د. ناصر عبد الرحمن الفرا: نعم للفن ولخيرة للفنانين في زمن الوباء

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

أن ينبرا شخص في هذه اللحظة ويظهر تضامنه أو أن يدافع عن الفن وعن الفنانين في هذه اللحظة المعقدة من حياة البشرية فذلك سيبدو ضرب من الجنون. أنا على يقين من ذلك وعلى أني من خلال هذه الكلماتً أجذف عكس التيار. كما أني على دراية تامه بأن هناك من سيقول بأنه ليس وقت للتفلسف ولا للخزعبلات الفكرية. بل وقت أن نقف جميعاً صفاً مرصوصاً ضد الجائحة التي أظهرت أنيابها المفترسة لتعلم البشرية درس في ضرورة التواضع، الالتزام وهجر الرزيلة والموبقات بكافة أنواعها، بما فيها الفنية.

شخصياً لا يمكن أن أكون ضد مثل هذا الاعتقاد أو ضد أي أمر ذو عواقب وخيمة، كان ذلك مرض أو فن بعينه. جميعنا على معرفة تامة ومتابع لحظة بلحظة كل ما يحدث من مأسي وإلام، تحديداً في إيطاليا وإسبانيا، اللتان نال فيها المرض كثير من الأحبة والأصدقاء. حسب الاعتقاد التام هنا، ذلك ليس بسبب الفن عامة وأهله العظماء خاصة، وإنما فقط بسبب عدم الالتزام بالإرشادات الصحية وشحة المعدات الطبية. طبعاً أن نضيف سبب ديني فهذا يعود لإرادة وفكر كل شخص. فقط للتذكير، من المؤكد أن هنالك ناس صالحين، ملتزمين بالتعاليم الدينية نالهم الوباء كما نال أخرين بعدين عن العقيدة السمحة. شخصياً أعرف خيرة من الناس نال منهم مرض الكورونا في إسبانيا. استغل هذه الفرصة لأتمني لهم دوام الصحة.

لذا، ليس من الواجب أن يكون هناك أي حكم مسبق وربط بين الدين ومرض لم تحدد بعد كافة معالمه أو ابعاده، وألا يكون الفن وخيرة الفنانين ضحية شطحات فكرية ذو بعد عقائدي. في هذا الوقت تحديداً من الأفضل دعم الفن الراقي الهادف بكافة انواعه وموازره خيرة الفنانين وتشجيهم على الابداع الفني في أي لحظة، لأن المجتمع، مريض أو غير مريض، في حاجة دائمة للتمتع بأجود ما يمكن أن يقدموه امثالهم من أشكال فنية مختلفة تغذي الحس الأًصيل والمعبر.

من الواجب دعم الفن وخيرة الفنانين كانت هناك أوبئة أو لم تكن هناك فيضانات أو زلازل وألا نقع في الخطأ المستند إلى الاعتقاد بوجود علاقة بين الفن وخيرة أهله وبين والكوارث والعقوبات. مثل هذا الخطأ يلاحظ يومياً من خلال قيام فئة من البشر بصب جم غضبهم على الفن والفنانين. تعتقد هذه أن غضبها ليس سوى امتداد للغضب الإلهي الناجم عن تصرف ثلة معينه من المجتمع، ثلة الفنانين. زيادة في القول، من الخطأ أن تعتقد بأننا حين تقوم بمثل هذا التصرف سوف نرضي الله وتزول الغمة وتتلاشي الأوبئة أو المصائب الواقعة أو التي يمكن أن تقع في أي لحظة أو في أي مكان من العالم.

مثل هذا الاعتقاد ليس بجديد على البشرية وتحديداً على المجتمعات المسلمة. منذ خلق الله الأرض ومن عليها وهناك من يعتقد في ذاته أن أي مصيبة تحل هي غضب إلهي ناجم عن تصرفات ثلة من البشر وأن هذا الغضب لا ولن يزول سوى بمحق هذه. أي شخص مؤمن بقضاء الله وقدرة لا يمكن أن يربط الغضب الإلهي بأمر بعينه ويغفل أمور أخرى. بمعني، لا يمكن أن يربط العقاب الإلهي تحديداً بأهل الفن ويتناسه أهل الظلم، الطغيان، الاستبداد، التجبر، التكبر، العصيان، الاستعباد، الجشع، النهب، التسلط، القهر. لو كان مثل هذا العقاب ملزماً لكان بالأحرى أن تفتك الجراثيم من سلبوا وحرقوا ودمروا البلاد والعباد ولكان أفضل أن يدخل البعوض من أنوفهم إلى جماجمهم ليضربوا بعدها رؤوسهم بالنعال مثل ما فعل النمرود في العصور الغابرة. لأسباب مثل المذكورة سابقاً وقع فعلاً السخط الرباني وأرسل الطاعون، والرياح العادية والطير الأبابيل والزلازل والأمطار العاصفة، وليس، والله أعلم، بسبب الفن والفنانين.

أمثال هؤلاء من المجرمين هم من يستحق العقاب وليس الفنانين، الذي من المؤكد أن اغلبهم أصحاب مبادئ سامية، يعشقون مجتمعاتهم ويتمنون لها التحضر والخير، كان ذلك على أيديهم أو على أيدي غيرهم من المبدعين. أن يربط العقاب الإلهي فقط بالفن والفنانين فهذا نوع من أنواع الإجحاف لا يمكن أن يقبله الضمير من الناحية الدينية أو العقلية. كافة المجتمعات، وتحديداً الإسلامية عاشت وتعيش حالياً تحت كاهل الظلم، الطغيان، النهب والتجبر، بشكل موازي للأوبئة بكافة أنواعها، لذا نتضرع إلى الله أن يعاقب أهلها قبل أن نرجو معاقبة خيرة أهل الفن. من يعيش تحت ظلم مثل ظلمهم في حاجة دائمة إلى أنماط مختلفة من الحس الروحي، وأقول ابتداء بالحس الديني، حتى لا يعتقد أي مزايد في الدين بأني اتحدث بدون أي معرفة بأصول الفقه والعقيدة أو أني في هذه اللحظة “أغني أو أمثل” خارج السرب. هم في حاجة لذلك من أجل خلق نوع من التوزان بين الغم الجائح والسعادة المفقودة.

كشعب مغلوب على أمره نحن في حاجة دائمة إلى حس خيالي متنوع راقي، روائي كان أو شعري، رياضي كان أو فني. من المستحيل أن يعيش مجتمع ما فقط على حس بعينه على حساب باقي الاحاسيس. بهذا الشكل نخلق مجتمع بأفراد ذو ذوق واحد، وهذا يحمل في طياته بذور الاستبداد بالرأي والكأبة الجماعية. ومجتمعاتنا والحمد الله مشبعة بمثل ذلك وهي في حاجه ماسة لأن تنشد وتتمعن لتخفف عنها وطئه المعاناة اليومية التي تعيشها نتيجة هيمنه أهل الشر على أهل الخير. وحتى لا يفهم المقصد بشكل معاكس، حين يتم التحدث عن الفن فيقصد هنا الفن باسما معانيه وليس الهابط المنحل.

الفن بكافة أنواعه، من مسرح، غناء، تمثيل أو رياضة، هو إبداع بشري وإلهام روحي لا مثيل له. انعكاساته، إن كانت راقية وهادفة، هي أكثر إيجابية منها سلبية. الآن السؤال الذي يطرح نفسه، وهذا ما يجب أن يصيغه أهل الفن قبلنا، لماذا كل هذا الاعتقاد والربط بين الفن وأهله وبين الأوبئة والعقاب. ولماذا يخطر مثل هذا التفكير في هذه اللحظة أكثر من غيرها. وهل هذا الاعتقاد مرتبط بنوع معين متدني وساقط من الفن أم مرتبط بكافة أنواع الفنون. من المؤكد أن الجزء الأول هو المقصود وأن من يربط حالياً بين العقاب والفن يقصد نوع محدداً ممن هم محسوبون ظلماً وبهتاناً على الفن وأهله، من أمثال شعبولا، هيفاء وهبي، دنيا بطمة، احمد الفيشاوي، محمد رمضان، رامز جلال، وغيرهم ممن هم معروفين للجميع.

طبعاً أمثال هؤلاء هم عب على الفن بمجمله. بل يمكن القول بأن هم الوباء في حد ذاته. في المقابل وفقط لمجرد التأكيد، من المستحيل أن يتم ولم يتم يوماً ربط العقاب والوباء بالفنانين الكبار، أمثال الرعيل الأول، المعروف جميعهم نغماً وذوقاً. أمثال هؤلاء نقشوا في مخليه الوجدان العربي أرقى تجليات الطرب والانتماء، مثلهم مثل الشعراء القدماء وكثير من المحدثين. كما لا يمكن ربط الاحتفالات الفنية السابقة ذات الجودة العالية، التي كان يتوافد لها العامة مع خيرة أهل الأدب والثقافة، بما يقام حالياً من احتفالات التي تقام حالياً والتي هي خلاعة ليس لها علاقة بأصلة الأدب الفني والذوق العربي المتميز.

أخيراً، أن يتم الاستثمار المالي في الفن الراقي، كان ذلك في مصر، الأردن، المغرب، تونس، السعودية، فلسطين أو لبنان فذلك أمر لازم والعكس أمر مضر، خاصة إن كان الاستثمار متعلق بفيروسات فنية ساقطة ليس لها صله بعالم الفن الراقي والهادف إلى توعية المجتمع وتحفيزه للتقدم نحوا الأمام، كما كان يحدث سابقاً وحالياً في حالات متنوعة. الاستثمار في الفن يجب أن يوازي بدرجة ما الاستثمار في البنية التحتية، الصناعية، الصحية، الزراعية، الثقافة، العلمية أو الرياضة، كل حسب أولويته. لا يمكن أن نجهل أو نلغي واحد أو نقدمه على الأخر، وهنا أقصد على الفن وخيرة الفنين تحديداً. الاستثمار في الفن لا يمكن ان يندرج ضمن بند التبذير، بل هو إثراء للحس العاطفي والوجداني المتنوع وللذوق الإنساني المتحضر. إن نهدم الفن وخيرة الفنين قولاً أو فعلاً، فنحن نهدم الجانب الروحي العربي بكافة تجلياته.

* كاتب فلسطيني – إسبانيا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here