د. ناصر الصوير: بحث علمي: كيف تكوَّنَ ونشأ قطاع غزة

د. ناصر الصوير

قلما حدث في التاريخ- وعلى الأقل في التاريخ الحديث- أن تقوم أقلية أجنبية غاشمة من الغرباء بطرد وتشريد الأغلبية الوطنية صاحبة الأرض من ديارها، وتزيل أثارها الطبيعية والثقافية بدعم مادي وسياسي وعسكري من الخارج ، وتدعى أن هذا نصر للحضارة وتحقيق لإرادة إلهية مثلما حدث في فلسطين؛ ولم يحدث أن أقيمت دولة على أرض لا تملك فيها الأقلية إلا 8 % منها، مثلما أقيمت دولة الكيان الصهيوني”إسرائيل” على أشلاء(531 مدينة) وقرية فلسطينية، تم تشريد سكانها الأصليين ليتحولوا بسبب هذه المؤامرة الكبرى من أصحاب حق وأرض إلي لاجئين مشردين في المنافي والشتات، فيما ينعم الغزاة المستوطنون من الصهاينة اليهود الذين قدموا من أصقاع الأرض البعيدة بأرض ليست بأرضهم، وبوطن ليس بوطنهم.

لقد كان تهجير وتشريد الفلسطينيين من أرضهم جزءاً من إستراتيجية الدول الاستعمارية والمنظمات الصهيونية، المختلفة بمسمياتها، المتفقة بأهدافها، فكل ما اتخذته هذه الدول والمنظمات من خطوات جاء نابعاً من رغبتها بالاستيلاء على فلسطين وطرد شعبها، ولقد لعبت هذه القوى معززة بدعم الهيئات الدولية “عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة” دوراً محورياً في وقوع النكبة، من خلال تشجيعها وإذكائها للمشروع الصهيوني في فلسطين، وتواطئها لارتكاب هذه الجريمة، وإضفاء الشرعية على سلب ونهب واغتصاب اليهود للأرض الفلسطينية، وتشريد أصحابها.

والباحث هنا لن يؤرخ للنكبة ولن يسهب في تحديد كيف سلبت فلسطين من أصحابها الشرعيين، ولكنه يجد أنه من الأهمية بمكان، بل ومن الضروري وحتى يصل إلى الإجابة الواضحة على السؤال: كيف ولد قطاع غزة بصورته الحالية ؟! أن يتطرق بصورة موجزة لظروف ولادة القطاع ككيان جديد على الخارطة الفلسطينية.

انحازت بريطانيا طيلة سنوات احتلالها ثم انتدابها لفلسطين(1918-1948م)، لليهود وسعت بصورة مستميتة لتحقيق وعد بلفور على أرض الواقع(*) ،

(*) هو تصريح رسمي من الحكومة البريطانية، جاء على شكل رسالة وجهها وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور      (Arthur James Balfour)بتاريخ2/11/1917م، إلى اللورد روتشيلد بصفته رئيس الاتحاد الصهيوني العالمي، وجاءت الرسالة بالنص التالي: “عزيزي اللورد روتشيلد، إن حكومة جلالتها تنظر بعين العطف والارتياح إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تعمل كل ما في وسعها من أجل تحقيق هذا الهدف، وليكن معلوماً بوضوح أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، أو الحقوق والأوضاع السياسية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى”.

===========

الذي يعتبره اليهود أحد أهم المراحل في مسعاهم للسيطرة على فلسطين، وفي المقابل يصفه الفلسطينيون ” بالوعد المشئوم” ، ويعتبرونه اللبنة الأولى التي أسست لنكبتهم، ويرونه دليلاً على تآمر بريطانيا ضدهم.

وأعلنت بريطانيا عن عزمها الانسحاب من فلسطين، بحجة أنها تريد إنهاء الانتداب وإعطاء الأمم المتحدة حرية القرار بشان مستقبل فلسطين السياسي.

ولم يكن تحديد بريطانيا لبرنامج انسحابها من فلسطين قبل إصدار الأمم المتحدة لقرار التقسيم في 29/11/1947م، قراراً اعتباطياً أو عشوائياً، لكنها قررت أن تنسحب بهذه الصورة لكي تمكن الحركة الصهيونية من تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المتوخاة من هذا الانسحاب المبكر غير الخاضع للتنسيق الدولي.

ومن صور الانحياز البريطاني لليهود، قيام بريطانيا بسحب قواتها من الأحياء والمناطق الخاضعة لليهود بدءاً من 19/2/1947م، بينما غادرت المناطق العربية في15/5/1948م، وذلك لتمكن الحركة الصهيونية من فرض سيطرتها على أكبر مساحة ممكنة من فلسطين، وقامت القوات البريطانية أيضاً بالسماح للمنظمات اليهودية الصهيونية بالتسلح حتى آخر لحظة وسلمتها مئات الآليات والمدافع الثقيلة وعشرات المواقع العسكرية بكامل إمكاناتها وقدراتها القتالية بما في ذلك المطارات والمعسكرات والخطوط الدفاعية، وعلى رأسها خط الاستحكامات البريطاني على الحدود الشرقية الشمالية لفلسطين، وفي المقابل رفضت السماح للعرب بالتسلح ومنعت وصول الأسلحة للمناطق العربية ؛ بل شنت على الأحياء والمناطق العربية آلاف المداهمات والحملات التفتيشية لجمع الأسلحة من أيدي المقاتلين الفلسطينيين، وقد استمر هذا الوضع حتى آخر لحظة من عمر الانتداب البريطاني في فلسطين.

يعتقد الباحث أن السياسة البريطانية في فلسطين المنحازة بصورة صارخة لليهود تعتبر من أهم الأسباب التي أدت إلى وقوع النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني واكتوى بنارها ولازال حتى وقتنا الحاضر، فلو أرادت بريطانيا أن تكون طرفاً نزيهاً بين الفرقاء، وأرادت خدمة المنظمة الدولية أو تحقيق أهداف الانتداب المعلنة فعلاً لما أعلنت الانسحاب بهذا الشكل المفاجئ، ولانتظرت صدور قرار إعفائها من الانتداب من الجهة التي منحتها هذا الحق، ولشاركت في خطة دولية تقررها المنظمة الأممية لتطبيق هذا الانسحاب، ولكنها بقيت منذ احتلالها لفلسطين عام 1918م، وحتى اللحظات الأخيرة للانتداب منحازة لليهود على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

رفعت قضية فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للبت فيها، التي أصدرت بدورها القرار(رقم181) في 29/11/1947م، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية على ما نسبته44%، ويهودية على ما نسبته55 %، ومنطقة دولية على الواحد بالمائة المتبقية من أرض فلسطين.

ردود الأفعال حيال قرار التقسيم

جاءت ردود الأفعال حيال قرار التقسيم من الدول والجهات المعنية متباينة ومتفاوتة، فقد قوبل من الشعب الفلسطيني بالغضب الشديد والرفض القاطع، وتحول هذا الغضب والرفض إلى خطوات عملية بدأت في 29/11/1947م، لتتواصل في عام 1948م، وشملت الإضرابات والمظاهرات، والإعلان عن الجهاد طريقاً لتحرير فلسطين،

وأسس الفلسطينيون فرق الفدائيين وفرق التدمير وجماعات الإسعاف، واللجان القومية وحاميات الأمن العام وفرق القناصة والمغاوير، ونفذوا الأعمال الفدائية والثورية وسقط منهم الشهداء والجرحى.

أما رد الفعل العربي الرسمي ممثلاً بالدول والحكومات العربية، فقد جاء رافضاً لقرار التقسيم، ونددت جامعة الدول العربية بالقرار، وأكدت أن حكومات دول الجامعة العربية تقف صفاً واحداً لإحباط هذا المشروع الظالم، والحيلولة دون قيام دولة يهودية في فلسطين، وقررت اللجنة السياسية للجامعة في اجتماعاتها التي انعقدت في الفترة ما بين 8-17/12/1948م، تقديم الأسلحة لأهل فلسطين حالاً، لجعلهم في وضع مماثل لليهود من حيث التسليح والتدريب، حتى يتمكنوا من تحصين مدنهم وقراهم، وكذلك اعتماد الأموال اللازمة للإنفاق على حركة المتطوعين وعلى وسائل الدفاع، ومنح كافة التسهيلات لإرسال المتطوعين إلى معسكر قطناً في سوريا للتدريب والتوجه للقتال في فلسطين، كما قررت اللجنة تقسيم القوات المدافعة عن فلسطين إلى قسمين هما، جيش الإنقاذ الذي كلف بإنشائه الفريق طه الهاشمي واللواء إسماعيل صفوت والقائد فوزي القاوقجي، وتكون من الضباط والجنود المتطوعين من البلاد العربية الذين التحقوا بمعسكر قطنا في سورية تحت إشراف اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية ، وقد ضم الجيش حوالي(3830متطوع) مسجلاً في وثائق الجامعة العربية، وقد زيدت قواته فيما بعد لتصل إلى(7700متطوع) من مختلف البلدان العربية ؛ أما القسم الثاني فهو جيش المجاهدين الفلسطينيين الذي عمل داخل فلسطين بإشراف الهيئة العربية العليا وهي هيئة سياسية فلسطينية حلت محل “اللجنة العربية العليا” نشأت بقرار من جامعة الدول العربية  في27/5/1946م، حيث قرر الجامعة بوجوب تشكيل هيئة تمثِّل الفلسطينيين وتنطق باسمهم، ووكلوا تنفيذ هذا القرار إلى مجلس الجامعة الذي قام بالاتصال بممثلي الأحزاب والمنظمات الفلسطينية بهذا الشأن، واتُّفق على تكوين “الهيئة العربية العليا لفلسطين”  في11/6/1946م، برئاسة مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني، الذي تولى قيادتها من مكتب رئيسي في القاهرة ؛ بسبب منعه من دخول فلسطين بقرار من الحكومة البريطانية، وأنشئ مكتب للهيئة في القدس، ومكاتب أخرى في دمشق وبيروت وبغداد ولندن وباريس ونيويورك، وحظيت باعتراف جميع الأحزاب والهيئات الفلسطينية والدول العربية برئاسة الحاج أمين الحسيني(**) ،

(**) ولد محمد أمين الحسيني الذي يعتبر أحد أبرز قادة الشعب الفلسطيني في القرن العشرين، عام 1895م، في القدس من أعرق العائلات الفلسطينية، التحق بالأزهر، وأثناء دراسته الأزهرية أدى فريضة الحج فأطلق عليه لقب “الحاج” وهو لا يزال شابًّا يافعاً، ولازمه اللقب حتى وفاته، التحق بالكلية العسكرية التركية وتخرج فيها برتبة ضابط صف، والتحق بالجيش العثماني الذي ما لبث أن فارقه وأخذ يخدم الثورة العربية سرًّا في لوائي القدس والخليل .ساهمت نشأته وعلمه متنوع المصادر في إتقانه لعبة  المقاومة بوجهيها السياسي والعسكري، وبمجرد احتلال البريطانيين القدس، نادي علناً بوجوب محاربة هذا الحكم وذيوله الصهيونية فاستجاب له نفر من أصحابه وشكلوا برئاسته أول منظمة سياسية في تاريخ فلسطين وهي “النادي العربي” في القدس، وكان لهذا النادي أثر كبير في انطلاق مظاهرات القدس الكبيرة عامي 1918 و 1919 وعَقْد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول؛ اعتقل أثناء الاحتفالات في موسم النبي موسى عام 1920، واستطاع الهرب عبر البحر الميت إلى الكرك ثم دمشق وحُكم عليه غيابيًّا بالسجن لمدة 15 عاماً، ثم عفي عنه من قبل المندوب السامي عندما حلت الإدارة المدنية محل العسكرية صيف عام 1920 إثر ضغط شعبي كبير. فكانت العودة الأولى للقدس.في 1921 تُوفي المفتي كامل الحسيني، وتم انتخاب الحاج محمد أمين الحسيني لهذا المنصب ليصبح مفتي القدس، وعمل بقوة وإخلاص من خلال منصبه وأنشأ المجلس الإسلامي الأعلى ليكون الهيئة الإسلامية التي تشرف على شؤون المسلمين ومصالحهم بطريقة مستقلة، ومع مرور الأيام أصبح هذا المجلس أقوى قوة عربية وطنية في البلاد، ومن خلاله كان يدعو إلى اعتبار قضية فلسطين قضية العرب كلهم والمسلمين، وكُللت هذه الجهود في عام 1931 بالمؤتمر الإسلامي الأول الذي عُقد في المسجد الأقصى على مستوى عالمي للدفاع عن القدس، كما أصدر فتوى تعتبر باعة الأراضي الفلسطينية لليهود والسماسرة فيها خارجين عن الدين؛ وبالتالي لا يجوز دفنهم في مدافن المسلمين، ولم يكتفِ بذلك، بل عمد إلى شراء الأراضي المهددة بالتسرب لليهود من أموال الوقف الإسلامي وجعلها تابعة للوقف الإٍسلامي. وعلى جبهة المجتمع كان الرجل يعزز العلاقات داخله وكون “جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “لإصلاح ذات البين وفض النزاعات وحض الجماهير على مقاومة بيع الأراضي لليهود، ومن ناحية أخرى كان يشعر بأن عرب فلسطين ليسوا مستعدين بعد لخوض الكفاح المسلح، فأخذ في الظاهر يؤيد الجهود السياسية لحل القضية ويعمل سرًّا مع قلة من الشباب المقربين جدًّا  لخلق منظمة سرية مدربة عسكريًّا كانت نواة جيش الجهاد المقدس الذي قاده عبد القادر الحسيني فيما بعد . بعد ثورة القسام واستشهاده عام 1935 تقرر تأسيس اللجنة العربية العليا برئاسته التي تضم الأحزاب السياسية الفلسطينية، وهكذا دخل المعترك السياسي إلى جانب المجلس الإسلامي الأعلى، ودعم من خلال المنصب ثورة 36-39م وساعد في توفير الأسلحة اللازمة، ودعم حركة التطوع العربية ؛ فدخل إلى فلسطين المجاهدون من كافة الأقطار. وفي مطلع تموز( يوليو) عام 1937م قاوم بشدة قرار التقسيم من خلال اللجنة العليا، وعلى إثر ذلك داهمت قوات الاحتلال البريطاني حي الشيخ جراح في القدس للقبض عليه، ولكنه التجأ للأقصى المبارك الذي خاف الإنجليز من اقتحامه خوفًا من ردود الفعل العنيفة فتابع إدارة العمل من داخله، بعد اغتيال حاكم اللواء الشمالي (إندروز) حل المندوب السامي اللجنة العربية، وأقال المفتي واعتبره المسئول عن الإرهاب، وضيق الخناق عليه مما اضطره لمغادرة الأقصى والتسلل إلى يافا ثم لبنان في مركب شراعي فقبضت عليه القوات الفرنسية، ولم تسلمه للقوات البريطانية، وظل في منفاه يتابع عمله وشؤون فلسطين وزاد من سخط البريطانيين عليه رفضه للكتاب الأبيض وإصراره على المطالب الفلسطينية العربية.  بعد التقارب الفرنسي البريطاني هرب سرًّا للعراق، ولحق به عدد من المجاهدين والقادة حتى أصبحت بغداد مركز ثقل القيادة، ثم اضطر لمغادرة العراق إلى طهران فتركيا فبلغاريا فألمانيا بعد أن أصبح مطلوباً حيًّا أو ميتاً. مكث في أوروبا حوالي أربعة أعوام، وطالبت بعض الدول الغربية بمحاكمته كمجرم حرب إلى أن استطاع الهرب والعودة لمصر ليقود الهيئة العربية العليا مرة أخرى، ويعيد تنظيم جيش الجهاد المقدس بعد أن قررت الهيئة العربية وجوب العمل على إعداد الشعب لخوض غمار الكفاح المسلح، وتولى قيادة التجهيز والتنسيق والإمداد بين المجاهدين، وأنشأ منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الفتوة الكشافة والنجادة والجوالة ليتم تدريبهم على السلاح. بعد وقوع كارثة 1948م ظل يعمل للدفاع عن القضية، وزادت ضغوط المؤامرات العربية عليه حتى حددت إقامته في منزله بالقاهرة وشُدّدت حوله المراقبة، ولما خفّت عنه القيود قليلاً أخذ يقاوم إسكان اللاجئين وأصر على عدم اعتراف العرب بالدولة الصهيونية، ثم تعاون مع قادة الثورة المصرية عام 1952م لنقل الأسلحة سرًّا إلى سيناء لإمداد العمل الفدائي داخل فلسطين، وفي مطلع العام 1959م انتقل إلى سوريا ثم إلى لبنان واستأنف فيها جهوده في سبيل هذه القضية وظل فيها حتى وافته المنية عام 1974م فدفن في مقبرة الشهداء بلبنان.

===========

وقد سمي فيما بعد “جيش الجهاد المقدس” بقيادة عبد القادر الحسيني.(***)

(***) ولد الشهيد/ عبد القادر الحسيني في مدينة القدس عام 1907 ، توفيت والدته بعد عامٍ ونصف من ولادته. والده شيخ المجاهدين في فلسطين موسى باشا كاظم الحسيني، كان الأب موسى أول من رفع صوته في وجه الانتداب البريطاني، وأول من دعا أهل فلسطين إلى الاحتجاج والتظاهر وإعلان السخط والغضب ضد وعد بلفور، فتولى قيادة أول مظاهرة شعبية في تاريخ فلسطين عام 1920م، وبسبب ذلك عزلته سلطات الانتداب البريطاني عن رئاسة بلدية القدس، فلم يكترث واستمر في نضاله الدؤوب، واشترك في الكثير من المظاهرات، كانت آخرها المظاهرة الكبيرة في يافا في 27/10/1933، حيث أصيب فيها بضربات هراوات قاسية من قبل الجنود الإنجليز ظل بعدها طريح الفراش أياماً، حتى فارق الحياة سنة 1934م. تربى الابن عبد القادر منذ نعومة أظفاره في بيت علم وجهاد، حيث كان هذا البيت بمثابة الحضن الأول له والذي كان يجتمع فيه رجالات العرب الذين يفدون إلى القدس، لأن والده موسى الحسيني كان رئيساً لبلديتها. خاض الشهيد عبد القادر مسيرة جهادية طويلة داخل فلسطين وخارجها ضد الاستعمار البريطاني لفلسطين وللدول العربية كان أخرها أن تولى قيادة جيش الجهاد المقدس. قام الحسيني باقتحام قرية القسطل مع عدد من المجاهدين ما لبث أن وقع ومجاهديه في طوق الصهاينة وخاض معركة بطولية غير متكافئة في العدد والعتاد مع العصابات الصهيونية . واستشهد عبد القادر صبيحة الثامن من إبريل عام 1948 م، ودفن بجانب ضريح والده في باب الحديد، وقد استشهد رحمه الله وهو في الأربعين من عمره، أي في أوج عطائه الجهادي.

===========

 وقرر المجتمعون أيضاً أن ترابط الجيوش النظامية للدول العربية على حدود فلسطين- دون دخولها- لتقوية الفلسطينيين ولمساعدتهم عند الضرورة بالعتاد والضباط وبعض الوحدات الفنية.

أما رد الفعل العربي الشعبي فقد جاء غاضباً،حيث طغت موجه من الاستنكار والسخط الشديدين على الشعوب العربية، وأخذت شكل الإضراب الشامل والمسيرات الصاخبة والمظاهرات الحاشدة في معظم العواصم العربية خصوصاً في القاهرة ودمشق وعمان وبيروت وبغداد، شاجبةً تقاعس الحكومات العربية عن تنظيم الشعب الفلسطيني وتعبئة قواه وتسليحه وإعداده للمعركة الوشيكة.

أما رد فعل اليهودي فقد جاء مغايراً وعلى النقيض، حيث عمتهم الفرحة العارمة، ليس في فلسطين فحسب، بل في جميع أمكن تواجدهم العالم، حيث اعتبر اليهود قرار التقسيم النواة التي ستبنى عليها دولتهم، مع اعتراضهم على كون الدولة اليهودية لا تشمل فلسطين كلها.

أما فيما يتعلق برد الفعل البريطاني من قرار التقسيم فقد كان ساد مركز صنع القرار البريطاني شعور كبير بالارتياح، لأن صدور قرار التقسيم أكد إيفاء بريطانيا بما قطعته لليهود على نفسها ونفذت وعد بلفور.

مما سبق يعتقد الباحث أن قرار التقسيم يعتبر من أخطر القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة خلال تعاملها مع القضية الفلسطينية، ويعد الأساس الذي قامت عليه دولة الكيان الصهيوني “إسرائيل” وهو القرار الأكثر خطورة بين كافة القرارات الدولية من الناحية السياسية، لأنه فتح الباب نحو اكتساب اليهود لشكل من أشكال السيادة القانونية والحقوق التاريخية المزعومة لهم في فلسطين بما يتناقض مع كافة حقائق التاريخ من جهة، وبما يعزز السيادة السياسية للاحتلال التي حققها بوسائل القوة والإكراه بعيداً عن كل مصادر الشرعية من جهة أخرى، ويعتقد الباحث أن قرار التقسيم باطل وغير قانوني لعدة أسباب، أولها أنه وفقاً لنصوص ميثاق الأمم المتحدة فإن مهمة أي انتداب تتمحور في تهيئة الشعب المنتدب لتقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، وإذا عجز عن ذلك، يتم تشكيل نظام وصاية دولية لحين بلوغ الشعب المنتدب القدرة على إدارة نفسه، إلا أن الأمم المتحدة لم تفعل هذا ولا ذاك مع الانتداب البريطاني؛ وثانيها أن الجمعية العامة لا تملك إجراء أي تعديل أو تغيير في صك الانتداب حتى وإن رأت أن خير حل للقضية الفلسطينية هو التقسيم، فلا يعتبر ذلك قراراً ملزماً لأحد وإنما يكون ذلك اقتراحاً منها فقط؛ وثالثها أنه ووفقاً للنصوص لا يحق للأمم المتحدة أن تنشئ دولة جديدة، أو أن تلغي دولة قائمة، لذلك فصدور قرار التقسيم  وإنشاء دولتين غير قانوني، أما السبب الرابع فيتمثل في أن الولايات المتحدة تراجعت في شهر مارس 1948م، عن فكرة التقسيم، وأعلن مندوبها سحب حكومته لتأييدها مشروع التقسيم لأنه “لا يمكن تنفيذه إلا بالقوة”، واقترح وضع فلسطين تحت الوصاية الدولية وإعادة القضية إلى الأمم المتحدة للنظر فيها،وبناءً على ذلك تقدمت الولايات المتحدة رسمياً بهذا المشروع إلى مجلس الأمن،الذي وافق بدوره على المشروع الأمريكي بالإجماع،وأصدرت الجمعية العامة في الرابع عشر من شهر مايو1948م قرارها بإعفاء فلسطين من أية مسؤوليات نصت عليها المادة الثانية من قرار التقسيم،أي أنه حتى لو كان من حق الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تقرر تقسيم فلسطين لإنشاء دولة جديدة لشتات الصهاينة على أنقاض دولة قائمة، فقد تراجعت هي ذاتها بعد ذلك عن قرارها مما جعله لاغياً؛ وبهذا يعتبر هذا القرار الجائر غير قانوني وباطل، وذلك لعدم صلاحية الجمعية العامة للأمم المتحدة إصداره، ولتجاوزه حدود نظام الوصاية الدولية، ولعدم قانونية الإجراءات التي تم بموجبها اعتماده وتنفيذه..

أوضاع القوى المتصارعة قبيل حرب 1948م ووقوع النكبة

 تمثل حرب عام 1948م، واحدة من أكبر مآسي التاريخ الفلسطيني والعربي والإسلامي الحديث والمعاصر، إذ إن هذه الحرب أدت إلى ضياع77 % من أرض فلسطين وإنشاء كيان لليهود عليها “إسرائيل”، وتشريد نحو ثلثي شعب فلسطين في المنافي والشتات.

لقد كانت هذه الحرب نتيجة مباشرة لإعلان بريطانيا عن عزمها الانسحاب من فلسطين وإيكال الأمر إلى الأمم المتحدة التي أصدرت تحت ضغط القوتين العظميين آنذاك (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي) وتآمر القوى الاستعمارية قرار التقسيم.

ويرى الباحث أن التوصل إلى التعليل الصحيح والاستنتاج المنطقي لأسباب هزيمة جيوش سبع دول عربية شاركت في هذه الحرب ووقوع النكبة وولادة قطاع غزة كنتيجة مباشرة لهذه الحرب بحاجة إلى إلقاء الضوء على أوضاع القوى المتصارعة والمشاركة في هذه الحرب التي كانت على النحو التالي:

الوضع الفلسطيني: كما هو معلوم خرج شعب فلسطين منهكاً من ثورته الكبرى ضد الانتداب البريطاني (1936 – 1939م. وعانى من الحكم العسكري الصارم طيلة الحرب العالمية الثانية (1939– 1945م)؛ كما إنه افتقد للقيادة السياسية والعسكرية المحلية الميدانية المتماسكة ذات القدرة الفاعلة على الحشد والتعبئة والتنظيم ؛ كذلك فإن قرار الدول العربية بتولي أمر تحرير فلسطين بنفسها وإلزام الفلسطينيين بقرارات جامعة الدول العربية أدى إلى خروج القرار السياسي والعسكري عملياً من أيدي الفلسطينيين؛ بالإضافة لذلك عانى الفلسطينيون من ضعف كبير في التسليح؛ فقد حرمت حكومة الانتداب البريطاني السكان العرب الفلسطينيين من حمل السلاح واستعماله واقتنائه، وسنت قوانين صارمة ضد من يحمل السلاح ويمتلكه كان أخفها مصادرة هذا السلاح وسجن حامله، بالإضافة إلى ضعف شديد في الإمكانات الاقتصادية التي كان يمكن أن تسهم في شراء الأسلحة وتجهيز المقاتلين، فضلاً عن ذلك حظر الدول الكبرى وصول الأسلحة إليهم، ناهيك عن ضعف الدعم العربي الذي كان هزيلاً جداً ولا يتناسب بالمطلق مع حجم وطبيعة التحدي الماثل، وحتى الدعم الضئيل والقليل الذي وصل للفلسطينيين من هذه الدول كان في غالبيته سلاح غير صالح للاستخدام. ومما زاد الأمر مأساوية الوضع الفلسطيني قيام بعض الجيوش العربية بنزع أسلحة الفلسطينيين، بدلاً من دعمهم وتسليحهم بحجة المحافظة على الأمن والنظام.

أما وضع جيش الجهاد المقدس الذي كان أساساً جيشاً فلسطينياً شكلته الهيئة العربية العليا فقد تكون من سبعة آلاف مقاتل تسانده فئة أخرى تقدر بثلاثة آلاف مقاتل من المقيمين في الريف والقرى الذين كانوا يستدعون عند الحاجة، كان ضعيف التسليح والتدريب، أسهمت خلافات الأنظمة العربية مع ” الهيئة العربية العليا ” في عدم تحويل الكثير من الأسلحة والأموال التي تم التبرع بها لهذا الجيش الذي كان بأمس الحاجة إليها.

وقد توزع هذا الجيش في كثير من مدن وقرى فلسطين، وقام بالكثير من العمليات الناجحة، لكن إمكاناته المحدودة كبّلته وحرمته من الدور الذي كان يمكن أن يقوم به، كما كان لتداخل قيادة المناطق بينه وبين جيش الإنقاذ، ووجود أكثر من قائد يعملون بشكل مستقل في منطقة واحدة عواقب وخيمة.

الوضع العربي: كما هو معلوم فإن البلاد العربية كانت في ذلك الوقت إما مستقلة حديثاً ولم يشتد عودها بعد، أو لا تزال ترزح تحت نير النفوذ الاستعماري(**)،

(**) تم استقلال الدول العربية عن المستعمر الأجنبي على النحو التالي: مصر عن بريطانيا في28 /2/ 1922م، العراق عن بريطانيا في3/10/ 1932م، لبنان عن فرنسا في22/11/1943م، سوريا عن فرنسا في 17/4/ 1946م، المملكة العربية السعودية في 8 /1/ 1926م، واعترف بها في20/5/ 1927م، الأردن عن بريطانيا في25 /5/ 1946م، ليبيا عن إيطاليا في10/2/1947م، وعن مجلس الوصاية البريطاني الفرنسي في 24/12/1951م، عُمان عن بريطانيا في1951م، السودان عن بريطانيا في1/1/1956م، المغرب عن فرنسا في2 /3/ 1956م، وعن أسبانيا في7 /4/1956م، تونس عن فرنسا في20/3/1956م، موريتانيا عن فرنسا في28/11/1960م، الصومال عن بريطانيا وإيطاليا في1/7/1960م، الكويت عن بريطانيا في 19/6/1961م، الجزائر عن فرنسا في5/7/ 1962م، اليمن عن بريطانيا في30 /11/1967م، البحرين عن بريطانيا في15/8/ 1971م، قطر عن بريطانيا في3 /9/1971م، الإمارات العربية المتحدة عن بريطانيا في2/12/1971م، جزر القمر عن فرنسا في6/7/1975م، جيبوتي عن فرنسا في27/6/1977م.

========

بحيث لم تكن تملك حرية القرار السياسي المستقل، ولم يكن لديها الإرادة السياسية أو العسكرية لمواجهة هذا التحدي الكبير، ولقد أثبتت أحداث ووقائع النكبة أن تخاذل الحكام والحكومات العربية وتقاعسها عن نصرة شعب فلسطين كان سبباً رئيسياً في ضياع فلسطين.

\أما بخصوص جيش الإنقاذ الذي كونته الجامعة العربية بعد صدور قرار التقسيم، بواسطة لجنة عسكرية شكلتها لجمع المتطوعين من الأقطار العربية وتدريبهم وتسليحهم ضمن تشكيلات شبه عسكرية أطلق عليها “جيش الإنقاذ”، فقد انخرط في صفوفه فئات مختلفة من الضباط والجنود السابقين والطلاب والموظفين والعمال والفلاحين الذين دفعهم إلى ذلك حماس قومي جارف، وقد تدرب هذا الخليط من المتطوعين في معسكرات بالقرب من دمشق تدريباً بسيطاً غير كافٍ لإشراكهم في أي قتال حربي، وكان معظم سلاح هذا الجيش من الأسلحة الخفيفة القديمة غير الصالحة للاستخدام، وبسبب هذا الخليط من القوات غير النظامية سادت الفوضى وسوء التنظيم وحدات هذا الجيش. وبلغ تعداد جيش الإنقاذ في أحسن الحالات ثلاثة آلاف جندي غير مدربين تدريباً كافيا،ً وغير مسلحين تسليحاً حسناً، تنقصهم الذخيرة والعتاد والآليات والأسلحة الثقيلة ، وقد دخل أول فوج من جيش الإنقاذ إلى أرض فلسطين في يناير1948م، وانيطت به مواجهة المنظمات والميليشيات الصهيونية التي يزيد تعدادها مجتمعة عن مائة ألف مقاتل، مسلحين تسليحاً جيداً ومدربين تدريباً متقدماً، وذلك طوال المدة الممتدة مابين صدور قرار التقسيم في29/11/1947م، وحتى موعد انتهاء الانتداب البريطاني رسمياً في15/5/1948م، وقد انفرط عقد هذا الجيش بانسحابه من فلسطين بتاريخ 25/5/1948م، بعد أن اخفق في معظم المعارك التي خاضها، ولم يحل دون سقوط طبريا وحيفا وعكا ويافا بأيدي اليهود. تجدر الإشارة أن هذا الجيش كان مثار جدل بين اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية وبين الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا الذي كان يرى أن يتولى الفلسطينيون قيادة القتال في بلادهم، وأن يقتصر دور الدول العربية على تقديم العون المادي والعسكري،وقد قوبل هذه التوجه برفض شديد من بعض الدول العربية.

أما بخصوص مشاركة المتطوعين العرب، فقد كان جلهم من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بالإضافة إلى عدد قليل من المتطوعين من بعض الدول العربية. ففي تلك الفترة كان الإخوان في مصر في أوج قوتهم، وكان لهم الدور الأكثر قوة من بين إخوان الدول العربية المشاركين في حرب فلسطين؛ فقبل إعلان الحرب قام الإخوان في مصر بتهيئة الشعب المصري لفكرة الجهاد، وانطلقوا في أرجاء القطر المصري داعين للجهاد في سبيل الله لإنقاذ الأرض المباركة؛ كما قاموا بالعديد من المظاهرات القوية التي أسهمت في زيادة وعي الجماهير بقضية فلسطين، وقاموا بحملة لجمع التبرعات لفلسطين؛ كما أخذوا يجوبون صحراء مصر الغربية لتوفير السلاح من بقايا الحرب العالمية الثانية للقتال في فلسطين؛ وفي التاسع من اكتوبر1947م، أعلن المرشد العام ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا في برقية إلى مجلس الجامعة العربية عن استعداد الإخوان إرسال عشرة آلاف مجاهد إلى فلسطين كدفعة أولى، وتقدم إلى حكومة النقراشي بمصر طالباً السماح لفوج من هؤلاء المجاهدين باجتياز الحدود ولكنها رفضت الطلب. وبدأ الإخوان المسلمون المصريون بالتوجه فعلاً  في فلسطين منذ أكتوبر1947م، وقد سافرت أول كتيبة من الإخوان بإمارة محمد فرغلي وقيادة محمود لبيب. ولكن رغبة الإخوان التوجه الى فلسطين تعرضت للتضييق الشديد من قبل الحكومة المصرية، مما اضطر الإخوان للتحايل فاستأذنوا للقيام برحلة علمية إلى سيناء، فأذنت لهم الحكومة بعد إلحاح شديد، ومن هناك انطلقوا إلى فلسطين، وبدأوا بتنفيذ العمليات العسكرية ضد الأهداف الصهيونية في صحراء النقب. بدأت حرب العصابات التي شنها الإخوان ضد الأهداف الصهيونية تُبشر بنجاح كبير، وانضم للإخوان الكثير من المقاتلين من عرب فلسطين، حتى أصبحوا فيما بعد أضعاف عدد الإخوان أنفسهم؛ إلا أن الحكومة المصرية طلبت من المرشد العام للإخوان سحب قواته من النقب فرفض فقطعت عنهم الحكومة الإمدادات والتموين، وراقبت الحدود، إلاّ أنهم وجدوا من عرب فلسطين كل مساعدة وعون. ولما اشتد الضغط على الحكومة المصرية سمحت للمتطوعين بالمشاركة في الجهاد تحت راية الجامعة العربية، حيث تدربوا في معسكر(هايكستب)، حيث تألفت ثلاث كتائب من المتطوعين يقدر عددها بـ (600 مقاتل)، نصفهم تقريباً من الإخوان المسلمين، وقد طبعوا هذه الكتائب بطابعهم الخاص، وكان أبرز قادة هذه الكتائب الضابط أحمد عبد العزيز.(**)

(**)البكباشي “المقدم” أحمد محمد عبد العزيز, ولد في29 يوليو1907م،عرف عنه الحس الوطني والرجولة المبكرة،حينما صدر قرار تقسيم فلسطين عام1947م, كان أول ضابط مصري يطلب بنفسه إحالته للاستيداع ليتخلى عن رتبته وامتيازاته ليشكل كتائب المجاهدين المتطوعين الفدائيين لإنقاذ فلسطين من أيدي اليهود، ويتولى تدريبهم وإعدادهم وتسليحهم، وقد حققت قوات الفدائيين بقيادته انتصارات عديدة على اليهود، فقطعت الكثير من خطوط اتصالاتهم وإمداداتهم وساهمت في الحفاظ على مساحات واسعة من أرض فلسطين، ودخلت مدينة القدس ورفعت العلم الفلسطيني والعلم المصري جنباً إلى جنب، وأعاد بعد ذلك رسم الخرائط العسكرية للمواقع في ضوء الوجود اليهودي مما سهل من مهمة القوات النظامية العربية التي خاضت فيما بعد في حرب1948م، قتل أحمد عبد العزيز عن طريق الخطأ عندما كان في طريقه بصحبة اليوزباشي صلاح سالم (أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر فيما بعد) إلى مقر القيادة المصرية في المجدل ليلة 22/8/ 1948م، وعندما وصل بالقرب من مواقع الجيش المصري في الفالوجا، أطلق أحد الحراس (واسمه العريف بكر الصعيدي) النار على سيارة الجيب التي كان يستقلها،بعد اشتباهه في أمرها، فأصابت الرصاصة صدر القائد البطل الذي ما لبث بعدها أن لفظ أنفاسه الأخيرة وأسلم الروح شهيداً، وقد خلدت  مدينة غزة ذكراه بأن أطلقت اسمه على أحد أهم شوارعها، بالإضافة إلى العديد من المدارس والمؤسسات العامة .

=====================

لم يتمكن معسكر هايكستب من استيعاب الأعداد الكبيرة من المتطوعين، إذ إنهم كانوا عشرات الأضعاف بالنسبة للمشاركين، فأرسل الإخوان مائة من أفرادهم ليتدربوا في معسكر(قطنا) في سوريا، وهم كل ما استطاع الإخوان أن يقنعوا الحكومة المصرية بقبوله. قام الإخوان المسلمون بدور متميز في حرب فلسطين، ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها معركة التبة 86، ومعركة كفار داروم، ومعركة ياد مردخاي وغيرها، كما أسهموا بدور مهم في تخفيف الحصار عن القوات المصرية المحاصَرَة في الفالوجا، كما كان للإخوان المصريين مشاركتهم الفعالة في معارك القدس وبيت لحم والخليل وخصوصاً معركة صور باهر، ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها في تلك المناطق معركة رامات راحيل، واسترجاع مار الياس، وتدمير برج مستعمرة تل بيوت قرب بيت لحم، والدفاع عن “تبة اليمن” التي سميت تبة الإخوان المسلمين نظراً للبطولة التي أبدوها، وقد استشهد من إخوان مصر في معارك فلسطين حوالي مائة مقاتل، وجرح ضعف هذا العدد، كما وقع عدد منهم في الأسر، وكان انتقام اليهود من أسرى الإخوان رهيباً، فقد كانوا يقتلونهم، ويشوهون أجسامهم. أما الإخوان المسلمون السوريون ونظرائهم في الأردن والعراق، فقد شاركوا هم أيضاً في القتال على عدة جبهات في فلسطين، وساهموا في دعم نضال الشعب الفلسطيني.

أما بالنسبة لمشاركة الجيوش العربية في الحرب، فقد عادت الحكومات العربية وغيرت موقفها القاضي بالبقاء على الحدود، وقررت في12/4/1948م، أي قبل نهاية الانتداب بشهر وثلاثة أيام فقط إدخال جيوشها النظامية إلى فلسطين . ودخلت بعض الوحدات للجيوش النظامية العربية إلى فلسطين عشية انتهاء الانتداب البريطاني مكونة من أربعة عشر ألف جندي من  جيوش مصر وسوريا والعراق، وشرق الأردن، ولبنان، وقد انضمت سرايا من الجيشين السعودي والسوداني إلى الفرق المصرية في وقت لاحق؛ وإلى جانب قلة عدد هذه القوات مقارنة بالقوات الصهيونية فإنها كانت تشكو أيضاً من ضعف التسليح وفساد العتاد الحربي.

والجدير بالذكر أن هذه الجيوش كانت تتبع أنظمة عسكرية مختلفة، وكانت مدربة على أساليب عسكرية متباينة، وكانت طرق مواصلاتها للوصول إلى فلسطين طويلة، وأسلحتها متعددة الأشكال والأنواع؛ ناهيك على أن جميع الدول المشاركة بالحرب كانت تفتقر إلى الصناعات العسكرية، حتى ذخيرة الأسلحة الخفيفة؛ بالإضافة لذلك لم يكن هناك خطة عسكرية متفق عليها، وبطبيعة الحال لم يكن ثمة قيادة عسكرية واحدة،فضلاً عن ذلك أن بعض الدول العربية كان مرتبطاً بمعاهدات مع بريطانيا تحول دون حرية التصرف في مثل الأحوال. كما أن الجيوش العربية كانت قليلة الخبرة، لم تخض حرباً حقيقية قبل ذلك،ولم يملك معظمها القيادة الوطنية الحرة، فعلى سبيل المثال كان خمس وأربعون من أصل خمسون ضابطاً يشكلون قيادة الجيش الأردني من البريطانيين . كما أن هذه الجيوش لم تكن تملك المعلومات الكافية للمشاركة في الحرب، بل إن بعضها جاء للحرب دون خرائط كالجيش العراقي وكانت معلومات الجيوش العربية عن القوات الصهيونية وإمكاناتها ضعيفة إن لم تكن منعدمة ؛ كما أن الدول العربية التي شاركت في الحرب لم تعبئ كافة طاقاتها للمعركة وتعامل بعضها مع الأمر وكأنه نزهة عسكرية وليس معركة يترتب عليها مصير شعب عربي؛ كذلك عانت الجيوش العربية من ضعف التنسيق الميداني فيما بينها، وعدم وجود قيادة عسكرية مشتركة ذات صلاحيات حقيقية؛ أيضاً قام قائد الجيش الأردني  الجنرال البريطاني السير جون باغوت غلوب (Sir John Bagot Glubb)(**)

(**)عسكري بريطاني ولد في16/4/ 1897م،عرف باسم غلوب باشا، أصبح ضابطاً في الجيش الأردني العربي عام1930م، وفي العام التالي أسس حرس البادية، وهي قوة مكونة من البدو بشكل حصري، وفي سنوات قليلة استطاع أن يوقف الغزوات المتبادلة بين القبائل البدوية، وفي عام1939م تولى قيادة الجيش العربي الأردني، حيث جعله الجيش الأفضل تدريباً في المنطقة العربية، بقي غلوب في منصبه حتى مارس1956م، حيث أعفاه الملك الحسين بن طلال من مهامه، تقلد وسام رتبة الإمبراطورية البريطانية “رتبة فائقة الامتياز”، فارق الحياة في17/3/ 1986م.

==================================

بإصدار أوامر مشددة لجيشه بعدم تجاوز خطوط التقسيم التي فرضها الأمم المتحدة،أي أنه أراد أن يثبت ويرسخ قرار التقسيم بدلاً من تحرير فلسطين. كما نجح اليهود إلى حد ما في زرع بذور الشك بين الفلسطينيين وبعض قادة الجيوش العربية؛حيث قام اليهود الشرقيون بارتداء ملابس الفلسطينيين ليوهموا الجيوش العربية أن الفلسطينيين ضدهم، فقام هؤلاء بنزع أسلحة الفلسطينيين وتحييدهم ولم يكلفوا أنفسهم عناء القيام ببعض الترتيبات الأمنية لمواجهة الأمر بطريقة أفضل،بالإضافة لذلك كان تسليح الجيوش العربية ضعيفاً مقارنة باليهود خصوصاً بعد حظر الدول الكبرى تصدير الأسلحة للعرب في أثناء الحرب.

 الوضع اليهودي الصهيوني: تمكن المشروع الصهيوني طيلة فترة الانتداب البريطاني من بناء مؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية وتنميتها،وكانت القيادة الصهيونية حاضرة بشكل فاعل وميداني، وتمتعت بقدرات قيادته وتنظيمية وتعبوية عالية، واستفادت من دعم الدول الكبرى السياسي والاقتصادي والعسكري، واستثمرت بفاعلية انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، كما استخدمت معاناة اليهود في هذه الحرب للحصول على الدعم بإنشاء الدولة، كما تمكن اليهود منذ بداية الحرب من تعبئة جيش قوى مدرب ومتماسك حسن التسليح مكون من قرابة70 ألف جندي،كما استفادوا من خبرة الفرقة اليهودية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية التي ضمت قرابة26 ألف جندي كما إن المعركة كانت بالنسبة لليهود معركة حياة أو موت،ولذلك تم تعبئة كافة الطاقات الممكنة لها ومن خلفها يهود العالم ودوائر نفوذهم؛ كذلك كانت أوضاع اليهود الاقتصادية وعلاقاتهم السياسية تمكنهم من شراء حاجاتهم من الأسلحة المتطورة، وفي هذا المضمار اشترى اليهود من الانجليز قبيل خروجهم من فلسطين طائرة، وألف سيارة نقل كبيرة؛ كما اشتروا كميات ضخمة من الأسلحة التشيكية (بإذن وتوجيه من الاتحاد السوفيتي) منها 40 طائرة مقاتلة، كما اشتروا ثلاث طائرات قاذفة من الولايات المتحدة.

 الوضع الدولي: نجحت بريطانيا خلال ثلاثين عاماً من احتلالها لفلسطين في تنمية المشروع الصهيوني ورعايته، في الوقت الذي سحقت فيه شعب فلسطين وأضعفته على كافة الصعد، ومنعت نمو مؤسساته السياسية والاقتصادية والعسكرية بشكل كامل؛أيضاً قامت بريطانيا باستخدام نفوذها على الدول العربية خصوصاً مصر والأردن والعراق، ومارست ضغوطها بشكل كبير لتقويض دور جيوش هذه البلدان بحيث لا يتجاوز دورها الخطوط الحمراء للسياسة البريطانية؛ كما ضغطت ضد قدوم المجاهدين والمتطوعين في فلسطين وخصوصاً الإخوان المسلمين من مصر؛ من جهة أخرى حظي الكيان الصهيوني بدعم القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) فعمدتا إلى تهيئة الظروف الدولية بشكل يضمن التفوق الصهيوني وقيام كيانه، كما نفذت القوى الدولية قرار حظر بيع الأسلحة على الجانب العربي دون الجانب اليهودي.

الباحث والكاتب والمحلل السياسي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. جدي رحمه الله كان مع السودانيين الذين ذهبوا للقتال في فلسطين كان يحكي لي ولغيري كثيرا كيف ان الأسلحة كانت خربانه و لا تعمل . حقيقه العبر و الدروس كثيره جدا من النكبه وأهمها ان الجهاد فقط هو الحل .

  2. شكرا للكاتب على هذا البحث الرائع…الذي يحتاجه القارى العربي من اجل التفاعل مع قضيته التي تشكل الوعي الصحيح، واكبر التحديات التي واجهت الامة ـ وتواجهها ـ في فلسطين..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here