د. هاني الروسان: الاستعداد الفلسطيني لاحتمالات تحريك عملية السلام

د. هاني الروسان

افتراض ان ادارة بايدن ستحمل تصورا جديدا لايجاد تسوية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي او تفعيلا للآليات السابقة وان من العقلانية والدهاء السياسيين تمهيد الارضية لاستقبال احتمال وجود مثل هذا التصور يجب ان لا يبعث على العجلة التي من شأنها ان تبعثر البيت الفلسطيني وتعيد الفوضى لشوارعه وساحاته بعد سنوات من الصبر الصمود والثبات.

صحيح ان الحالة الفلسطينية ليست بأفضل احوالها ولا هي في امتن اوضاع تماسكها لكنها تمكنت ان لم نقل من اسقاط صفقة ترامب عمليا فانها لم تسمح لها بالمرور الآمن والانتقال السلس نحو ما خُطط لها من مراحل كانت  ستأتي في نهايتها على ابسط الحقوق الوطنية الفلسطينية. وهذا بحد ذاته مدعاة لضرورة الانتباه الى كل صغيرة وكبيرة اثناء الاعداد لاستقبال احتمال وجود مثل ذلك التصور لدى الادارة الامريكية الجديدة، حيث ان اي خطا في هذا السياق سيستخدم كما في كل المرات السابقة ذريعة للتهرب من استحقاقات ما تتعهد به كل الاطراف سواء العربية منها او الدولية فضلا عن الطرفين الامريكي والاسرائيلي من التزاماتها لتحقيق السلام لقاء التزامات فلسطينية مقابلة.

فما صارت اليها الحالة الفلسطينية الراهنة الان في جزء كبير منها يعود لتدخلات هذا الطرف او ذاك، بل وان استمرارها يعود اصلا لاستمرار هذه التدخلات، وان الانتقال بها نحو الافضل يتطلب وقف مثل هذه التدخلات ووقف تهيئة ارضية استقواء البعض على الشرعية، حيث الامتناع  عن ذلك يعزز الصمود السياسي الفلسطيني ويخلق الامكانية الواقعية لتجديد هياكل العمل الوطني المؤسسي دون اية محاذير او تخوفات.

وان لن يكون من المحتمل توقف التدخلات في الشأن الفلسطيني باعتباره منطقيا او على الاقل غير منعزل عن ديناميات نسقه فان اعادة انتاج مخرجات هذه التدخلات يبقى تحديا فلسطينيا داخليا رهين التخلص من الحسابات الضيقة لانها في النهاية ستؤدي باصحاب هذه الحسابات منفردين لتحمل النتائج الكارثية على الحق الفلسطيني لما قد ينجم عن حالة اعادة الفوضى السياسية للبيت الفلسطيني. وقد تزداد خطورة مثل هذه النتائج اذا ما وقعت على ارضية غياب تصور امريكي جاد لتحريك عملية السلام اذ يعني حينها الدخول الى مربع الصراع البيني مجانا ودون انتظار اية ثمار متوقع قطافها مقابل هذا الاهتراء لا قدر الله.

ان حالة اللايقين التي تجتاح العالم حول حقيقة وجود الامكانيات الامريكية الفعالة لبناء خط مواجهة ساخن وطويل الامد مع الصعود والانتشار الصيني جديرة لكي تدفعنا للتفكير جديا في البحث عن حقيقة وجود تصور امريكي لدفع اسرائيل للوفاء بالتزاماتها وتعهداتها نحو عملية السلام وعن المكانة التي نحتلها داخل الرؤية الامريكية واتجاهها الحقيقي، من اجل لتنسيق حراكنا الداخلي بما يحسن توظيف هذه المكانة ويضفي عليها نجاعة وصدقية اكبر، والا فاننا سنغني في وادي غير ذي صدى.

فوفقا لاتجاهات الرأي العام داخل اسرائيل يلاحظ ان خيارات المزاج السياسي والانتخابي  باتت تنحصر بين اليمين واليمين المتطرف بعد ان تلاشى اليسار الاسرائيلي او يكاد، بما يشي بحتمية ولادة حكومة لن تكون اقل تشددا ويمينية عن حكومة نتنياهو الحالية، بل انها ستخلف حكومة نجحت في تحقيق اختراقات اقليمية مهمة ونوعية عبر عمليات التطبيع المجاني التي اقدمت عليها عديد الدول العربية، جعلت اسرائيل جزء من المنظومة الامنية لمنطقة الخليج العربي، وعززت حتميا  المكانة الاسرائيلية في سياق الاستراتيجية الامريكية لمواجهة استحقاقات المحافظة على المكانة، مما يحد من فاعلية الضغوط الامريكية عليها لبلورة موقف اكثر مرونة من عملية السلام. 

لن نستبق الاحداث ولكن لا بد من القول بقوة ان ادارة بايدن تتسلم مقاليد الامور في ظروف معقدة لا تقتصر على التركة الثقيلة من السياسات التجريبية لادارة ترامب للمحافظة على المكانة في النظام الدولي الجديد الآخذ في الولادة بل ستواجه حقيقة ان المكون الثاني لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية اي المكون الليبيرالي دخل هو الاخر نفس لحظة التفكك التي دخلها المكون الاول اشتراكي النزعة خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، حيث تشير عديد الاراء والدراسات الى ان النظام الدولي القادم سوف لن يكون على شاكلة ما سبقته من انظمة دولية وانه لن يقتصر التغيير فيه على تغيير صاحب المكانة، بل في طبيعة النظام بعد ما عرت جائحة كورونا التي ترافق انتشارها مع تطور هائل في وسائل الاتصال واستحواذ العمل غير المنتج على مكتسبات ومكاسب العمل المنتج وسرعة وعشوائية حركة رؤوس الاموال قدرة الطابع الليبيرالي له على مواجهة هذه الاستحقاقات، وهو ما يرجح امكانية مواجهة موجة جديدة من اشكال التفكك.

هذه المعطيات وغيرها جديرة بالملاحظة والدراسة لتحديد حجم وطبيعة الخطوات الفلسطينية نحو احتمالات تحريك عملية السلام لانها قد تفسر بعض ظواهر الحراك الاقليمي وفهم مراميه واهدافه والوقوف على البعد الاستباقي فيه للتوقي من الاثار التي قد تترتب على مواجهات ستكون عميقة مع الصين خاصة وانها قد تجري على ايقاع وصدى تفكك دولة الفلسفة الليبيرالية والذي قد ُزرعت انويته في الولايات المتحدة الامريكية التي تنقسم اليوم ليس على من احق بادارتها بل على ما هي امريكا ولمن تكون  

/ استاذ الاعلام والاتصال في الجامعة التونسية

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. البندقية هي التي تحقق سلام حقيقي مشرف ..وما دون ذلك يعد خيانه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here