د. نهلة غسّان طربيه: شذور شعريّة ونثريّة

 

د. نهلة غسّان طربيه

 

 

“شذور شعريّة ونثريّة”:

ابتسامتُها وحبّاتُ العرَقِ تتسلَّل من تحتِ غطاء رأسها القطنيّ الملوَّن..
تَفتَحُ كُوَّةً للفرح في القلب..
فيُغلِقُ الحُزنُ بابَه الكبير..
ويصيرُ الخبزُأشهى.
جديلتُها؟
تفكُّ بِطولِها المذهل أزرارقميص الصّبر الضّيّق..

فتصيرُ الدنيا كلُّها ملكَ كفّي الصغيرة.

أمّا قدماها الحافيتان.. فهما قصيدةُ حبٍّ تنقشُ انتماءها لتلك الأرض على حبّاتِ التراب النديّة.

هي الجدّةُ السّوريّة التي تخبزعلى التّنّورغيرآبهةٍ بنارالحرب الملتهبة.

٢.

 

على عتبةِ بابِها تركَتْ أصيص قرنفلٍ أبيض وأحمَر..

وأسْدلَتْ سِتارةَ غُرفةِ النوم على ذكرياتها مع زوجها الشهيد..

وتذكرُ جدّاً كما قالت لي بنبرتِها الواثقة..

أنّها قفلتْ باب بيتها الخشبيّ الأخضرمرّتَين..

وغادرتْ يافا مع النازحين..

في باكورة فجربلا لون.

أرَتْني بأُمِّ عيني المفتاحَ المعتَّق قبل أن تفرش سجّادة الصلاة في غرفتها العابقة بزهرالليمون.

هي الجدّة الفلسطينيّة التي اتخذتُها جدّةً لي في الغربة.

٣.

 

مابين جدّة.. ووطن..

وجدّة.. ووطن..

تحلّقُ آلافُ الطائرات..

وتنتهكُ حرمةَ البحار والمحيطات أساطيلُ حربيّة..

يتوعَّدُ الأمريكيُّ الأشقرأوطانَنا السّمراء بخطفها..

ويحلمُ الغربُ في اليقظة والنوم بحقول النفط الشرقية..

مابينها كلّها أراها من بعيد..

ألوِّح لها بإكليلٍ من الخزامى..

وباقة نرجس بلديّة.

أراها تقطفُ سنابلَ القمح وهي ترمقُ طائرة حربيةً بنظرة ازدراء.. جدّتي السورية.

وأراها تسقي القرنفلَ المشتاقِ لها وهي تغنّي.. جدّتي الفلسطينية.

أقرؤها كلّ مساء للصغار في الأوطان الغربية قبل النوم..

حكايةً..

مابين جدّة.. ووطن..

وجدّةٍ.. ووطن..

فيستفيقون في الصباح وتحت الوسائد قرنفل أبيض وأحمر..

ويسألون أمّهاتهم عن رغيف خبزِِ تنّور ٍمقمَّر.

(أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن).

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. أختي الأديبة المبدعة نهلة غسان طربيه لقد قرأت هذه المقالة المميزة عدة مرات وفي كل مرة وقفت أمام عظمتها عاجزة عن التعبير فكما يقولون (وتعطلت لغة الكلام).فقد أحسنت في تجسيد صورة حقيقية لوطن وشعب يدافع وما زال من أجل الحب والحق والحياة.

  2. أختي الأديبة المبدعة نهلة غسان طربيه لقد قرأت هذه المقالة المميزة عدة مرات وفي كل مرة وقفت أمام عظمتها عاجزة عن التعبير ..فعلا كما يقولون :وتعطلت لغة الكلام..صدقيني يا حبيبتي فعلاً أحسست بعجز عن كتابة أي تعليق ،فماذا نقول وقد أحسنت باللغة والتعبير والتصوير في نقل القراء الكرام إلى حيث الوطنية الصادقة والوطن الكبير والمواطن الحقيقي الذي كتب وما زال يكتب( في صورة جدتك هذه) سطور تاريخ عريق نفتخر به على مدى الأجيال.شكرا لك وننتظر منك مزيداً من صور وطن صامد نعتز بشفافيتها ..صدقيني يا نهلة ستبقى هذه الصور منارةفي عتمة غربتنا.

  3. من شابه أباه فما ظلم …
    رحم الله أستاذنا العظيم غسان فقد كنت من طلابه … أعتزّ به …
    إبداع فكري وأدبي … لا جفّ قلمك

  4. ستبقى الجدة السورية وسوريا الجدة صبية لا تهرم ولا يحفر القرصان الأحمر – الأشقربأتيابه الذرق أخاديد الشيخوخة والهرم والموت .
    سوريا أسطورة الموت والبعث من الرماد إلى الأبد .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here