر طلاق الثلاث في المجلس الواحد طلقة واحدة. فقد روى ابن عَبَّاسٍ أنه “كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ” (صحيح مسلم).

فإن كان مقصد الشريعة لا يتحقق على الوجه الأمثل إلا بتبني الدولة لحكم شرعي واحد في المسألة أو عدم الأخذ بالرخص وتقييد بعض المباح، جاز للحاكم فعل ذلك. ومن ثم إن كان زجر الناس عن ارتكاب الجرائم، والقضاء بشكل واسع على ظاهرة العنف المتفشية في المجتمع، لا يتحقق إلا بإلزام الناس بالقصاص وعدم ترخيص الدية أو العفو، فأظن أنه جاز للدولة ذلك. والله أعلم.

الجانب الثاني ومتعلق بالتمادي في العلاقات الزوجية المضطربة وعدم حسمها بالطلاق:

اِعلم أن كل جريمة بشعة داخل أسرة لا تأتي فجأة دون مقدمات وتراكمات، ودون اضطراب نفسي وسلوكي لدى فرد أو أفراد في الأسرة. والشخصية الميالة للعنف (لفظي أو جسدي) قطعا نفسية مضطربة مريضة تحتاج لعلاج. فالواجب التفاعل مبكرا وبطريقة عملية وإيجابية وحاسمة مع المشاكل الأُسَرِية ومنبعها.

فمثلا الزوج العنيف يظهر ميوله للعنف مبكرا، وغالبا ما يبدأ بالعنف اللفظي، وينتهي بالعنف الجسدي، الذي قد يصل أحيانا لجرائم بشعة.

فالمشكلة تكمن في تساهل الزوجة أولا ثم أسرتها مع السلوك العنيف للزوج. فيبدأ الأمر بغض الزوجة الطرف عن شتائم زوجها وتحقيره لها وسبها بأقبح الكلمات، وانتهاك عرضها وعرض أسرتها. ثم ينتهي الأمر بتقبل ضربه لها.

والمصيبة أنه كثيرا ما تجد أسرة الزوجة ومحيطها يضغطون عليها لتحمل الذل والإهانة والضرب، ويعللون ذلك بكون الصبر على أذى الزوج أحسن لها من الطلاق، وأن المطلقات ينظر إليهن المجتمع نظرة ارتياب وقلما يقبل أحد بالزواج منهن. كما يعللون وتعلل الزوجة عدم الانفصال عن الزوج العنيف بالرغبة في الحفاظ على “شمل الأسرة” وعدم “تشريد الأطفال”، الى غير ذلك من العلل الباطلة القاتلة، التي لم يقل بها الإسلام.

فمن مقاصد الشريعة الإسلامية تحقيق حياة كريمة للإنسان وصيانة عرضه وكرامته، وأن يعيش في أمن وأمان، فالإسلام لا يرضى بالذل للإنسان، فكيف ترضى الزوجة بإهانات زوجها لها؟ وكيف ترضى أسرتها بذلك؟

فالزواج شرَّعه الله لينعم الزوجين بالسكينة والمودة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (سورة الروم)، فإن لم يصبح في العلاقة الزوجية سكينة ومودة، أصبح الانفصال هو الأولى. فما بالك لو كان مع انعدام المودة والسكينة، العنف اللفظي والجسدي؟!

ففي عهد الرسول طلبت امْرَأَة ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الطلاق من زوجها لأنها لا تحبه، فقد أَتَتْ رضي الله عنها النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُه، وأَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَام (أي أنها تخاف أن يحملها بغضه على ما يقتضي الكفر – أي السقوط في المعصية –). فأقر الرسول أن تخلع نفسها منه مقابل أن ترد له مهره (صحيح البخاري). فالزوجة يمكنها خلع نفسها من زوجها إذا كرهته مع حسن دينه وخلقه ومعاملته لها، فما بالك لو كان يُؤذيها لفظيا أو جسديا؟!

ثم إن حديث ” أبغض الحلال عند الله الطلاق” لا يصح عن الرسول، ومع ذلك يستغله الكثير من المسلمين للإبقاء على علاقات زوجية، رغم جحيمها، ورغم أنها لم تبقى إلا على الورق. فهذا ليس شيئا أمر به الإسلام. فهل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى خلق الله وأكثرهم على الإطلاق تقربا لله بالنوافل والمندوبات، سيقدم على فعلٍ يبغضه الله ولو كان فعلا مباحا! فقد طلق صلى الله عليه وسلم عدة نساء، يُذكر منهن ابنة الجون، وفاطمة بنت الضحاك، وأميمة بنت شراحيل. وقد طلق النبي كذلك حفصة رضي الله عنها، بنت عمر بن الخطاب، ثم راجعها.

فالأصل أنه بمجرد ما تظهر أول علامات العنف اللفظي على الزوج، وتتكرر، أن تنفصل الزوجة عنه، وأن يساندها أهلها في ذلك. فحتى لو افترضنا جدلا أن العنف اللفظي لن يتحول الى عنف جسدي، فهو لوحده (أي العنف اللفظي) مُسوغ كاف للانفصال عن الزوج. فالجراح النفسية لا تقل خطورة عن الجسدية. ناهيك عن تأثير بيتٍ مشحون بالعنف (لفظي أو جسدي) على تربية الأطفال ونفسيتهم، هكذا تنتقل عدوى العنف من الآباء للأبناء، ومن جيل لجيل. هكذا يتم العمل حثيتا على المساهمة في تدمير الأسر والمجتمع. فليس الطلاق الذي يهدم الأسر ويشرد الأبناء، ولكنها العلاقات الزوجية المليئة بالعنف اللفظي أو الجسدي.

يجب الأخذ بالاعتبار أن الزوجة التي تعيش تحت العنف قد تعاني من “متلازمة ستوكهولم” فتفقد القدرة على اتخاذ القرار الصحيح

ويجب أن يكون لدى أسرة الزوجة ولدى الدولة ومؤسساتها (الأسرية والاجتماعية والقضائية والأمنية) حساسية دقيقة بنفسية الزوجة التي تعاني من إيذاء زوجها لها، فيتم التعامل بحذر شديد مع شهاداتها وقراراتها، إن كانت هذه الأخيرة لصالح زوجها، فالزوجة التي تخاف من زوجها وتعيش لفترة تحت ضغوطاته وعنفه، مع خوفها على فقدان أبنائها إن انفصلت عنه، كل هذا وغيره يجعلها تتخذ مواقف وقرارات خاطئة وأحيانا قاتلة، تماما كما حصل مثلا مع السيدة فاطمة أبو عكليك (ضحية “جريمة جرش”). ففقأ زوجها لعينيها لم يكن إلا قمة جرائمه، فقد سبقها لسنوات الشتم والإهانة والضرب، لكنها رغم ذلك تعود إليه مرة تلو الأخرى.

فما يُسمى “متلازمة ستوكهولم” أو “رابطة الأَسْرِ” هي ظاهرة نفسية تتجلى في تعاطف وتعاون الضحية مع من اتخذه تحت سلطته أو أسره ومارس عليه تسلطه. فالزوجة التي تعيش تحت عنف زوجها يمكن اعتبارها كالأسيرة، فلا يُعتد بكل مواقفها وقراراتها. فلا يُقبل مثلا تصريحها برغبتها الرجوع إلى الزوج الذي يعنفها، بل يجبرها أهلها والدولة على الانفصال عنه. فقرارها في هذه الحال (قرار البقاء مع الزوج) يخالف الفطرة والعقل السليمين، ناهيك عن الشرع، ومن ثم لا يُعتد به، ويفسر على أنه قرار المستضعف الأسير.

الأُسَر والوسطاء والوجهاء والدولة شركاء في جرائم العنف ضد الزوجة

حين تعلم من قصة السيدة فاطمة أبو عكليك (ضحية “جريمة جرش”)، أنها وصل بها الحال مع عنف زوجها اتجاهها (عنف لفظي وجسدي) أن رفعت دعوى طلاق الشقاق، لكن تَدَخُّل الأُسر ومن يسمون “الوجهاء”، دفعها لتسقط القضية وتعود للزوج المجرم، تدرك أن هذه الأُسر وهؤلاء “الوجهاء” شركاء في الجرائم ضد السيدة فاطمة. فبدلا من أن يكونوا لها عونا صدوقا للتخلص من الزوج المجرم، دفعوها دفعا للمصير المُؤلم الذي انتهت إليه.

والدولة كذلك تتحمل مسؤولية كبيرة فيما حصل للسيدة فاطمة، إذ لم تمكن لها ظروف الحماية الكافية من الزوج المجرم، والتي من بينها وجوب تطليقها طلاق الشقاق، حتى ضد رغبتها (فكما سبق الذكر، الأسير المُعَنَّف لا يُعد بموقفه في هذه الحال)، ما دامت الأدلة أو القرائن متوافرة على تعنيف الزوج لها.

وكذلك لم تُقَدِّم الدولة الحماية للسيدة فاطمة وأمثالها، بضمان حقها في حضانة الأبناء إن تم طلاقها من زوجها. فكيف تكون الحضانة من حق الأب مطلقا أو أسرته؟ هذا لا أعلم له سندا من الشرع، بل الإسلام يوجب حق الأم في حضانة الصغار، ويخير الكبار في البقاء مع الأب أو الأم. فالأب يتسلح بالقانون الجائر الذي يعطيه حقا شبه مطلق لحضانة الأطفال عند الطلاق، ليستعمله ضد الزوجة، فيرغمها على البقاء معه وتحمل إهانته وضربه إن أرادت العيش مع أطفالها.

كذلك على الدولة أن تيسر إجراءات الطلاق أو الخلع وتسرعها، وذلك فقط بالالتزام بما شرعه الله والرسول بهذا الخصوص. فالزواج في الإسلام سهل وكذلك الطلاق. فلا يجوز أن تمتد إجراءات الطلاق أو الخلع لأشهر وسنوات. فإن توافرت شروط طلاق الشقاق، فيجب إنفاذه فورا دون تماطل، فيطلق القاضي الزوجة لسبب أذى من زوجها لا يمكن رفعه فتحتفظ بكل حقوقها كزوجة مطلقة (بما في ذلك المهر)، وإن لم تتوافر شروط طلاق الشقاق فيجب تطليقها عن طريق الخلع فترد عليه المهر.

محلل سياسي مستقل

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. الرد (3) على السيد “قومي عربي علماني”
    سيدي يجب تصحيح نقط مهمة مما ذكرتَ:
    أولا أنت لم تجب على الأسئلة التي طرحت عليك، وتتحدث عن القوانين العلمانية بصيغة (نحن العلمانيين) وكأنك وأكثر من 99.5% من الشعب (علمانيين ومسلمين) من يضع هذه القوانين. فكيف تقبل بقوانين وتؤمن بها ولست أنت من فكر فيها ولا من صاغها ولا من وضعها، بل يبتكرها أقلية من البشر، لا تعرفهم أصلا ولا علاقة لهم بك ولا بهمومك اليومية ولا بحاجياتك الحقيقية؟ كيف تقبل بقوانين علمانية وتؤمن بها وأنت لا تدري عِلَّتها ولا معناها ولا حكمتها، بل وتدرك بأنها باطلة (يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها)؟ ثم تحتج على الله سبحانه الذي خلقك لأنك لم تفهم الحكمة في شريعته!
    ثانيا، كون العلمانيين لا يدَّعون أن قوانينهم الوضعية من عند الله، فهذا لا يغير من حقيقة أنها تُفرض بالقوة على الشعوب، بل بالحروب، ولا يُهَوِّن من عظم ظلمها وجورها وفسادها وإفسادها. ثم إن تعديل القوانين العلمانية لا يُخْرِجها من دوامة الباطل، فالشعوب تتنقل من قانون علماني باطل سيئ ظالم الى آخر لا يقل جرما وجورا وفسادا. فأي عقول هذه التي تقبل بهذا؟ ثم إن الانسان والشعوب ليسوا حقل تجارب، ليسوا فئرانا يجرب فيها أقلية قليلة من سكان الأرض ما أفرزه هواهم من قوانين!
    أما تداول الحكام على كرسي الحكم فلا علاقة له هنا بالموضوع. ثم إن الحاكم يتغير، لكن القوانين العلمانية الجائرة الفاسدة تبقى. فالشعوب تظن أنه بمجرد مجيء حاكم جديد ستتغير أحوالهم الى أحسن، وهذا عكس ما نعيشه في الواقع. فالموضوع هنا عن القوانين العلمانية، حتى لا يتشعب الحديث.
    وكذلك ما ذكرتَ من شبهات وأباطيل عن الخلافة والخليفة فلا علاقة له بالموضوع. من أدب الحوار ألا يخرج المرء عن موضوع النقاش. وكذلك من الإنصاف في الحوار ألا ينسب المرء سوء تطبيق بشر (وعلى رأسهم خلفاء) للإسلام الى الإسلام نفسه.
    فالبلدان الإسلامية تُحكم منذ أكثر من قرنين بالعلمانية، فلا تُحاسب الإسلام على نتائج كارثية لأنظمة حكم علمانية.

  2. د. هشام، بعد التحية، اسمح لي أن أبدأ من حيث انتهيت أنت فأشكرك على صراحتك و شجاعتك حيث تقول أنك لا تعلم حكمة الله في كون حد السرقة يوجب القطع في مئتي دولار . بينما يمكن في القتل العمد ان يتم اغراء واحد من اولياء الدم بالمال فيتنازل عن القصاص فيجبر بقيتهم على القبول بالدية، و اكبر فيك شجاعتك بالقول أنك غير مقتنع بما ساقه بعض الفقهاء في الحكمة من هذا التفاوت. لا شك عندي أنك تبني موقفك على قواعد شرعية صحيحة : “أتشفع في حدٍ من حدود الله!؟ و الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها”، “لا اجتهاد في مورد النص” ، ” الاحكام الشرعية لا تعلل”، أي أن عدم اقتناعنا بالحكمة من وراءها لا يعفينا من الالتزام بها.
    بالنسبة للعلمانيين و قوانينهم الوضعية، فما يميزها هو أنهم لا يدعون انها من عند الله ولا يدعون أنها كاملة لا يأتيها الباطل من بين يديها او من خلفها! و بذلك يبقى الباب مفتوحا لتغييرها و تعديلها و الاحتجاج عليها بدون ان نتعرض للتكفير و تطبيق حد الردة فالحاكم هنا ينتخب من الناس لينفذ ارادتهم و ينفذ قوانينهم و يذهب الى بيته بعد انقضاء فترته المحدودة حيث يوفر له الناس راتبا تقاعديا. أما في الدولة الدينية يا سيدي ، حيث يضاف اسم الحاكم الى لفظ الجلالة “خليفة، خليفة، خليفة،………………، رسول الـــــــــــلــــــــــه” فيستطيع الحاكم ان يحكم حتى يموت او يقتل (ليس هناك فترة حكم محدودة) (أحد الخلفاء العثمانيين قتل ثمانية عشر من إخوته لئلا ينازعوه سلطانه ووجد من الفقهاء من يفتيه بمشروعية ذلك). و يستطيع ان يورث الحكم لابناءه و قد فعلوا . فإذا عارضه أحد فكأنما عارض الذات الإلهية فيبوء بغضب الله على يد الخليفة. قد ترد على ذلك بالقول ان حكامنا في العصر الحديث قد فعلوا كل هذا و اكثر!! فأرد بأنهم لم يدعوا انهم يطبقون حكم الله أو ان حكمهم اسلامي مع ان كثيرا منهم عملاء ، فيما خلا من يستندون على سابقة معاوية “خال المؤمنين”، فهؤلاء يصنفون حكمهم بأنه حسب الشريعة الإسلامية و لا بد أنك تعرفهم.
    و تفضل بقبول فائق الاحترام يا سيدي.

  3. الرد (2) على السيد “قومي عربي علماني”
    سؤالك الأخير، ولو أنه خارج عن موضوع المقال، سأحاول بإيجاز التطرق إليه.
    أولا، سأطرح سؤالا معاكسا يتعلق بالقوانين الوضعية التي يؤمن بها العلمانيون ويريدونها بدلا من قوانين الله. لماذا في القوانين العلمانية الدولة هي التي تحدد نوع العقوبة على شخص اعتدى على شخص آخر بجرح أو قتل، وهي (أي الدولة) التي يمكنها العفو عن المجرم وتقصير مدة عقوبته، وهي التي تقرر إقامة حكم الإعدام على القاتل العمد أو السجن لفترة محددة الخ، وليس الضحية أو أهل الضحية من يقررون في أمر متعلق بحقهم الشخصي؟؟؟ فمثلا عقوبة الذي قلع عيني زوجته ممكن أن تصل لعشر سنوات سجنا حسب القانون العلماني في الأردن، وحتى لو حُكِم عليه بعشر سنوات سجنا، فيمكن الإفراج المبكر عنه (ربما بعد سنتين أو ثلاثة)، بعفو ملكي، أو لحسن السلوك في السجن، أو لمسوغات أخرى، ولا دخل للضحية وأهله في ذلك؟ هل يمكنك الإجابة على هذه الأسئلة؟ ثم لماذا هناك نوع واحد من العقوبة لكل أنواع الجرائم، وهي عقوبة السجن؟ هل هذا منطقي؟ وهل هذا عدل؟
    ونفس الأسئلة يمكن طرحها في كل قانون علماني يضعه البشر، فتجد الناس عامة تقبلها وترضى بها، رغم أنها لا تعرف معناها ولا مدى حقِّيتها وصلاحيتها، وعامة الناس (الغالبية الساحقة) لم ولا تُستشر في أي قانون أو عقوبة تضعها الدولة.
    لكن حين يأتي قانون وتنظيم من الله، يبدأ البعض في الاستعلاء عنه ورفضه، فجأة يدَّعون تشغيل العقل، العقل الذي لم يستعملوه حين فُرضت عليهم قوانين وضعها بشر مثلهم. العقل القاصر عن إدراك واختيار أصلح القوانين للناس. وواقع العالم اليوم بمنظوماته التشريعية العلمانية وآثارها الخطيرة دليل على ذلك.
    إذا أجبت على هذه الأسئلة المطروحة عليك، ستفهم ربما الجواب التالي على سؤالك:
    المؤمن آمن بأن الله هو وحده الذي له الحق في وضع القوانين وفي تنظيم علاقات الناس، وفي تحديد كيف تعالج المشاكل الواقعة بين الناس، فهو الخالق للبشر وهو أعلم بهم. والمؤمن لا يشك لحظة في أن أي قانون وعقوبة فرضها الله هي الأصلح لعلاج حياة الناس، وهي الحق وما دونها باطل، ولو لم يدرك أحيانا حِكْمَتها وعِلَّتها. وكما أن العلمانيين لا يسألون الحكومات على القوانين الموضوعة، مع أنها موضوعة من بشر مثلهم، فالمؤمن لا يسأل الله الذي هو أولى ألا يُسأل {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (سورة الأنبياء).
    لكن يجوز السؤال عن حكمة تخيير الناس في الجروح والقتل بين القصاص والدية والعفو من ناحية، لكن من ناحية أخرى إذا وصل أمر السرقة للحاكم فلا يجوز تخيير المسروق وإنما يجب إقامة الحد، بشرط ألا يكون إيمان المسلم ورضاه بحكم الله متعلق بمدى قدرته على معرفة الحكمة من قانون وَضَعَه الله.
    فحكمة الله في هذه المسألة الأخيرة لا أعلمها. لكن يمكنك الرجوع لبعض ما اقترحه علماء وفقهاء من حِكَمٍ في ذلك (حتى الآن لم أقتنع أنا شخصيا بها كلية)، لكنها تبقى حِكَمٌ ظنية، لا تغير من كون الحدود والقصاص يجب على المؤمن إقامتها بالوجه الذي بَيَّنَه الله.

  4. شكرا على ردودك، بيد أنك قد تجاهلت السؤال الأساس: لماذا يعتبر الاعتداء على المال بالسرقة حدا من حدود الله موجب للقطع لا تهاون فيه و لا صفح بدل مادي، في حين أن القتل العمد قصاص يمكن استبداله بالدية؟

  5. رد على السيد “قومي عربي علماني”:
    أولا، إن كان المجرم مجنونا فلا حَدَّ عليه، وإنما يدفع أهله الدية عنه (أو الدولة إن كان يعيش تحت وصايتها). والقاضي هو الذي يحدد هل المجرم مجنون أم لا، ويستعين في ذلك بفحوصات الأطباء المختصين…
    ثانيا، لو كان فقدان الأبناء لأحد الوالدين أو لكلاهما مسوغا معقولا ومعتبرا لعدم معاقبة الوالدين أو أحدهما، لما جاز معاقبة أي أم أو أب في العالم مهما ارتكبا من جرائم. فلعلك غفلت عن أن المجرم الذي لا يُقام عليه الحد حسب شريعة الله، يُرمى به في السجن لسنوات وربما للأبد حسب قوانين العلمانيين (فمثلا حسب القانون الوضعي في الأردن سيعاقب المجرم الذي قلع عيني زوجته بالسجن لعشر سنوات)، والأطفال بذلك، وبسبب عقوبة السجن، سيفقدون الأب المجرم أو الأم المجرمة، أو كلاهما إن كانا الاثنين شريكان في جريمة. ثم إنه حسب طرحك السطحي، لا يجوز للعُميان أن يتزوجوا ويُكَوِّنوا أسرة، أو على الأقل لا يجوز لأعمى أن يتزوج امرأة عمياء، لأن العُميان (الفاقدين للبصر منذ ولادتهم أو لمرض) حسب نظرك لا يستطيعون تربية الأطفال ولا العمل، وفي هذا القول تمييز واضطهاد ضد الناس العُميان. ونفس الشيء ينطق على مقطوعي الأيدي أو الأرجل أو المعاقين المُقعدين الخ، فالذي ينطبق على المُعاق بسبب إقامة حد السرقة عليه، ينطبق على المُعاقين خِلقةً أو بسبب مرض، وهم الأغلبية الساحقة. فركز وفكر فيما تكتب! …
    ثالثا، أما إن أردت أن تعلل نوع العقوبات حسب التكاليف المادية التي يجب على الدولة تحملها، فعقوبات السجن قطعا تكلف الدول ميزانيات خيالية. ففي الأردن مثلا يكلف السجينُ الواحد الدولةَ حوالي 750 دينارا شهريا (ما يعادل 1050 دولارا أمريكيا)، مع العلم أن متوسط إجمالي دخل الفرد الشهري في الأردن لا يتجاوز 200 دينارا! …
    رابعا، السرقة التي تُوجِب القطع شرعا، من بين ما يُشترط فيها ألا تقل قيمة المسروقات عن ربع دينار – شرعي – (الدينار يساوي 4.25 غراما من الذهب الخالص، أي حوالي 200 دولارا أمريكيا)، وأن يأخذ السارق مالا أو بضاعة من مالكها خفية، وألا تكون السرقة لسد الجوع، وألَّا تكون شبهة حقِّ للسارق في المال المسروق (كالمال العام، الخ)، في هذه الحالة الأخيرة تكون عقوبات تعزيرية وليس القطع. وصاحب المال المسروق أو البضاعة المسروقة له الحق في التنازل عن حقه في قطع يد السارق، لكن هذا قبل أن يقدم الدعوى للدولة، فإن تقدم بالدعوى، لم يجز ساعتها التراجع ووجب على الدولة إقامة الحد إن ثبتت السرقة بالشروط الشرعية المذكور أهمها فيما سبق.
    أتمنى أن تتضح لك بهذا بعض الأمور.

  6. في سياق حماس الكاتب د. هشام لأيديولوجية الاسلام السياسي و الدعوة الى الدولة الدينية و تطبيق قانون عقوباتها، يتجاهل احتمال أن يكون الجاني مريضا نفسيا معتوها فاقدا للاهلية القانونية و محتاجا للعلاج في مصح عقلي لباقي حياته، فيطالب بالقصاص ، الذي سيؤدي الى أن يتربى الاطفال عند أبوين أعميين عاطلين عن العمل ايضا، و كأن فقد والدتهم فحسب لعينيها لا يكفيهم، و بما أن الكاتب قد أدلى يدلوه في مقال سابق عن البحث العلمي في أي لغة يكون، فمن الواضح أنه يملك الحقيقة المطلقة في المجال السياسي و العلمي و الاجتماعي و القضائي و الشرعي و الفقهي أيضا، حسنا ،، فليوضح لنا لماذا تندرج السرقة تحت باب حدود الله التي لا يمكن التهاون في تطبيقها حتى لو تنازل صاحب المال المسروق فتقوم الدولة الإسلامية بقطع يد السارق ليصبح معاقا عالة على المجتمع ! بينما يندرج القتل تحت باب القصاص المتروك للبشر (أولياء الدم) فيجبرون على قبول الدية لمجرد ان احدهم (أحد اولياء الدم) تنازل عن القصاص ؟

  7. ان جاز لنا التعليق توضيحا وهذا ما اشبعناه تعليقا بهذا السياق على صدر راي اليوم الغراء منبر الإعلام المعرفي والتوعوي وبلج الحقيقة بحلوها ومرّها وذلك درء لجلد الذات والأنكى الأحكام الإضطراديه (والله اعلم مابين الزوج والزوجه واسباب الخلاف ) بسلبها وإيجابها حيث القصاص حياة بمعنى الأمن الوقائي المجتمعي درء لوقوع الجريمه أولا ؟؟؟؟؟ حالة مجتمعاتنا العربيه والإسلاميه اصابها مرض “صراع المعايير ” مولد العنف بكافة صنوفه ” وجل اسبابه تغوّل مخرجات وقوانين المنظومه العالميه المتوحشه تحت ستار ا”لعولمة والحداثه والتنوير ( بعد مزاوجة الراسماليه المتوحشه والإشتراكيه المحبطه ) على روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه المتحركه من قيم وثقافة وأعراف والأهم ثابتها العقيده وما زاد الطين بلّه الوافد دون استئذان وفلتره وتمحيص ومابينهما من خفافيش الظلام المروجين لهذه وتلك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وحتى لانطيل وكما اجمع علماء التشريع والقانون والإجتماع على ان مصدر التشريع هي تلك الروافع (قيم والثقافة والأعراف وثابتها العقيده ) هي مصدر التشريع ولكل مجتمع خصوصيته (يا ايها الناس ان خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عندالله اتقاكم ) فهذا يتطلب إعادة التوازن للعقد اٌلإجتماعي (الدستور) من خلال لفظ المملى من قوانين غير متوائمه مع روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه والأخذ بالجيد المتوائم الذي هو في الأصل مأخوذ من التشريع الإسلامي وصياغة قوانين حمائيه للوافد دون استئذان وفلترة وتمحيص في ظل تسارع تقنية التواصل ؟ ؟؟؟ وموروثنا يشهد عندما تلحفنا بتشريع ديننا السمح “كنّا خير امة اخرجت للناس ” وغزونا مشارق الأرض ومغاربها بعلومنا (ما زالت مراجع ومساقات تدرس في كبرى جامعات الشرق والغرب ) وتجارتنا وحسن علاقتنا مع الغير دون تغول واوإكراه لأحد واومن أحد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وبعد الأخذ بالأسباب وعد الله حق “ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم “

  8. الكاتب اجاد المهنة والجريمة التي ارتكبها الزوج يستحق الأعدام امام باب بيته لكي يبقى عبرة لأمثال هؤلاء المتوحشين فبنات الناس لسن جراثيم لكي تنهي حياتهن كيف ماتشاء وقد خنت الامانة ايها الزوج الفاقد للرحمة والمودة والأنسانية فمهما كان الموضوع هناك علاقة مقدسة ومؤتمنة افبهذه السهولة تفقأ عينيها وهي من سلمت نفسها اليك وانجبت لك من الذرية وقد استقويت على امراة ضعيفة لاتملك الدفاع عن نفسها وسوف لن تفلت من عقاب الله عز وجل ان كنت فعلا مؤمنا بالغيب ولكن استحوذ عليك الشيطان فتحولت الى وحش بشري مفترس بلحظات كان ممكن ان تقيد نفسك بالضمير الذي انت لاتملكه قبل الزواج وبعد الزواج فيا ايها الناس لاتزوجوا بناتكم الى انسان عصبي متهور مهما كانت المغريات فالروح مقدسة ومن لايحترمها فليست لديه مقدسات وسيصبح شره غير مأمون الا ان الناس تخدعها المظاهر ولم تبحث عن جواهر النفوس بمعنى من هو الذي يبغض الشر ويتجنب ضرر الاخرين ومن لايقدس المراة لايستحقها

  9. كل ما جاء في هذا التحليل صحيح 100% ولكنني ارفض فكرة العين بالعين بل بعقاب الزوج المجرم بالسجن والاعمال الشاقة طوال حياته وان يكون هناك أجر للعمل بالسجن يرسل للزوجة واولادها. وان يشمل العقاب والد الزوجه الذي تسبب بالنهاية بالجريمة التي حلت بابنته. كما اتوافق مع الكاتب بان عنف الدولة العلني في الشوارع والمخفي في غرف التحقيق وفي السجون هو اساس العنف في الدول العربية.

  10. المشكله في فقع عيون هذا المجرم كعقاب انه سيتحول الى معاق و بالتالي المجتمع ملزم بالتكفل به طيله حياته!!
    في راي هذا النوع من الجرائم يجب ان يعتبر افساد بالارض و بالتالي عقوبته الاعدام !!

  11. انت مش محلل سياسي انت داعيه بأمتياز بالاول ادنت الدول والشعوب الاسلاميه واتهمتهم بالعنف والاهانه والبطش … فكرتك عندك حل .. لاكن كان الحل بنظرك هو الرجوع الى نفس مصدر اسباب العنف … يعطيك العافيه عزيزي انت وغيرك مهما حاولتم ان تعالجو مشكلة نجدكم تأخذون الحل من نفس مصدر المشكله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here