د. نهى خلف: وصية المفكر العربي كلوفيس مقصود: يجب إعادة ضبط المفاهيم و”تنبهوا واستفيقوا أيها العرب”

nouha-khalaf-new

د. نهى خلف

في كلمة هامة و نادرة للمفكر العربي كلوفيس مقصود، الذي مضى  منذ أيام ، قام السفير السابق للجامعة العربية  في الأمم المتحدة  و الأستاذ الجامعي و المفكر المخضرم في موضوع القومية العربية و عدم الإنحياز ،  بإلقاء كلمة أمام مجموعة من المثقفين و الباحثين العرب في معهد العالم العربي في  باريس في 4 و5 حزيران 2013 .

جاءت هذه الكلمة كاستجابة لدعوة و جهناها  إليه لافتتاح ندوة بعنوان ’مئة عام على القومية العربية: تحليل و تقد’، و ذلك بمناسبة مرور قرن من الزمن على ’المؤتمر العربي الاول’ الذي انعقد في الجمعية الجغرافية في باريس في حزيران عام 1913 .

لم يتمكن يومها الدكتور كلوفيس  مقصود من الحضور شخصيا لأسباب صحية، و لكنه أرسل لنا كلمته مسجلة  بالفيديو  و قد عرضناها في افتتاح هذه الندوة الأكاديمية و التي حضرها  عدد من الباحثين و الأساتذة  الجامعيين، معظمهم   من العرب ، الذين جاؤوا من عدة أماكن تلبية للدعوة رغم الميزانية الضئيلة  لهذه المبادرة التي قمت بها شخصيا، بعد استشارة بعض المؤرخين و الباحثين عبر العالم، و الذين تحمسوا لهذه الفكرة  حيث شكلنا بالتنسيق معهم لجنة علمية مكونة من الدكتور المؤرخ  رشيد الخالدي  و الدكتور رشاد انطونيوس و الدكتور  عيسى قدري  والدكتور محمد طربوشو مجموعة أخرى من الباحثات و الباحثين. و من الجدير بالذكر في هذا الصدد إننا واجهنا كثير من العوائق و  العراقيل والحجج في باريس التي هدفت الى تعطيل هذه الندوة ، فمن أهم الحجج المعلنة ان الوقت غير كافي لتحضيرها و ان الأموال غير كافية الخ… و في واقع الحال كان تخوفنا  ان تعرقل الحالة المتوترة في سوريا و مصر في تلك الفترة  انعقاد الندوة بسبب  الاستقطاب و الصراع الايديولوجي  و لكن تصميمنا على  عقد المؤتمر في شهر حزيران و بعد مئة عام بالضبط من انعقاد المؤتمر العربي الأول  اختيارنا لنخبة من المثقفين  الوطنيين الموضوعيين، حال دون حدوث  أية  مشاداة أو خلاف، بل عبر التركيز على ما لم تحققه القومية العربية عبر قرن مع الاعتراف بأهمية  فكرة ’العروبة’ و ضرورة إحيائها.

وعندما سمعت برحيل كلوفيس مقصود،  قمت بالاستماع مرة أخرى لهذا الشريط المسجل الذي أرسله إلينا أينذاك، لأكتشف بدهشة أهمية و غزارة النصائح التي و جهها في مداخلته  و إلى مدى إهتمامه العميق و الصادق و العفوي بالمبادرة المتواضعة التي قمنا بها ،إلى درجة  انه عبر عن عقده أمالا علينا، لم نكن نحن  قادرين عليها  في واقعنا العربي المشتت جغرافيا  و المتنوع   فكريا .

 إنني أعتبر  مداخلته في منتهى الأهمية لان كلوفيس مقصود تحدث إلينا و كأننا الجيل الصاعد الذي سيعيد رفع راية  الوحدة و القومية العربية  المستنيرة و ليس كمجموعة من الأكاديميين. تحدث كمفكر و ليس كسياسي أو دبلوماسي أو إعلامي أو كأستاذ جامعي . تحدث  كمفكر عربي عن ألمه من الوضع السائد في العالم العربي،  وتوجه الينا ’ كرفاق الطموح إلى الوحدة العربية ورفاق المعاناة التي نختبرها في هذه  الأيام’.

 و بدأ كلمته  بالاشارة الى مقولة ابراهيم اليازجي ’تنبهوا و استفيقوا أيها العرب’ قائلا: “ان الحزن العميق ينتابني بسبب التمزق الحاصل في كثير من مجتمعاتنا  العربية و بسبب تهميش كلمة ’الوحدة العربية ’، وعدم الادراك عن المسؤرلية القومية، وعدم احترام  ضرورة واولوية حماية المدنيين،و التمزق  على أسس دينية و طائفية و عرقية، حتى أكاد أستقيل من الأمل، ويجيء مؤتمركم اليوم ليثري إمكانية عودة  الأمل و الوضوح  وتثبيت و ترسيخ مسؤولية الكلمة في خضم هذا الوضع العربي العام .

أنتم تجيئون  من اجل استقامة البوصلة حتى نتمكن ان نسترجع المبادرة في تامين نجاح الوحدة العربية. فالعروبة مواطنة تتجاوز  الأعراق و الطواءفا و الاقليات، وعندما نرسخ   هذا المفهوم  أي ان العروبة مواطنة تستقيم  المعادلة لتامين بوصلة التوجيه لهذه الأمة” مضيفا ” إنني مدرك  الصعوبات و العراقيل وأنا  أشكركم على هذه المبادرة وقد يقال عني اني ’دايناسور’ و لكن انتم تعطوني ’فتوة’ لم اكن أتوقعها.

فنحن في حالة كبيرة من الصعاب ، فمصر الحبيبة ساحة التجسير و التلاقح بين  تجارب المغرب العربي و المشرق العربي و هي التي عرفتنا  على بعضنا  البعض بشكل حميمي  …. ’تبدو غائبة’… فإن العودة إلى  التاريخ و إلى اجتماع الشباب  القوميين العرب  في عام 1913 يعني ان هناك  ثوابت قومية قادرة وخارقة ، فيجب ان يكون لدينا الشجاعة لنقد ذاتى لحركة القومية العربية التي ارتبطت في ذهن العديد من الناس بأنظمة القمع و الديكتاتورية   ولكن علينا ان نعود العروبة لانها المواطنة و حق المواطن في الكرامة و الحرية و المساواة و هذه القضايا التي همشت .كادت القومية العربية ان تنجح في عام 1958 لولا الصعوبات الإدارية التي واجهتها.

كما يجب التركيز على القصية المركزية فلسطين و هي لقضية التي استحوذت على ولاء كل الجماهير العربية مثل ما استحوذتها  كل الحركات التحررية  السابقة في العالم العربي…..” “وعلينا في هذه الندوة ان نقوم بمراجعة جذرية و  نقدية للإخفاقات و الإمكانيات   دون  مسايرة بعضنا البعض، لأننا اذا لم  نحدد البوصلة ستنتصر علينا الانقسامات والتشعبات والطائفيات، وعلينا ان ندرك حقيقتان: الاولى: محورية  القضية فلسطين التي لا  يجب أ،تعالج من خلال مفاوضات  تحدد انها محتلة، لأنها بسيب التمدد الاستيطاني، إن فلسطين ليست محتلة ولكن مغتصبة.

واذا كان لا بد ان يكون التفاوض  شامل  ويشمل غزة واللاجئيين والقدس وأن لا ينحصر في الضفة لأن  في ذلك بداية لسلوك يتعاطى مع القضية  على أساس واقعية مذلة  وليست واقعية منتجة لحقوق الشعب الفلسطيني. فعلينا ان نضبط المصطلحات: إسرائيل لا تحتل الصفة، هي مغتصبة  لها لأنها لو كانت محتلة لكانت خاضعة للقوانين الدولية  مثل جنيف الرابعة فهي  لا تعترف إنها محتلة ولاتعترف في توصيف ما هي عليه في فلسطين .

ولذلك ضبط المصطلح  يجب أن يكون شرطا للوضوح للالتزام.” أما  فيما يتعلق بما يحدث في العالم العربي ، فإن هذه الدماء المهدورة  أكانت في العراق او سوريا غالية علينا ، ولايجوز أن يستمر هذا الهدر، فالمعارضات غير موحدة والأنظمة غير مستعدة لحماية المدنيين ، ومصر العزيزة لا تبدو إنها تريد إسقاط المعاهدة و مع أن  االإسلام مكون اساسي للعروبة، فإن الإسلام السياسي  ليس بديلا للقومية العربية.. مطلقا. فكيف علينا ان نجسر بين حضارتنا الإسلامية و ثقافتنا الإسلامية  و  ضرورة العروبة كمواطنة؟”.

“ان تقسيم السودان كانت ضربة قاضية للعروبة كمواطنة لانها  أثبتت أن السودان كما هو الحال في دول عربية أخرى لم توفر المساواة في المواطنة التي  يجب ان تتجاوز كل التقسيمات العرقية والطائفية .لابد للمواطنة  أن  تؤمن انها موحدة، نحتفل بالتنوع و ليس بالتعددية، لأن المواطنة هي حرية  ومساواة بين الجميع  و مع المرأة… وهى تصميم على الالتزام بالتنمية المستدامة ، لأنه عيب علينا أن نكون أمة غنية و شعوب فقيرة.

 مسؤوليتنا  ان نكون واضحين و أن نفكر بشكل دؤوب  على مصير الأمة  و مصير الوحدة العربية المطلوبة و ملحة.  فهي مسؤولية تاريخية أن تعيدوا ضبط المصطلح و  أن تكون المبادرة بمزيد من التجرؤ ضد التطرف و التخلف و ضد القبلية والطائفيات والتجزؤ ولذلك أشكركم لأنكم أرجعتم لي تقليصا للحزن ومزيدا من الفرح  بمبادرتكم فأعيد صدى ما قاله ابراهيم اليازجي :’ تنبهوا واستفيقوا أيها العرب’. “

و أخيرا نرى من الضرورة أن تكون وصية  ورسالة كلوفيس مقصود مفتوحة للجميع  و خاضعة  للحوار و النقد  الحضاري  إسهاما في عملية ’التفكير الدؤوب’ والإدراك  ’ بالمسؤولية التاريخية ’ للجميع.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here