د. نهلة غسّان طربيه: شذور شعريّة ونثريّة: “حكايات حُبٍّ من العالَم”

د. نهلة غسّان طربيه

1

“كانت الغجريّة تمرّ من أمام البيوت في القرى الاسكتلنديّة. وكانت تبيع في سلة قصبية باقاتٍ من زهور الheather تيمُّناً بالحظ السعيد.. وكانت أيضاً تبيع ملاقط الغسيل الخشبية.” أخبرتْني جارتي العجوز وهي تبتسمُ بنشوة في كرسيّها الهزّاز.

2

كان أشقّائي في طفولتهم يلعبون بالكرات الزجاجية الصغيرة على أرض البيت ورصيف الشارع. كنْتُ وشقيقتي نغريهم بعروسة مربّى المشمش أو عروسة جبنة بلدية مع حَبّ البركة، كي يُعطونا بضعاً مِمّا منها تبدو كالرخام المموَّج بالأخضر والأزرق.

3

كان سَمّانُ الحارة يبيع كلّ شيء. ولكنّ ما كان يثير عجبي في سنّ الخامسة ليس الحاجيات الكثيرة التي يبيعها في دكّانه ولكنْ مساحة الدّكّان الضيّقة.. الضّيّقة. لذلك كنْتُ أوشوشُ أبي سِرّاً: ” أبو عبدو يا بابا بالتأكيد ساحر.”

4

كان (الحجّي) على (طُنْبُرِهِ) يبيع الفواكه و الخضار الطازجة في مدينتي البحرية. يضع على رأسه قبّعةً رماديّة صيفاً وشتاء.. ويروّج للخيار الصغير الطازج ب (أصابيع الببّو يا خيار) وللجبس ب (عالسّكّين يا جبس).

5

كانت الجدّة طوال النهار في الصّيف تحرسُ بذور الجبس التي جفّفتْها في مصفاة بلاستيكية صفراء على شجيرة عُلَّيق صغيرة. وعند المغيب تحمّصها وتضعها في ورقٍ مخروطيّ تصنعه من الجرائد، وتوزّعه على أحفادها قبيل مغادرتهم للمشوار على طول درب الضيعة الطويل الحافل بوعود الأفراح الصغيرة.

6

تتذكّر بحنين، وهي تفتّش عن الشمس في مدينة الضباب، كيف كانتْ شمسُ القرية هناك ما بين البيوت الحجريّة تودِعُ حزمةَ نورِ الصباح في عمقِ غفوةِ عينيها.. كباقةِ دفءٍ تشبه باقةَ سنابل من البيدر البعيد.

7

كانتْ لا تفرح البتّة بزيارةِ تلك المرأة ثقيلة الظّلّ لأسرتها. فقد كانت وحدَها لا تحبّ القهوةَ المرّة، وتقطعُ عليها حديثَ أبيها مع أصدقاء السهرة عن (بيروت الأوغاريتية) وتطلب منها إحضار علبة السّكّر من المطبخ.

8

لا تنسى أبداً كيف كانت شراشف الأسرّة تلعب مع الريح على حبل الغسيل الممتدّ من شجرة الكينا إلى شجرة الجَوز في جنينة بيت الضيعة. مازالت حتى اليوم تشمّ الرائحة ذاتها في شراشف أسرّة عائلتها الصغيرة: رائحة أمّها التي تشبه رائحة النسيم في ثنايا الطّيّون.

9

كانت وهي في الثامنة حينذاك..

تَحمِلُ بيديها الصغيرتين صحنَ غذاء إلى بيت جدّها في الحيّ الآخر من المدينة..

وتأخذ أختُها صحنَ عشاء لجارتهم المريضة..

وكان يدقّ الباب كي يلعب مع إخوتها ابن الجيران الصغير..

وتلحق به أخته بفستانها المخمليّ الأسْوَد المطرّزة ياقتُهُ باللؤلؤ الأبيض.

10

كان مذياعُ والدهم الأحمر يبثّ الأخبار. فجأةً انبعث منه صوتُ موسيقى. صفّقَ شقيقُها الصغير بقوّة إذ عرف اللحن. رَبَتَتْ على كتفه الغضّة وراحتْ تغنّي معه: “خبْطة قدمكم عالأرض هدّارة.. أنتو الأحبّة وأنتم الصّدارة”.

11

كان الرئيس الأمريكي عبر التلفاز يوقّع على ما أسماه ب “صفقة القرن”.

فخرْبشَتْ بأصابعها على البخار المتكثّف على زجاج النافذة: “البيتُ لنا والقدسُ لنا”.. ونظرتْ بكلّ حبّ إلى أصيصِ “سوسن فقّوعة” بِلَون زهورها البنفسجية القاتمة يزيّن نافذتها الجنوبية.

12

كانت أيادي الصغار والكبار المسجونين خلف نوافذ البيوت في كلّ قارّات العالم.. تصفّق.. تصفّق.. تصفّق..

حُبّاً وشُكراناً للأطباء والطواقم الطبية التي تنقذ أرواحهم من الموت بالكورونا: كوڤيد ١٩.

كنتُ أصفّقُ معهم جميعاً.. من خلف كلّ الشبابيك..

وكنتُ أبكي.. أبكي.

لمَ يوحِّدُنا أولو الأمر على المأساة والحزن والخوف؟

لمَ لا يوحّدوننا على الرفاهية والفرح والثقة؟

13

يجمع جدّي الحطبَ طوال الصيف والخريف. يكوّمه كَتَلّةٍ صغيرة في فناء جنينته الوادعة.

يهدر صوتُ جدّي في المدفأة العتيقة.. ويصير جبلَ نار.. عباءةَ دفء.

منذ عشرين سنة مات جدّي.. ومازلْنا نصنع الشاي بالقرفة في عمق مدفأة الحطب.. نُحَلّيه بصوت جدّي.

14

مافتئتْ صديقتي إنعام تذكِّرُني بأغصان الآس تزيّن عنقَ جرّة الفخّار التي كانت تصمدها أمّي في عَرشٍ من خشب على شرفة بيتنا في الضيعة.

في أحايينَ كثيرة أَشرب كأس ماءٍ بعبق الآس. أسرقه خلسةً من كروم الذكريات. أرشقُ منه بضع قطراتٍ على خدّ إنعام كي توشْوشَها الجرّة. وأرشقُ منه على خدّي بضع قطرات فأعانقُ أمّي.

(أكاديميّة سورية مقيمة في لندن)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. شكراً نهلة لكلماتك التي وصلت إلينا كبلسم يشفي العليل.لقد راودتني وأنا أقرأ هذه الشذرة ثمة احاسيس من الماضي الجميل.. إنه إبداعك يا اختي في رسم لوحة حية من الفن الطفولي( Art naïf). اعجبني في لوحتك تلك كل صور اشخاصها التي تنبض بالحياة وتدعو إلى الحب والتفاؤل.
    لعب ولهو وشقاوة،بساطة وسذاجة،قناعةوتعاون وتواصل..كلها اندمجت مع بعضها لتعطي ألوانا زاهية تعكس في قلوبنا مشاعر شتى..مشاعر الحنين الى الوطن وإلى لمة العائلة.. إلى” خبز أمي” وموسيقى صوت أبي فتكبر فينا المحبةوتوحدنا على الفرح من جديد.

  2. إلى الفاضل يوسف صافي،
    هجرنا الوطن ونحن من صلب عموده وملح ارضه، لا خوفًا ولا خشية من احد،
    ولا ضعفًا أو فقرًا،.ولا قلة عزوة أو رزقا، ولكن ظلم المحسوبيات فسادًا أضاع العلم واصحابه،
    وضيع الأصل والأصول، ونحر العدالة على مذبح كاذب (الأنسان أغلى ما نملك وهو كسقط المتاع)……
    وجزعنا وجدانًا على مستقبل ابناءنا…..فذهبنا في غربة سرمدية، والطريق كانت بحر ظلمات بداية،
    ولكن ليس بالتمني وإنما غلابا، علمًا، ورضى الله والوالدين، ونبع إيمان من قرآن حكيم.
    وشكرا للكاتبة الفاضلة التي بكلماتها الجميلة نفخت في جمر ذكرياتنا في الوطن العزيز،
    والوطن العزيز اصبح ذكريات لنا، هناك حيتان تأكل الوطن وتشرد أهله في كل زمان.
    لك الاحترام سيدي وشكرا على ما أهديتني من كلماتك الطيبة، وهكذا الدنيا…..

  3. تاهت بك الذاكرة وجدانا يا ابن السبيل رغم سنون الغربة!!!!!!! وحقا انها منهلا يرتوى من أبجدياته وصدق مشاعرها والحنين للوطن ونغص الغربة ومخرجاتها ؟؟؟؟؟ وعزاؤنا اننا اصبحنا جميعا غرقى الغربة داخل الآوطان على مذبح تغوّل العولمة والحداثة والتنوير بثقل الجمل بما حمل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟والله نسأل بعودة الأوطان الى اهلها ؟؟؟
    ” والي امضيّع ذهب ذهب في سوق الذهب يلقاه والي مفارق محب يمكن سنه ويلقاه بس المضيّع وطن وين الوطن يلقاه “

  4. الكاتبة الألمعية، لقد لفت انتبهي كتابتك الرقيقة الراقية لقراءة مقالات سابقة لك
    في رأي اليوم. لقد احببت الأدب العربي الراقي منذ طفولتي. وكنت في الصف
    الخامس الابتدائي عندما ناقشت معلم مادتي اللغة العربية والدين حول كتب جبران.
    رغم ان تخصصي علمي دقيق وقد تقاعدت من مهنة التدريس الجامعي حديثا.
    وأرجو ان تتحفينا بكتاباتك الأدبية الجميلة دومًا.

  5. كلماتك وذكرياتك، زهور ربيعية، وجمال، ومحبة، وحنان، وحياة، وكل مليح.
    لقد ذكرتيني بتلك سويعات سعادة الطفولة وأيام الأسرة في حوش دارنا القديمة.
    وأتذكر تلك اللحظات والقصص وجلسات الشاي مع النعنع المسائية رغم غربتي في الغرب منذ خمسة عقود.
    شكرا على أدبك الجميل سيدتي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here