د. نصيف الجبوري: بمناسبة مرور 18 عاما على غزو العراق تعميم الظلم الاجتماعي اسقط هياكل الدولة

 

د. نصيف الجبوري

نامل النفس بالفرج القريب وكل مرة نبرر ونقول سنتعلم الدرس وهكذا منذ حوالى ثمانية عشر عاما نسير في العراق من فشل الى فشل وبدل من ايجاد حلول لمشكلة ما نرى ان المشكلة تتوالد وتخلق سلسلة من المشاكل لتصبح جزا من حياة المواطنين مما يضطرهم التعايش معها. لذا يبقى العراقيون يرددون هذا البيت من لامية العجم: اعلل النفس بالامال ارقبها ما اضيق العيش لولا فسحة الامل.

في حقيقة الامر ان ما نراه من سقوط وتدهور على جميع المستويات امر طبيعي وليس صدفة آو خطا تكتيكي او استراتيجي. فعندما نزرع الشوك لن نحصد الا مزيدا من الاشواك. لم تكن امريكا ولم تدعي يوما ما بانها دولة حيادية تدافع عن مظلومي العالم. مع كل ذلك تحالف معها الخونة العراقيين بصورة غير متكافئة كالعبيد مع السادة.

تجارب امريكا في العالم معروفة فهي منذ تاسيسها استندت على الغدر والظلم للضعفاء فسفكت دماء الشعب الامريكي الاصلي الهنود الحمر. ثم توالى مسلسل جرائمها عندما ضربت اليابان بالقنابل النووية. فساندت الانظمة الدكتاتورية في بلدان امريكا اللاتينية واصطفت مع احتلال الكيان الصهيونى العنصري لفلسطين. لم تخفي كذلك حقدها الدفين ضد العرب والمسلمين. لكن الطامة الكبرى والكارثة العظمى كيف استساغ وبرر اذناب الاحتلال جريمتهم بالتعاون مع الغزو والدخول خلف دباباته. ماذا كانوا يتوقعون من غزو بربري تقوده اكبر قوة بالعالم.

نعم لقد وقع الفاس بالراس لكن الفاس (امريكا واذنابها) لا يزال يعيث فسادا في العراق. والرأس (الشعب العراقي) لا يزال ينزف دما وتهجيرا وفقرا وحرمانا وتشتتا. اذ نرى طيلة الثمانية عشر عاما سقوط اخلاقي لا مثيل له يزداد وطاة وينتشر انتشار النار في الهشيم. ليطال طبقات كانت بالامس القريب ملتزمة ووطنية وشريفة. ان انتشار الظلم بهذا الحجم الهائل سيؤدي حتما من حيث المبدا الى ثورة عارمة. من المفترض ان تكون اقوى من الثورة الجزائرية او الفيتنامية او الفرنسية او البلشفية في روسيا.

لقد حرق حكام العراق كل الخطوط الحمراء والصفراء والخضراء. فالطائفية تتغول اكثر مما مضى والميليشيات التكفيرية تقنن هيمنتها الحكومة مما جعلها فوق القانون وتتحكم بالدولة. لقد سبق ان فتكت باهل السنة في معظم محافظات العراق ومورست ضدهم سياسات تطهير طائفي لا نظير له. ثم تحول ظلمها لحصاد وقتل اهل الشيعة غير المتنفذين. فتحولت تلك المليشيات بمرور الايام الى عصابات خطف وسرقة وهتك اعراض وسلب ونهب قذرة لا تستثني سني او شيعي فقير او غني.

ان العرب والمسلمين كانوا يعتبرون الشعب العراقي شعب حضاري عريق كريم. فهو الذي علم الانسانية الكتابة وهو الذي صاغ القوانين قبل اكثر من خمسة الالف سنة. كانت بغداد عاصمة العالم الاسلامي تشتهر بالعلم والفن والادب.

لكن سقوطها في عام 2003 ادهش الجميع ولم يتخيل احد كيف يمكن ان تنحرف طائفة من العراقيين وتخون هويتها ودينها وحضارتها وتصطف مع الظلمة الامريكان.

ثم نشر الامريكان بالتواطؤ مع اذنابهم العراقيين الارهاب والظلم ضد المقاومة العراقية. ثم اشاعت الطغمة الحاكمة فسادها وسرقاتها فتحولت مليشياتها الى قطاع طرق يمارسون اسوء انواء التحايل والغش والخداع لسرقة اموال الشعب وتخريب البنى التحتية. وصدق الشاعر العربي القائل اذا كان رب البيت على الطبلة ناقرا فشيمة اهل البيت كلهم الرقص.

اليوم لا يمكن ان يتوقع احد عودة خونة الوطن الى الصف الوطني. او ان تترك امريكا او ايران او غيرهما الملف العراقي في ظل زيادة الاستقطابات العالمية والصراع الروسي الامريكي الصيني الاوربي. اي ان تلك القوى لن تترك العراق طالما يوجد فيه نفط وشعب مستهلك يعتمد على الغير في كل شيء.

باختصار شديد ما لم تتغير قواعد اللعبة وتقبر العملية السياسية ودستورها ويتحول العراق الى دولة عادلة تعتمد على نفسها في توفير الامن الغذائي وتعيد البناء العمراني والتعليمي والصحي من الصفر. وتبتكر وسائل اقتصادية محلية بعيدة عن هيمنة الدولار فلا امل في اية حلول ترقيعية جربت عشرات المرات منذ 18 عاما.

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. عزيزي الدطتور نصيف
    انك على حق حين تكتب ((ان انتشار الظلم بهذا الحجم الهائل سيؤدي حتما من حيث المبدا الى ثورة عارمة. من المفترض ان تكون اقوى من الثورة الجزائرية او الفيتنامية .. ))
    ولكن الثورة بحاجة الى قيادة ذاة مبدأ وكفوءة قادرة على تنظيم وتوجيه الجماهير الغفيرة المظلومة لمجابهة العدو الصهيو امريكي المحتل وطرده من العراق واسقاط الحكومة العميلة القائمة والغاء الدستور المكوناتي. وهناك اناس من امثالك قادرون على هذه المهمة الشريفة واقترح عليكم الاهتمام بهذا الواجب.
    أن الولايات المتحدة كدولة استعمارية كبرى استغلت قابلياتها العسكرية واموال واراضي الدول العربية في الخليج للسيطرة على بلادنا وتفتيتها الى مكونات متخاصمة. ان شعبنا العراقي الصغير لا يستطيع حماية نفسه دون توحيد جهود كل المخلصين من مختلف هذه المكونات. .
    لقد تم تقسيم الشعب عنصريا ً و مذهبيا ً وتوجيههم ضد جارتنا ايران، المعرضة للحصار الامريكي القاتل، وتشويه سمعتها بل وسمعة المليشيات العراقية واللبنانية والفلسطينية البطلة واتهامها بالارهاب ، كما تعمل امريكا واسرائيل ليل نهار، اقول ان هذا التصرف يزيد من آلام شعبنا المنكوب بالاحتلال. هناك الضرورة الانية للتوقف عن تنفيذ الخطط الامريكية التي تدفعنا للهجوم على جارتينا في سوريا وايران و المنكوبتين مثلنا بالاحتلال والحصار الاقتصادي. بدل اشغالنا بهذا الهجوم هناك الآن الضرورة القصوى لرفض و لنبذ الخلافات القائمة بين ابناء الشعب الواحد و التي تعمقت نتيجة الدستور( المكوناتي). هناك ايضا ً الضرورة القصوى لتوحيد الشعب وتنظيمه بقيادة الكوادر القديرة من كل الاطياف، تلك التي تستطيع مجابهة السلطات وقهرها. وهذا لا يتم دون وجود منظمة وطنية تؤمن بوحدة الشعب العراقي وبمساواة العرب والاكراد والتركمان والكلدو آشوريين والارمن. منظمة تشمل المسلمين والمسيحيين والصابئة واليزيديين. نحن العراقيون نحتاج الى نبذ الخلافات التي ورثناها من الحرب العراقية الايرانية التي خططها هنري كيسنغر ومولها شيوخ الخليج الذين يتسارعون الآن للاعتراف باسرائيل. اننا بحاجة الى فكر جديد وعمل جديد ضد الطائفية وضد الانحياز القومي والديني ومنع تقسيم الشعب الى “الاكثرية” و”الاقلية” واحتكار قمة الحكم بواحدة منها. فالنسيج العراقي المتعدد يرفض بشدة سيطرة كتلة انعزالية عليه بحجة سمو دينها او قوميتها.ان الادعاء بكون العرب او الشيعة هم الاكثرية فلهم حق قيادة الحكومة او الادعاء بأن للاكراد حق الانفصال او حتى الفيدرالية ادعاءات مفرقة في بلد مثل العراق وقد تم الاثبات على ضررها و فشلها. علينا التمسك بقانون (( العراقيون متساوون في كل الحقوق والواجبات ! )) فلنتحد لانقاذ كل الشعب من الجحيم الذي يعيشه.
    فلنوحد كل من يمكن توحيده داخل العراق وفي محيطه المجاور للنضال ضد العدو المحتل
    وشكرا ً جزيلا ً لمقالتك الممتازة.
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here