د. نورالدين ثنيو: الإرهاب المجاني.. أو عندما يلفظ التطرف أنفاسه زمن العولمة

د. نورالدين ثنيو

يأتي حادث اغتيال مسلمين أثناء أدائهم لصلاة الجمعة في مسجدين  بمدينة كرايستشرش ثاني أكبر المدن نيوزيلندة، ضمن التاريخ الخاص للتطرف على أشكاله المختلفة و على تنوع مصادره و مرجعياته الفلسفية و الدينية و السياسية.التطرف ، على ما تؤكده حركة العولمة ، يلفظ أنفاسه الأخيرة ، و أن فعل الإرهابي الذي يأتي على هذه الشاكلة هو نوع من الانتحار الذي يفصح عن اليأس و الخبية و عدم القدرة على مواصلة العيش مع قيم و مثل و مسار العولمة في آخر تعريفاتها عندما تعني نهاية التاريخ و الجغرافية معاً.

نهاية التاريخ، يعني من جملة ما يعني نهاية الاستقطاب و الأحادية و بداية تاريخ الإنسانية في تعدد حضاراتها و ثقافاتها و دياناتها، مما يعني في المطاف و التحليل الأخير تدشين حراك بشري جديد لا يستقر على أرض واحدة و لا يقِرُّ بالنزعات الطائفية و المذهبية المغالية و المتطرفة. نهاية التاريخ لا تعني ختام الصراع بين النزعة الشيوعية و الرأسمالية فحسب، بل تدل أيضا على نهاية فصول الصراعات و النزاعات التي تستبطن الفكر المتطرف الحاد المفارق تماما لعصر تشَكّل المجتمع الإنساني الذي يجب أن يسع كل شعوب العالم . الوجه الآخر للعولمة، كما نحياها في الوقت الراهن، هو الحراك البشري الهائل الذي بموجبه يتحرك الملايين من الناس إلى مناطق مختلفة عبر وسائل مختلفة، خاصة منها الطائرة، ابرز مظاهر التكنولوجية الفائقة. فمع الطائرة  كوسيلة نقل تغَيَّر مفهوم الحدود الإقليمية، كما تغَيَّرت مدلولات الجنسية و القومية و الوطنية و الهوية.

قاتل المصلينBreton Tarrant، الذي ينحدر من أستراليا،   نَفَّذَ عملية الاغتيال على الهوية، استهدف رأسا المسلمين في أعز لحظة لقائهم الأسبوعي مع الله، قتلهم لأنهم مسلمين جاءوا من جغرافية بعيدة و من تاريخ قديم. فقد جاءوا من بلاد الأطراف التي خضعت لفترة من الزمن للاستعمار الأوروبي ، و انحدروا من تاريخ الحروب الصليبية التي نشبت بين المسحيين و المسلمين في العصور الوسطى البغيضة. فالمسلمون جنس ملَوّن لا يليق بأن يحتلوا أرض البيض، أو هكذا يعتقد هو ومن أخذ عنهم فلسفته العنصرية المتطرفة. فقد نفذ عملية الاغتيال على المباشر، مستفيدا من آخر تكنولوجيات الإعلام ، يؤكد فيه للعالم أجمع أنه متطرف يائس و خائب لا يقوى على مواجهة الحياة في عصر العولمة، لأن أفكاره غير قابلة للتوزيع و الاشتراك. فالنزعة الشوفينية لليمين المتطرف سبق لها و إن اندحرت  في الحرب العالمية الثانية ، عندما انتصرت الديمقراطية على النازية و الفاشية و كافة  أشكال النظم الطائفية و الشمولية و العنصرية، بقي منها لحد الآن إلا الصهيونية الإسرائيلية و هي البؤرة الحقيقية التي تغذي التطرف في العالم سواء منه اليميني الأوروبي  أو الأصولي السلفي الجهادي.

أصرّ القاتل على أنه غير نادم إطلاقا على فِعْلِه المُشْين، و لاَ يَحْفل بمظاهر التَّعازي و التَّأبين و كافة مراسِيم التَّرحم على ضحايا الحادث الأليم، مؤكدا، بوعي منه و بدون وعي، أنه لا يقوى على الحياة مع الغَيْرِ كأفضل معين على بلورة الهوية الحقيقة، و أنه يأبى فضيلة العلاقة البينية و الصلة المشتركة مع الآخر، السبيل الأنجع للحفاظ على الهوية ذاتها. فالقاتل وزّع منشوره حول ” التبديل الكبير” تعبيرا منه على انه وصل إلى لحظة التنفيذ على خلفية أيديولوجية يمينية متطرفة جوهرها الرئيس “حماية الجنس الأبيض” من الهجانة و الخلاسة و الاختلاط البشري، أي حماية الإنسان الأبيض من غير البيض، و صيانة الأوربي من غير الأوربيين.

      كلمة ” التبديل الكبير”  le grand remplacement ، كما صاغها الكاتب الفرنسي رونو كاميRenaud Camus  ، و هو يميني متطرف ، أراد بها خطابا يستشعر الغرب بمخاطر انتشار المهاجرين الملونين في المدن الأوربية و خاصة في فرنسا، الأمر الذي يعرِّض أوروبا بالكامل إلى حالة من التغيير و التبديل بحيث يحل شعب غير أوروبي مكان الشعب الأوروبي، و يحل دين غير الدين المسيحي محل الدين الأوروبي  و حضارة غير الحضارة الأوروبية مكان الحضارة الأوروبية،وهذا ما بدأ بظهر بشكل عيَّاني في المدن الأوروبية، حيث بالكاد تعثر على أوربي في زحمة الأجناس الأخرى المكتظة. و”التبديل الكبير” كما  صار يُعْتقد، ليست عقيدة و ليست مفهوما و لا تّعَبِّر عن فكرة قابلة للتطبيق أصلا، مثلها مثل سائر الكلمات التي تنطوي على معاني أصولية و مغالية و متطرفة، لا تطيق المعاشرة مع الآخر المختلف و لا تقوى على  قِيَم التَّسامح و التفاهم و الوفاق، و من هنا مأزقها الذي حوّلها إلى خطاب انتحاري أول ضحاياه  حاملي شعار ” التبديل الكبير  ” أنفسهم.

في الواقع أن “التبديل الكبير” لا يجد معناه إلا في سياق الخطابات السياسية اليمنية المتطرفة التي تعاني لحظة الاحتضار الكبير على رأي المفكر الفرنسي ميشال أنفريMichel Onfray   الذي وقّع على انهيار الحضارة الغربية في كتابه الذي صدر منذ سنتين تحت عنوان ” الانهيار، أو نهاية الحضارة اليهودية الغربية” ليؤكد مقولة المؤرخ و المفكر الألماني سبيلجلر الذي طالع العالم، مطلع القرن العشرين  بكتابه المعروف جدّا ” أفول الغرب”، و هو ذات السياق الذي أكّد فيه أيضا المفكر الفرنسي الرائع بول فاليري  ” إن الحضارات فانية” و أن الحضارة الغربية جاء دورها هي أيضا. غير أن الذي لم يفهمه القاتل المتطرف، أن الذي أسعف أوربا البيضاء، أو القارة العجوز، كما كانت توصف، هم الأجناس الذين ينحدرون من بلدان الأطراف. ففي لحظة التواجد الفوري للحضارات و الثقافات تبقى الحضارة الأوروبية في تطرفها العنصري هي التي تصارع الغير على ما يفعل السيد رونالد ترامب في هذيانه و استيهاماته المنافية للشرعية الدولية و الأخلاق العالمية، فهو الذي ذكره القاتل،و منه استمد الجرأة على فعلته تلك. فالذي لا يدركه الرئيس الأمريكي أن قراراته الوحيدة الطرف هي إعلان على قتل مطلق لأنها تلتمس السياسة الدولية في زمن العولمة التي ترتب ضحاياها فورا، على ما فعل عندما أتخذ قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، و البارحة عندما أوجس إلى الإعتراف بهضبة الجولان لصالح إسرائيل، و قبل ذلك عندما أعلن و نفّذ بناء السور العازل بينه هو الرجل الأبيض، و بقية الأجناس الآخرة المتاخمة لأمريكا، فضلا على تنصّله بشكل منفرد من معاهدات و مؤسسات دولية.

الحقيقة أن ” التبديل الكبير” الذي  يؤمن به اليمين الأوروبي ، مجرد مصطلح أدبي يظهر في الخطابات السياسية للتحريض على رفض المهاجرين و ينتهي بانتهاء لحظة الإنتخابات ، ليبقى “التبديل الكبير” مجرد شعار باهت بلا مضمون و لا يملك قوة المفهوم الإجرائي الذي يرشحه إلى دخول مجال التداول ليحل قضايا و مسائل تعاني منها ليس المجتمعات الأوربية فحسب، بل مجتمعات الأطراف التي يأتي منها المهاجرون أيضا. إن لحظة الزمن الفائق تُعْدِم بشكل متواصل التاريخ المحلي لفائدة التاريخ العام و الشامل، كما تُعْدِم الجغرافية في حدودها الأرضية التقليدية لفائدة الحدود الوهمية و التنقل عبر الأجواء و البحار باعتماد المطارات و الموانئ كنقاط تماس للحراك البشري. و هكذا، فالحادث الأليم الذي أودى بحياة العشرات من القتلى و الجرحى  في صفوف المصلين المسلمين في لحظة صلتهم مع رب العالمين،  قد قتلوا و جرحوا في لحظة اعترافهم بالقيمة العالمية للغة السماء حيث تتسع الآية للكتاب المنثور في الكون و للكتاب المنشور في القرآن الكريم : “حيثما ولّت وجهك ثمة وجه الله”.

ما يكشف عن طيش و رعونة تصرف قاتل المصلين، أنه أقدم على فعله و ضحاياه في صلته بالله ، في صلاة روحية صارفين وعيهم عن  شواغل الدنيا و معاناتها. فلم  يكن خطابهم الروحي في صراع مع خصومهم  السياسيين ،و لم تكن لغتهم لحظة الاغتيال، من مفردات الدنيا، بل الآخرة التي لا تؤذي أي أحد، و توصل صاحبها فقط بالله، حالة خاصة ، فردية لا تعني إلا صاحبها. و من هنا مصدر الإجرام الكبير، الذي أعدم ضحاياه على ليس على الهوية فحسب و إنما في لحظة تبتلهم و انصرافهم عن شواغل الدنيا، يحوّل الفعل  الإجرامي إلى جريمة اغتيال مطلقة عندما تستهدف أشخاص و هم في لحظة تعلقهم بالآخرة، أي في لحظة مسالمة لا يمكن الاقتراب إليها بأي أذى، لحظة تستوجب الاحترام  من الجميع.

– كاتب / أكاديمي جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here