د. نهلة غسّان طربيه: “شذور شعريّة ونثريّة”.. “إنه الشتاء ياحبيبي”

د. نهلة غسّان طربيه

١.

في غابة الحبّ..

كثير من الثلج..

ونار من حطب..

وكستناء مشوية.

ورَتلُ غيوم تعشق العبوس..

 تآمرَت على وجه الشمس المتبسِّم..

فأرسلَتْه إلى منفى الصقيع.

وعصفور الثلج الوديع بصدره الأحمر..

يُهديني ترانيم دفء..

وقنديلاً للمساء.

أعانقُهُ بكفّي الممدودة بحبّات قمح وسكّر..

ثم أودّعه كي أُعِدّ لعائلتي طبق حساء العدس المجروش.

إنه الشتاء ياحبيبي.

٢.

أغنّي لطفلي هدهدة المساء..

وأنتَ يا حبيبي تهديني فنجان قهوة بالهال..

مرسوماً عليه كوخاً خشبيّاً صغيرا.

نوافذه المضاءة..

تنسدل عليها ستائر من دانتيل وزهور ملوّنة..

تشبه الزهور التي كانت يوماً تزرعها جدّتي في جنينتها في مدينتي البحريّة..

مَن منكم يعرف جنينة جدّتي هناك؟

فيها شجيرةُ فتنة.. وزهور جلّنار أحمر..

وفيها شجيرة ياسمين.. وشجيرة حبّ الآس.

هاأنذا أراني ألجُ عتبةَ البيت الخشبيّ الصغير..

تُرى هل هو بيتُها؟

ينام طفلي ويرسم لي على شفتيه ابتسامةً بلون حمرةِ خدّيها.

يبحثُ عنّي حبيبي..

فيرى على سطح الفنجان قبلةً وزهرةَ فتنة.

إنه الشتاء ياحبيبي.

٣.

يشقّ سكونَ المساءات الشتوية بطبقات برودتها الثقيلة..

وهو يزقزق.. يزقزق..

فأطوي كتابي السّميك..

أتسلّل بهدوء من سريري الدافئ..

حافية القادمين على أرض البيت الخشبية وصريرها يقطع أوصال الوجوم.

أفتح النافذة المُطِلّةَ على شجرة الزيتون الصغيرة..

زرعْتُها منذ عشر سنوات كي تذكّرني بمدرّجات كروم الزيتون قرب بيتِ أهلي في ضيعتنا.

أرى عصفور الثلج ذاته ينظر إليّ بوسامته المعهودة..

أسحب من منقاره غصن زيتون صغير.. صغير.

أنتَ لابدّ جائع يا عصفوري الصغير.. أحنو عليه بكفّي الدافئة.

يتكوَّمُ وطني في عُمق يدي الصغيرة..

كطفلٍ غنَّتْ له أمّه هدهدة المساء.

أُغلِق نافذتي على عويل الليل.

على وجه فنجاني أراه..

لاتسألني أكثر..

إنه الشتاء ياحبيبي.

أكاديمية سورية مقيمة في لندن

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ماذا اقول لكِ … ابدعتِ. أم ان الجمال تواضع لحروفك المتألقه. … بل رحلت ِ بنا لواقع تمنينا ان لا ينتهي لحلاوه الحبور والراحة. والسرور عشناه بدفء العاطفه وروعة الصور وكأننا أصبحنا سكانه منذ ابتدأالزمن … بل تعرفنا على صوره الجنه التي رسمتها حروفك …وفقك الله نهله……

  2. اسمع صوتك الحنون من العنوان
    ما احلا كومة الوطن بيدك الحنون مع زقزقة عصفرك يا نهلتنا الغالية يا عاشقة الوطن الذي تحمليه بقبلك اينما ذهبت
    احييك مع هدهدة الام الحنون ومع غصن الزيتون ومع الشتاء الذي استحال ربيعآ بمشاعرك
    يا لهذه الكومة من المحبة والحنان والمحبة يا لك من استاذة الكلمة الرائعة ورقي المشاعر
    كم نحترمك ونحبك وانت الصديقة الرائعة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here