د. نزار حبه: قيم واخلاق الشعوب تعكس طريقة  تعاملها مع جائحة كورونا

د. نزار حبه

في العالم اليوم نظريتان لمواجهة كورونا على ما يبدو:

النظرية الأولى وهي نظرية الشرق بشكل عام، والتي اتبعتها الصين أولا وتحاول ان تحذو حذوها اليوم دول شرقية أخرى (مع فارق الإمكانات طبعا)، وهي تقوم على مبدأ علاج كل المصابين بشكل متساوي بغض النظر عن أعمارهم ودرجاتهم العلمية او المادية وحتى اللحظة الأخيرة، واستنفار كل القدرات المادية لتوفير أفضل السبل العلاجية (الصين بنت مستشفى ضخما في ١٠ أيام!) ومحاولة خنق الوباء عبر اتباع الحجر الصحي المنزلي وتعطيل البلاد في محاولة للحد من الانتشار. وهذه النظرية لا تقيم وزنا للتكلفة المادية بل تضع سلامة الإنسان نصب عينيها.

النظرية الثانية وهي النظرية الغربية بشكل عام (مع وجود فروقات أيضا بين الدول المختلفة )، وهي تبدو واضحة يوما بعد يوم من خلال الأداء الأوروبي والأميركي وتصريحات المسؤولين الغربيين، وهي نظرية مادية بحتة. أي أن هذا الدول قامت بدراسة جدوى كأي مؤسسة مالية على ما يبدو، وقارنت بين تكلفة الانقاذ وتكلفة الكورونا، وتبين لها أن تكلفة الكورونا أقل، فهمست في سرها: فليعم الوباء إذا. وهناك ما يوحي أيضا في هذه النظرية بان كبار السن ليسوا بأهمية الفئات العمرية الأصغر المنتجة اقتصاديا والمجدية ضرائبيا للدوله ، ويمكن الاستغناء عنهم.

رئيس الوزراء البريطاني يخاطب شعبه: ودعوا أحباءكم. بريطانيا ولغاية اليوم (لمن لا يعرف) لم تدع الناس إلى إيقاف أعمالهم, ومؤخراً فقط دعا الطلاب إلى البقاء في منازلهم، ويجري الحديث عن نظرية “مناعة القطيع”، يعني بالمختصر، فلينتشر الوباء ولينج من مناعته القوي وليسود مبدأ البقاء للأقوى كما طرح داروين في نظرية التطور ، وبذلك سوف تسود اجيال انسانيه أقوى نظريا في المستقبل .

فرنسا متلكئة جدا في الإعلان عن الخطوات، وهذا التلكؤ يبدو لي مقصودا. والخطط الصحية فيها -وفق ما يتردد على مسامعنا من أناس مطلعين- قائمة على الترياج: يعني أن يعم الوباء ولننتخب من يستحق أن يحظى بالعلاج حتى اللحظة الأخيرة. يعني وبالمختصر أيضا: كل فرد سيكلف الدولة كثيرا مع إحتمال ضئيل للنجاة لا داع لمواصلة علاجه (يعني كل من يعانون من مشاكل صحية وكل من هم فوق ال٧٠ سنة قد لا يعطون فرصة كاملة للعلاج).

الولايات المتحدة تتقوقع على نفسها، وهي صاحبة الإقتصاد الأقوى في العالم، وتتصرف بأنانية مطلقة، ويعتزم رئيسها توفير ٥٠ مليار دولار للداخل(خمنوا من أين سيأتي بها!). ويستمر ترمب في استخفافه بالنفس البشرية وتبجحه ويعرض المليارات على شركة أدوية وبحوث المانيه اوشكت ان تكتشف مطعوم فعلي للوباء لإغرائها ان تبيع براءة الاختراع الى امريكا لكي يتباهى هو بعبقرية امريكا ويسيطر على من يشتري منه اللقاح فيتحكم بارواح البشر ويحقق الأرباح كما يشتهي ، وهذا يحدث في نفس الوقت الذي توفد فيه الصين خبراءها إلى إيطاليا والعراق وايران للمساعدة في احتواء هذه الجائحة العالمية. وكذلك فعلت روسيا.

هذا الكلام ليس قصيدة مديح نظمت في  أخلاق جمهورية الصين الشعبية، ولكنه دعوة للجميع -خاصة المثقفين المأخوذين بالحضارة الغربية والبارعين في جلد الذات- إلى النظر في ما يجري مليا:

نعم، الإنسان في الغرب (حيث النعيم ) يتمتع نظريا بحقوق الإنسان والثراء والرفاهية والاحترام والخ من المزيفات المدنية ولكنه لا يعدو كونه في وقت الأزمات الحقيقية مجرد رقم يشطب او يسطر هكذا وبكل بساطة وبدون أدنى حس إنساني او ميزان اخلاقي . تتعاطى هذه الدول مع مواطنيها وتعتزم أن تحدد لهم من يستحق أن يعيش ومن يستحق أن يموت بناء على دراسة جدوى ليس الا.

إن مشكلة العالم الكبرى اليوم ليست في الأوبئة أو الحروب أو الأزمات الاقتصادية فحسب ، بل هي قبل كل ذلك مشكلة أخلاق، مشكلة قيم ، والغرب بلا أخلاق وبلا قيم .

وإنما الأمم الأخلاق  ما بقيت  فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

طبيب وجراح عراقي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مقال جميل وتحليل موضوعي، نعم من الممكن جدا ان يغير فايروس كورونا ترتيب الدول الكبرى، وقد يسقط بعضها عن عروشها. المهم ان الولايات المتحدة والغرب بصورة عامة قد سقطت سقوطا مروعا في هذ الاختبار وظهرت عاجزة عن حماية شعوبها من هذا الوباء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here