د. نهى خلف: الى ادوارد سعيد في الذكرى الحادية عشر لوفاته.. المستحيل أصبح أبعد

idward-said.jpg555

د. نهى خلف

بمناسبة ذكرى مرور إحدى عشر سنة على رحيل المفكر العربي الفلسطيني الشهير إدوارد سعيد، نود التذكير بأهمية المقال  الذي نشر له في جريدة الأهرام الأسبوعية في اللغة الانكليزية 22 أيار عام 2003 أي قبل أشهر من تاريخ وفاته في 25 أيلول 2003 ،  حيث يطرح إدوارد سعيد في المقال وهو بعنوان ”  الحالة العربية سؤالاً  هاماً و الذي لم نجد له جواباً حتى هذا اليوم : ” لماذا لا يوحد العرب كل إمكانياتهم للنضال من أجل القضايا التي  يؤيدونها ، على الأقل علنياً ،  وهل يمكن أن نغرق أكثر من ذلك؟”

في عام 2003 لم يكن عالمنا العربي قد وصل الى  نفق الظلام و التمزق والتفتيت  الذي وصل إليه في يومنا هذا ، و لكن بوادر المسلسل لتخريب المنطقة من الداخل و الخارج ، كان قد بدأ يظهر على أقبح وجه منذ البدء باجتياح العراق.  فقد عبر إدوارد سعيد في هذا المقال عن استيائه الشديد مما حدث في العراق قائلا ”  يبدو لي أن هناك  كثيراً من العرب يشعرون أن ما حدث في العراق خلال الشهرين الأخيرين ، في أحسن الأحوال يعد كارثة ” ، مضيفاً  ” من الهام جداً أن نعيد التذكير  بأن العرب ، رغم كل انشقاقاتهم و خلافاتهم ، هم شعب واحد، وليسوا مجموعة من الدول المارقة المهيأة  للتدخل والحكم الخارجي دون رد فعل”، كما يجب أن نعلم جيدا “أن الولايات المتحدة تنتعش على التفتيت العربي ، وعلى الركود  الجماعي وعلى ضعف العرب عسكريا اقتصاديا “.
وبعد عرضه  المفصل لسلسلة الإخفاقات والهزائم العربية يقول إدوارد سعيد “النتيجة اليوم ، بعد اجتياح العراق، هي إن الأمة العربية محبطة ومكسورة ومهزومة ، وغير قادرة لفعل أي شيء إلا الرضوخ للخطط الأمريكية المعلنة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط  بما يتناسب مع المصلحة الأمريكية والإسرائيلية.  و  الغريب ان حتى هذه الخطة بضخامتها و هولها ،  لم تجد  إستجابة  جماعية من الدول العربية ، التي تبدو وكأنها في انتظارحدوث شيء جديد ، بينما بوش ،  ورامسفلد  و باول  وأعوانهم  يستمرون  في التهديد  و التنفيذ و الاجتياح و القصف ، و بممارسة الاستعلاء إلخ………..”

و يتابع قائلا  ” أما بالنسبة للمخطط الأمريكي في العراق فقد أصبحَ واضحاً بشكل كامل ،  أن ما يحدث ليس أقل من  احتلال استعماري بصيغته القديمة  شبيه بالإحتلال الإسرائيلي لفلسطين .ففكرة إدخال ديمقراطية  على النمط الأمريكي إلى العراق ، تعني أساساً الدفع  لانصياع البلد للسياسة الأمريكية، أي إبرام اتفاقية سلام مع اسرائيل ،والسيطرة على سوق نفطية للربح الأمريكي،و استتباب الأمن في حده الأدنى لكي لا يسمح  لنشوء معارضة  حقيقية  أو بناء مؤسساتي  حقيقي . و ربما الفكرة من خلف كل ذلك هي تحويل العراق إلى لبنان الحرب الأهلية،”

 و من أهم ما ورد في هذا المقال المعلومة الهامة التي أفصح عنها ادوارد سعيد قائلا:” أود أن أشير هنا إلى مثل هام   يوضح نوع التخطيط التي تمارسه الادارة في  الولايات المتحدة:  فقد أعلنت الصحافة الأمريكية مؤخراً أن  مساعد أستاذ في القانون من جامعة نيويورك ، عمره اثنان وثلاثين عاماً فقط  يدعى نوح فلدمان،  سيكون مسؤولاً عن صياغة الدستور العراقي الجديد، وقد ذكرت كل الروايات الإعلامية حول هذا التعيين المهم لفلدمان، كونه اختصاصي بارع في القانون الإسلامي ، وأنه قد درس اللغة العربية منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره ،  وأنه تربى كيهودي  متدين “،  ويضيف إدوارد سعيد مستغرباً : ”  لكنه لم يمارس القانون في العالم العربي، ولم يذهب يوماً إلى العراق ، ولا يبدو أن له خلفية عملية في مشاكل العراق في مرحلة ما بعد الحرب. أليس ذلك استعلاء  و احتقار واضح ومباشر، ليس فقط للعراق ، ولكن أيضاً لمجموعة العقول القانونية العربية و العلماء الإسلاميين ، التي كان بمقدورهم أن يقوموا بهذا العمل بطريقة مجدية و أفضل في خدمة مستقبل العراق. ولكن، لا ،  أمريكا تريد أن يقوم بذلك الخريج الجامعي الشاب ، لكي تتمكن من القول:’ إننا أعطينا العراق ديمقراطية جديدة ‘ . إن الاحتقار هنا قد بلغ حدوده القصوى”.
وما أثار إحباط إدوارد سعيد هو’  لدى العرب لا وجود  لأية إمكانية لمواجهة كل ذلك وبشكل خاص حسب رأيه إنه  لم يظهر في لحظة الأزمة أي دليل بمطالبة  الحكام العرب شعوبهم لدعمهم في  مواجهة ما يعتبر تهديد جماعي قومي………” حيث كان أدوار سعيد  يأمل أن يقول الحكام العرب لشعبهم ” نحن بحاجة لكل مثقف ولكل القوى السياسية أن تتكاتف معنا في مواجهة الخطة الإمبريالية التي تهدف إلى إعادة تشكيل حياتنا دون موافقتنا.” متسائلاً ” لماذا يجب أن تترك المقاومة في يد المتطرفين و الانتحاريين  اليائسين ؟؟”

وينهي إدوارد سعيد مقاله قائلاً” إن شاؤوا أم لم يشاؤوا، فإن الشعب العربي يواجه اليوم هجوماً شاملاً على مستقبله من قبل قوى إمبريالية و عظمى،  وهي أمريكا، التي تعمل بالاتفاق مع اسرائيل من أجل السيطرة و التهدئة ، وبالتحليل النهائي إلى تقزيمنا وتحويلنا إلى حفنة من العصابات المتحاربة لا يكون ولاؤها لشعبها بل لأمريكا وحلفائها المحليين.  و إذا لم نستوعب  أن هذا هو الصراع الذي سيشكل  ملامح منطقتنا لعقود قادمة ، فذلك  يعني أننا فقدنا بصرنا طوعياً ، فالمطلوب الآن هو كسر السلاسل الحديدية التي تقيد  المجتمعات العربية  بعقد من الصعب  فكها ، و هي مكونة من شعوب فاقدة الإحساس ، وقيادات لا تشعر بالأمان ، و مثقفين مغيبين عن الواقع. فهذه أزمة غير مسبوقة.و لذلك مطلوب منا تطوير إمكانيات غير مسبوقة لمواجهتها. فالخطوة الأولى هي أن نعي أبعاد هذه المشكلة ، ثم أن نستمر في مقاومة كل ما يحولنا إلى غضب عاجز فقط ، و إلى ردود فعل هامشية ، وهي حالة لا يمكن قبولها إرادياً. و البديل الوحيد لهذه الحالة القبيحة ، هو ما قد يعدنا بأمل.

و قد مر أحد  عشر عاماً على رحيل إدوار سعيد و اجتياح العراق أصبح جزءاً من التاريخ المر الذي تسبب حتى  الآن باستشهاد  الآلاف  و بتفكيك العراق و تقسيمها و إغراقها بفتن طائفية لا نهاية لها و  بتحويل الصراع  فيها الى ما كان يخشاه ادوارد سعيد أي صراع مسلح بين عصابات من كل الأشكال و بالتحالف و تحت إشراف الأخ الأكبر الذي ينتعش على هذا الدمار ، فشركات الأسلحة و شركات النفط تجني الأرباح بينما أصبحت حياة الشعوب بلا ثمن. كما امتد ت آثار هذا الطاعون على كل بلاد الشام حيث أصبحت سوريا تواجه نفس القدر بل تزداد خرابا و انقساما. فلم يسمع المثقفون الجالسون في أبراجهم العاجية نصائح  ادوارد  سعيد و لم يفعل أحد شيئاً لمنع الطوفان و صده قبل أن  يبتلع الجميع و الذين حاولوا أن يفعلوا شيئا أصبحوا لاجئين يتسولون  في المنافي.

و الأغرب من ذلك أن أمريكا تستمر في الانتعاش وأنها أصبحت  بضرباتها الجوية المخرج و المنقذ الوحيد للحكام الذين دفعوا بالجميع الى الهاوية و حتى للمثقفين و النخب التي فقدت بصرها و من المدهش و المصادفة الغريبة أن تصلنا  مؤخراً  معلومة مدهشة عن الأعمال العبقرية التي يقوم بها المدعو نوح  فلدمان  و الذي بلغ اليوم أربعة و أربعين عاما من العمر ،ألا و هي أنه هو الذي ساهم في صياغة دستور تونس بعد أن أثبت دستور العراق نجاحه.

كان بودنا أن نسمع اليوم رأي أدوارد سعيد  و محمود درويش و غيرهم من العقول العربية والفلسطينية أمثال ياسين الحافظ و شفيق الحوت و ابراهيم أبو اللغد و غيرهم  عما يحدث اليوم  فقد عفاهم الله عن رؤية هذا المشهد القبيح ، فقد  اندثر جيل من العمالقة، و سُحقت الأجيال  التي جاءت بعدهم و أصيبت بالغثيان و خاصة بعد أن شعرت بالخداع بسبب نتائج الربيع العربي الكارثية  حيث ازدادت الأمور سوءاَ  و أصبح العنف المسلح  المبرمج بقيادة أمريكا سيد المرحلة  .

و بصدد ذكرى رحيل إدوارد سعيد  الحادي عشر و رحيل محمود درويش السادس فمن الجدير إحياءاً لذكراهما ، أ ن نورد هنا ما كتبه محمود درويش الشاعرالفذ في رثاء ادوارد سعيد  الكاتب الفذ عام 2003 في نهاية قصيدته  بعنوان ‘طباق’ حيث عبر فيها عن الحوار الأخير الذي دار بينهما :

  أقول:
الحياة التي لا تعرّف
إلا بضد هو الموت
ليست حياة
يقول:
سنحيا
ولو تركتنا الحياة إلى شأننا
فلنكن سادة الكلمات
التي سوف تجعل قراءها خالدين
على حد تعبير صاحبك الفذ ريتسوس
وقال: إذا متّ قبلكَ
أوصيك بالمستحيل
سألت:
هل المستحيل بعيدٌ؟
فقال: على بعد جيل
سألت:
فإن متّ قبلك
قال: أعزّي جبال الجليل
وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم
والآن، لا تنس
إن متّ قبلكَ
أوصيك بالمستحيل
عندما زرته
في سدومَ الجديدة في عام ألفين واثنين
كان يقاوم حرب سدوم على أهل بابل
والسرطان معا
كان كالبطل الملحمي الأخير
يدافع عن حق طروادة في اقتسام الرواية
نسر يودع قمته
عاريا
عاريا
فالإقامة فوق الأولمب
وفوق القممْ
تثير السأم
وداعا
وداعا
وداعا لشعر الألم

باحثة في الشؤون الدولية والاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here