د. نهى خلف: في ذكرى العام السادس لرحيله: “غزة” في عيون محمود درويش

mahmoud-darwish66

 

د. نهى خلف

وكأنه لا يزال موجودا ليذكرنا بعلاقة الماضي بالحاضر، وباستمرار المأساة والمجازر الفلسطينية،  وصف محمود درويش ما حدث على شاطيء غزة عام 2006  في  ديوانه “أثر الفراشة” الذي نشر عام وفاته في عام 2008  عبر قصيدة   “البنتُ / الصرخة” حيث جاء فيها:

على شاطئ البحر بنتٌ. وللبنت أَهل

وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ…

وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى

بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:

أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ

يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجوقليلاً

لأن يداً من ضباب

يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي

يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!

لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ

في مهب الغياب

دمٌ في النخيل، دمٌ في السحاب

يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعد من

شاطئ البحر. تصرخ في ليل برّية،

لا صدى للصدى.

فتصير هي الصرخةَ الأبديةَ في خبرٍ

عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً

عندما

عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وباب!

كان ذلك عامين قبل رحيله وثمانية أعوام قبل العدوان الأخير على غزة، ففي عام 2006  رسم محمود درويش  بكلماته المباشرة والمتألقة  ببساطتها  أحيانا، وبعمقها ورموزها ، احيانا أخرى،  صورة” جريمة الشاطىء” الأولى  التي ارتكبتها البوارج الاسرائيلية من  بحر  غزة والتي هي صورة شبه طبق الاصل،” لجريمة  الشاطيء” الثانية التي ارتكبت عام 2014 .

لم تكن حماس قوية   في عام 2006 كما لم تطلق المقاومة الفلسطينية  صواريخ من صبرا في عام 1982، عندما ارتكبت مجزرة صبرا وشتيلا (منذ  اثنين وثلاثون عاما)، هذه المجزرة التي  وصفها محمود درويش  في  قصيدته الرائعة “مديح الظل العالي” وكأنه تنبأ بأبياته ارتكاب المجازر القادمة والمتتالية برمزية عالية : “صبرا تقاطع شارعين على جسد ، صبرا هوية عصرنا حتي الأبد وصبرا لا أحد.”

كما ربط محمود درويش بين لبنان ورفح في قصيدة اخرى من ديوان “أثر الفراشة” بعنوان” أبعد من التماهي”  حيث قال:

” كانت روحي التي طارت شَعَاعاً

مني ومن بطن الوحش تسكن جسداً آخر

أَخفَّ وأَقوي ، لكني لا أعرف أين أنا

الآن : أمام التلفزيون ، أم في التلفزيون، .

أما القلب فإني أراه

يتدحرج ، ككوز صنوبر من جبل لبناني إلي رَفَح

محمود درويش لم يكن فقط شاعرا بل  مؤرخا لمأساة واسطورة فلسطين،  وللأوديسة الفلسطينية اللا متناهية مثل امواج البحر، وهوالذاكرة الجماعية والضمير الحي لمسيرة الشعب الفلسطيني حيث  تعبر كلماته عما يمكن ان يعرف ‘بفلسفة’ فلسطينية تجمع  عبر فكر جدلين بين التشاؤم والتفاؤل لتلتقي مع  مصطلح اميل حبيبي أي” التشاؤل”  والمتأرجحة  بين التخوف من التكرار والبحث عن المخرج،  وبين التشكيك بالانتصار (التشاؤم) والأمل (  التفاؤل) ،وبين الوصف الدقيق والمباشر للواقع الاليم والقدرة على ترجمته في صور سوريالية الى ما هوأسمى من الواقع،وكثيرا ما يكون البحر فيها  رمزا . ومثل كل الفلاسفة العمالقة يهتم كثيرا محمود درويش بالسؤال والتساؤل أكثرمن اهتمامه بالجواب والاجابة ، كما جاء في قصيدته بعنوان” ماذا… لماذا كلُّ هذا؟” الواردة في نفس ديوانه “أثر الفراشة” .

وهكذا مرت ألايام والمجازر تتكرر من دير ياسين الى صبرا الى جنين الى غزة، ومحمود درويش يواكبها كالفرس  الشجاعن،  يسبقها أحيانا ويلحقها أحيانا  معبرا عن وحدة  هذا الفرس في ديوانه”لماذا تركت الحصان وحيدا”، كما يخشى محمود درويش  التأخر  عن الحدث وعن الحلول، كما قال في قصيدة أخرى  من  نفس هذا الديوان بعنوان ” وصلنا متأخرين ” جاء فيها ” في مرحلة ما من هشاشةٍ نُسَمَّيها نضجاً , لا نكون متفائلين ولا متشائمين “:

إذ ننظر إلى الوراء لنعرف أَين

نحن منَّا ومن الحقيقة نسأل : كم ارتكبنا

من الأخطاء ؟ وهل وصلنا إلى الحكمة

متأخرين . لسنا متأكدين من صواب

الريح, فماذا ينفعنا أن نصل إلى أيّ

شيء متأخرين, حتى لوكان هنالك

من ينظرنا على سفح الجبل , ويدعونا

إلى صلاة الشكر لأننا وصلنا سالمين …

لا متفائلين ولا متشائمين , لكن متأخرين !

وفي نفس هذا الديوان  قصيدة عبر فيها محمود درويش ليس فقط عن الخوف من التأخر بل أيضا من الركوض والشلل ، ففي قصيدته  ” ليتني حجر” قال:

ليتني حجر

لا أَحنُّ الى أيِّ شيء

فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي

ولا حاضري يتقدمُ أويتراجعُ

لا شيء يحدث لي!

 وفي قصيدة اخرى  بعنوان “مَكرُ المجاز” عبر محمود بشكل واضح عن صعوبة تقديرالموقف الصحيح بعد  معركة  من المعارك  قائلا:”مجازاً أقول: انتصرتُ مجازاً أقول: خسرتُ…”

ففي ذكرى رحيله السادس، وكهدية لروح الشاعر ولكل الشهداء يجب  ربما علينا أن لا نترك “أَثرُ الفراشة الذي “لا يُرَى” وأُثرُ الفراشة الذي ” لايزول” وان نتمكن من”موهبة الأمل” حيث عرف محمود درويش معنى الامل:” ليس الأمل مادَّةً ولافكرة . إنه موهبة”.

  فليتنا  نقول نعم “انتصرنا” رغم الدمار والموت والألم. ولكن  هل يمكننا ان لا نردد في الوقت نفسه وبصوت عال اننا نخشى  من الوصول  “لا متفائلين ولا متشائمين بل متأخرين ” الى المحاكم الدولية التي  يجب عليها بل يمكنها ان تحاكم الطغاة والقتلة والمحتلين  الذين ارتكبوا جرائم حرب ليس فقط  بحق الشعب الفلسطيني بل بحق الشرعية الدولية والانسانية جمعاء .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here