د. نهلة غسّان طربيه: “في عيد الحبّ: الحبّ عناوين كُبرى”

د. نهلة غسّان طربيه

1.

لم أستطع الخلود للنوم في الغرفة الصغيرة التي استضافتْني فيها..

فقد أرّقتْني وردةٌ حمراء ذابلة تعلو حقيبتين عتيقتين..

 من معدن زال أغلب طلائه الأخضر.

حين سألْتُها عنها في الصباح قالت لي:

هذا كلّ ماتبقّى لي من حُبِّ زوجي الذي مات دون أن يترك لي أولاداً:

رسائل حبّه لي في حقيبتين.. ووردة أهديها له كلّ عام في عيد الحُبّ.

أذرو بَتْلاتها مع الرّيح كي ينتشرالحبُّ في كلّ مكان.

٢.

كان شالاً مطرَّزاً بورود ملوّنة.

توشّحَتْ به وخرجَتْ.

لم تكُ تدري أنّ الثلج كان ركاماً هنا وركاماً هناك على طول شوارع المدينة.

في تلك اللحظة مدّ عجوزٌ حافي القدمين يده متسوّلاً..

 فأعطته بضع نقود معدنية بيدها المرتجفة بَرْداً.

شَكَرَها قائلاً: “شكراً للدفء الإنسانيّ فهو سيذيب الثلج.

جميلةٌ أنتِ كالورود على شالِك.”

تحسَّستْ طرفي شالها بيديها الباردتين.

اِسْتَرْعَتِ انتباهَها ثلاثُ وردات مختبئة في عمق الثلج..

فانحنتْ كي تلتقطها.

بادَرَها العجوز المتسوّل قائلاً:

“رأيتُ هذي الورود تسقط من على شالك إلى عمق الثلج.

هكذا ياذات الشال المورَّد..

هكذا فقط.. يذوب الثلج.

اسألي الثلج إذا لم تصدّقيني

أو اسألي شالك.”

حَثّتِ الخُطى..

شدَّتْ شالَها بقوّة على كتفيها..

أيقنَتْ جداً أنّ الدفء يمكن أن تكتبه حكايةُ حبٍّ نقيٍّ مابين ورود وثلج مدينة.

٣.

يرمقُه بشغف وهو مستند على شجرة معمِّرة..

زهرَ اللوز في أعالي التلّة..

شابكاً ذراعَه بذراع قمم الجبال الثلجية البعيدة..

ذكَّرَهُ بِها زهر اللوز ذاك في الحقل البعيد..

بفستانها الأبيض يوم العرس..

بذراعيهما المتشابكتين بدفء..

ترسمان لهما حقلاً جميلاً للحياة..

لكثيرٍ.. كثيرٍ من الحبّ..

من هَمس زهر اللوز.

٤.

في تلك القرية المتسلِّقة على حبال الغيم..

حين يتكثّف سَوادُ عتمة العشيّة..

تتّكئ أتعابُ الطيّبين على عتبات البيوت الباردة..

حيثُ يدلقُها فتتكوَّمُ هامدةً حُبٌّ لذيذ يزهر في سخونةِ كأس الشّاي.

وفي باكورة الصباحات النديّة ..

حين تغنّي أطباقُ القشّ المنقوشة..

حيث تتهادى في رقصتها عليها..

أطباقُ لونٍ لاتُحصى..

يهطل الحبُّ مَطَرَ نِعْمَةٍ..  لُقُماتٍ طيّبة.. صلاةً.. شُكرانا..

تغاريدَ فرح..

فتهوي الهمومُ على الزوايا..

والأحزانُ تتعثَّر..

ويكنُسُها نسيمٌ رقيقٌ نَذَرَ نفْسَه للحُبّ….

يُحْرِجُ وعيدَ النهار للمساكين بالبؤس والتعب.

(أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن)

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ( أحببني وافعل ما شئت )
    دائماً يقودنا الحب إلى كل ما هو جميل
    دمت تكتبين كل ما هو جميل دكتورة نهلة الرقيقة

  2. د. نهلة ! شعرك المنثور أو نثرك الشغري أو ما أسميه النثيرة يحمل في كل حرف نبضَ روحك السامية، ووجدانياتك الإنسانية ، وجمالية صورك الفنية البديعة. ( ما الكأس لولا الخمرغير زجاجة/ والمرء لولا الحب إلا أعظما ) هكذا غنى أبو ماض . و( أنا بالحب قد وصلت إلى نفسي / وبالحب قد عرفت الله ) . الحب ليس له عيد هو عيد الفصول وفصل الأعياد . الحب يجب أن يكون سائداً كل يوم بين البشر. أحيي فيك هذا المزج أو ( الحلولية) بين عناصر الطبيعة والإنسان والجمال والمفاهيم المطلقة التي لا يختلف عليها ( إنسان ) من كل جنس ولون . هنيئاً لصحيفة رأي اليوم بيومك الذي تدبجين فيه أرقى وأسمى الحروف.

  3. المحبة لا تعرف عمقها الا ساع الفراق..لكن مع كلماتك الشفافة غاليتي نهلة …هناك دائما موعد مع الحب و فرحة اللقاء عبر الذكريات..دمت و دام قلمك نابض بالمحبة و الجمال… 💕

  4. كالعادة يا صديقتي تمنحين الأشياء والمفاهيم والفصول والطبيعة كلها دفقَ أفكارك ونبض وجدانك الذاتي والإنساني وقوس قزح لغتك البديعة ما بين شعر منثور ونثر شعري وما أسميه ( نثيرة) .
    علينا أن نجعل كل يوم عيد حب فلا عيد للحب إنه تقويم الفصول . شكرا لك يا صديقي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here