د. نهلة غسّان طربيه: شذور شعريّة ونثريّة: “حكاياتُ على مصطبة القمر”

 

د. نهلة غسّان طربيه

1

وفي أوّل الصيف..

يختبئ القمرُ البدرُ في جنينتنا.

تُفسِحُ له الجنينةُ جَنَباتِها كي يعدوَ على سندسها الأخضر..

فأعدو خلفَه سِرّاً.

ألملمُ حبّاتِ الطَّلِّ التي يُغدِقُها على الزّهور نورُه الفضّيّ..

كي أهديَها لعروسٍ فقيرة تحلم بفستانِ عُرسٍ تزيّنه حبّات الماس..

2

وفي أوّل الصّيف..

حين يختبئ القمر في جنينتنا..

يَحدثُ سِجالُ هوى..

مابين لبلابٍ يتسلّق الجدرانَ كي يبوحَ له بحُبّه..

ومابين قرطاسيا زرقاء.. زرقاء.. أَودى بها طولُ انتظاره.

وكَذا يحدثُ سِجالُ هوى..

مابين امرأةٍ مافتئتْ تخبره أنّها تعشق فيه قمرَ ضيعتها..

ومابين مدينةٍ تحلف له أنّه حبيبُها الأوّل والأخير.

فيهوي قلبُهُ زهراتِ ياسمين بيضاء.. بيضاء..

تُضيئُ عتمةَ جُنَينات الّليل..

وأغدو أنا ضيعةً يموتُ في حُبِّها قمرُ مدينة!

3

وفي أوّل الصّيف..

يصيرُ القمرُ هَدْهَدَةَ المساء..

لصغيرةٍ على كتفِ أمِّ في صَحن الدّار..

تملأ الدنيا حولَها دميةٌ صامتةٌ من قماش..

أرجوحةٌ بَكْماءُ تتحرّكُ جيئةً وذهابا..

ثرثراتُ مكتومةٌ كي لا تخرقَ همسةٌ غفوةَ القمر لتلك الصّغيرة..

كي لا ينزلَ القمرُ طابةً تلعبُ بها الصّغيرة..

كي لا يَحُثَّ الفجرُ خُطاهُ فيتأرجحَ مع صغيرةٍ متشبّثةٍ بِكُرَتِها الكبيرة..

في وسطِ ملعبِ السّهَرِ المُعَدِّ للكبار فقط!

4

وفي أوّل الصيف..

يُمسِكُ القمرُ بِيَدِ البُنَيَّة..

يغدو كَفَّ أبٍ..

تَعُدُّ مع صغيرته أضواءَ السّماء..

نجمةً.. نجمة.

تخربشُ صغيرتُه بطباشيرةٍ بيضاء على سبّورة الليل:

“بكتبْ اسمِك يا بلادي عالشمس الما بتغيب.”

تُدهشُه حين يسائلها أبوها: “أنّى جئتِ في عمق الليل بالشّمس يابنيّتي؟”

تُشيرُ إلى دربِ التّبّانة.. وتقول:

“الشّمسُ يا أبي في هذي المَجَرَّة”..

فيداعبُ خُصُلاتِ شَعرها أبوها..

يلمعُ ما بين خُصْلةٍ وخُصْلة لألاءُ القمر..

ويصدَحُ صدىً في قَعر الّليل:

“بكتب اسمك يا بلادي عالشّمس الما بتغيب.”

5

وفي أوّلِ الصّيف..

يَصيرُ القمرُ الكبيرُ قنديلَ الصّيّادين في المدنِ المتّكئةِ على زندِ البحر..

هناكَ حيثُ ينام الصّغار الجائعون وهم يحلمون ببحرٍ أزرق يجلب لهم آباؤهم منه سمكةً صغيرة.

وحين لا تَعْثر الشِّباكُ على ضالّتها المنشودة..

ويتفتّقُ الحزنُ ثقوباً كبيرة وثقوباً صغيرة..

على طول وعرض كلّ شبكة قحطاء..

يهوي القمرُ من عليائه حزنا.

يبتلع خيباتِ الصغار وآبائهم الكبار..

ويتركُ في السّماء أشباحَ غيوم..

على شكل سمك.

يصيرُ المطرُ دموعَ قمر..

تَعِدُ بخيرٍ يملأ انتظارَ شِباكِ الصّيّادين..

يسُدُّ رَمَقَ الجائعين من البشر.

6

وفي أوّل الصيف..

يصيرُ القمرُ واحةً للحُبّ عَليلة..

بَوحَ حُبٍّ..

وُعودَ وَفاءٍ..

موسيقى فرح..

صلاةَ عاشقٍ وعاشقةٍ أن يطولَ عمرُ ليلٍ..

يكون فيه القمرُ كبيرا!

(أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. جاء الصيف يا نهلة وأتى بصحبته ذاك (الضيف) المميز الذي طالما انتظرناه كل ليلة( وهل يخفى القمر..!).
    تسارعت نهلةلتفتح باب جنينتها،بكلماتها العذبة،لهذا الزائر المميز.نعم إنه المميز..فهو الساحر الآسر.
    سحر نوره يسافر بنا في رحلة الخيال ونتوقف عند محطات الحلم نعانق الحرية فتفرح قلوبنا الحزينة ويهرب منها الفقر والجوع… ضوء قمرك يا أختي يسحر الصغار والكبار..فهاهم صغارك ينامون في ظله ويسهر تحت نوره وجوه عشاق لا تعرف النوم.
    إنه الضيف الآسر ..فهاهي زهور جنينتك تقع في حبه..تبوح له بسرها..تعانقه فتنبت في جنينتك قصص حب وغرام.
    إنه ملهم العشاق وسميرهم في سهراتهم الطويلة..سهرات ترجمها ليلهم القمري قصائد وغناني غزل.
    فما أحلاك يا نهلة وأنت تسردين حكاياتك الجميلة على (مصطبة القمر)حكايات بنية سورية حرة رومانسيه تعشق “الحب والحق والحياة”.

  2. أنّى جئت بعمق الليل بالشمس ؟
    هل أتيت بشمس حروفك من المجرة المضيئة. من درب التبانة التي أشرت إليها بأصبعك ردا على سؤال أبيك عاشق النور. ؟
    لم تنسي يا عاشقة القمر والبدر والياسمين ..جوع الفقراء في البر . وكدح الصيادين في البحر والسمك الذي يتفلت من ثقوب شباكهم.
    هذا قدر كثير من أبناء ( العجوز والبحر) الذين يتصورون غيوم السماء على شكل سمكة!!
    رائعة يا فنانة الوصف الطبيعي، وعاشقة المساكين .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here