د. نهلة غسّان طربيه: شذور شعريّة ونثريّة: “العيد”

د. نهلة غسّان طربيه

“حين رمَتِ السّيّدةُ الثّريّةُ إبريقَ الشّاي العتيق الذي سئمَتْ منه..

تَلَقَّفَتْهُ يَدُ جنّيٍّة صغيرة (flower fairy) من جِنّيّات الزّهور الصّيفيّة..

صَنَعَتْ منه بَيتاً صغيراً له شبابيكُ وبابُ ومدخنةٌ.

ودَعَتْ شقيقاتِها وأشقّاءَها من الزّهور الملوَّنة الجميلة لتسكنَ فيه معها.

في صباح العيد استيقظوا باكرين..

رتَّبوا أَسِرَّتَهَم..

أَعَدّوا فطائرَ الزّعتر.. والجبن البلديّ بالبقدونس.. والكشك بالبصل والفليفلة الحمراء..

وزيَّنوا كعكةَ العيدِ المحلّاةِ بالسّكّر وماء الزّهر..

بالفستق الحلبيّ.. وبراعمِ الوردِ الصّغير الدّمشقيّ الأحمر.. وشمعةٍ بيضاء طويلة لها عَبَقُ الفلّ والياسمين.”

قاطعَني ابْنُ أخي ذو الأعوام العَشْرة وقال:

“هل أستطيع أن أكونَ معهم في بيتهم الإبريق ياعمّتي؟”

قلتُ: “بعد قليل. اِسمَعْ بقيّةَ الحكاية حبيبي”.

“حَثّوا الخُطى إلى ساحةِ العيد..

حيث الأراجيح.. مِن زَهر النّرجس.. والزّنبق.. والأجراس الزّرقاء..

تَدورُ بِهِم إلى أعلى.. أعلى..

فيرَون البحرَ البعيد يزيّن خَصْرَ المدينة بِشالٍ مُزَرْكَش..

ويلوّحون لِأشجارِ الصّنوبر المتسلّقة على ظهور التّلال والجبال..

ثُمّ  تَدورُ بِهِم إلى أسفلَ.. أسفلَ..

حيث يشاهدون بعضَ أقاربِهم وأصدقائِهم فيحيّونَهم بأصواتٍ عاليةٍ.. عالية.. وأيديهم تَتَشبَّثُ بِقوّة وقلق بمقاعدِهم الملوَّنَة وأَحْزمتِها!”

قال ابنُ أخي بكلّ ثقة: “واشترَوا البوظةَ الملوَّنةَ.. وغَزْلَ البنات.. وباقاتِ (الميلانة) الخضراء.. والذّرة المشويّة.”

حين سألْتُهُ: “كيف عَرَفْتَ أيّها العبقريّ”؟

قال: “ياعمّتي.. ألا ترَينَ أنّني قد لحِقْتُ بهم؟

فقد تَسَلَّلْتُ إلى بَيتِهم الإبريق.. وأنتِ تحكينَ لي الحكاية.

ياعمّتي..

لقد سَئِمْتُ مِن انتظارِ العيد!

مُذْ وُلِدْتُ سَرَقوا العيد!

تَسَلَّلوا ونحن نائمين..

لم نعدْ نسمعْ سِوى صَوتِ الطّائراتِ الحَربيّة..

صَفّاراتِ الإنذار..

أزيزِ الرّصاص..

أصْواتِ المدافع!

كُنّا نرى الصِّغارَ والكِبارَ على شاشاتِ التِّلفازِ يُذبَحون..

تُقطَعُ رؤوسُهُم..

يُحرَقون في أقفاصٍ معدنيّة!

أُريدُ أن أُمسِكَ هذه المَرَّةَ بالعيد..

فقد رَأَيْتُهُ وأنتِ تَقُصّينَ عَلَيَّ حكايةَ ماقبل النّوم..

رَأَيْتُهُ مع جِنّيّات الزّهور!

هذه المرّة فقط ياعمّتي.. سأسرِقُ.. أرجوكِ سامحيني!

بلى.. سأسرٍقُ العيد!

سأُخَبِّئُهُ في البيتِ الإبريق.

هناك فقط لن يَعثروا عليه!

وإلى هناك سآخذُ معي غداً كلَّ رفاقِ مدرستي!

سآخذُ كلَّ أطفالِ فلسطينَ السّبيّة.. كلَّ أطفالِ العراق.. كُلَّ أطفالِ اليمن.. كُلَّ أطفالِ ليبيا!

سوف أَدعو كُلَّ الكِبارِ إلى ساحةِ العيد كي يَتَصالحوا.. ويَتَسامحوا.. فَكُلُّهُم معاً أحلى وأَقوى.. وأنتِ دائماً تردّدين (إنّ في الاتّحاد قوّة)!

سوف نزرعُ نحن الصّغار مع الكبار شجرةَ زيتونٍ صغيرة نسمّيها

(شجرة السّلام).. بدلاً مِن كُلِّ غاباتِ الحربِ المحروقة!

أرجوكِ ياعمّتي لاتُخبري أحداً أنّني سَرَقْتُ العيد..

وَدَعيني.. أرجوكِ.. أنامُ في البيتِ الإبريقِ معهم كلّهم.. مع الأشقّاء والشّقيقات مِن جنّيّاتِ الزّهور.. وأنا أُمسكُ بِيَدِ العيد!”

(أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here