د. نهلة غسّان طربيه: شذور شعريّة ونثريّة

د. نهلة غسّان طربيه

“سوسنةٌ صفراء”

وفي يدها سوسنةٌ صفراء..

كانت تجلس على دَرْجَةٍ حجريّة..

تماماً في منتصف دَرَجٍ  يعلو.. ويعلو..

وتعلو دَرْجاتِه شتلاتُ طيّون غافَلَتْ غيابَهم..

تُعلِنُ كلّ صباح أنّ في دارهم مازالتْ بذور حياة..

مازال مابين الدرْجَة والدّرْجة يقفز عالياً نغَمُ خُطاهم.

كان دفءٌ لذيذ يتسرّبُ إليها من برودة الحجر..

يذكّرها برائحة البخّور وأوراق الزيتون..

حين كانت أمّها تحرقها في مبخرة صغيرة..

قبل أن يرسم الفجر الورديّ من بعيد لوحةً تجريديةً على شبّاك غرفة الجلوس.

مازال يقف عند أسفل الدرج أبوهم يحيّيهم بصوته الرّنّان وربطة عنقه الأنيقة..

محَمَّلاً بأكياس الورق البنّيّة..

الطافحة حُبّاً لذيذا.

مازالت على أعلى الدرج تقف أمهم بِمِرْيَلَة المطبخ المزركشة أطرافها..

تهلّل لمجيء زوجها بابتسامتها العريضة..

تهديه سِرّاً في قلبها سِلالَ حُبٍّ يندلق من كلّ حدب وصوب..

تخبّئ له هدية إثر هدية في قدورٍ كثيرة على طاولة المطبخ.

هناك كان الخير يفيض..

ويطير فراشاتِ فرح..

شموعَ شكرٍ للّه..

وتذكّرٍ للأقرباء والجيران:

“ولا تؤذه بقتار قدرك.”

حَيرى هي كانت على الدّرْجَة الحجرية..

 تفرش عليها حبيباتِ الذاكرة الملوَّنة كالكُرات الزجاجية الصغيرة التي كان يلعب بها إخوتها على الأزقّة مع صِبْيَة الحيّ.

هل تصعد أم تهبط الدرج؟

في أسفل الدرج..

كان القمر لاينام إلّا على سورِ بيتهم يحرس شجرة التين الصغيرة.

في أعلى الدرج..

كانت الشمس تشرق وتبثّ الدفء في كراسي الخيزران المبعثرة على الشرفة بعد سهرةِ الأمسية الفائتة..

وعلى كلٍّ منها كتاب أو كنزة صوفية تصدّ هواء الليل المباغت.

وهي حيرى على الدّرْجَة الحجرية..

 تذكّرَتْ كيف كانت تحبّ أن تنام متأخرةً حتى الظهيرة.. فتثاءبتْ مبتسمة.

كيف تنسى؟

كانت الشمس تتسلل من خلف ستارة منقوشة بأزهار ملوّنة كبيرة..

مقتنصةً مغامرةَ نسيمٍ عابرٍ يعبث بالستارة..

لتوقظ تلك البنيّة وتلعب معها.

كانت حينها تغادر فراشها حافيةً..

تنزل من أعلى الدرج..

لتطمئنّ على بيت دميتها الذي صَنَعَتْه من عيدان التوت والجوز..

ثمّ تصعد الدرج..

لتصنع لها أمُّها عروسة زيت وزعتر.

في جنينتهم..

تذكرُ البنيّةُ  الحيرى..

كان يُزهرالليلكُ والسوسنُ الأصفر.

(أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن)

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. هذه المقالة ذكرتني بثلاثة أبيات لشاعر منذ زمن بعيد:
    لبيت تخفق الارواح فيه/ أحب إلي من قصر منيف
    ولبس عباءة وتقر عيني/ أحب إلي من لبس الشفوف
    وكلب ينبح الطراق دوني/ أحب إلي من نقر الدفوف

  2. كلماتك الدافئة يا اختي نهلة تتدحرج على عتبة درجك الحجري حبات لؤلؤ تضيء لنا ذكريات ماض جميل لايمكن أن ننساه.ذاك الماضي الذي رسم لنا الحاضر والمستقبل وحمل بين طياته ذكريات الطفولة الشقية والمشاعر الرومانسيةوالحياة البسيطة.لقد ابدعت بوصف صور حية لقلوب صادقة تنبض بالحب والحياة والعفوية.

  3. عبق ذكريات الماضي الجميل تستنشقه أرواحنا عبر هذا الوصف الحميمي الدافئ وبمفردات تحمل بصمة ماض بسيط جميل ..تذكرت كيس الورق البني قبل النايلون والبلاستيك كانت له رائحة عبقة من فوح كنوز الخضار والفواكه غير المسممة بالمبيدات الحشرية . أحييك أيتها المبدعة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here