د. نادية الحكيم: كل الطرق تؤدي الى.. دمشق

د. نادية الحكيم

الخبر يقول أن رئيس البرلمان الأردني وجه دعوة رسمية لرئيس البرلمان السوري لحضور قمة البرلمانات العربية المزمع عقدها في العاصمة الأردنية عمان.قبلها انعقدت القمة الاقتصادية في بيروت و بعدها في مارس ستنعقد القمة العربية و بين هذه و تلك لم تنطفىء أي من نيران الحرائق الملتهبة في بلاد العروبة بل العكس ما ان ينطفىء لهب هنا حتى يشتعل حريق هناك بفعل فاعل مبني للمجهول!!

الدعوة لقمة البرلمانات العرببة طبعا ليست شخصية و لا أردنية بحتة،انما هي اجماع عربي متكامل على ضرورة عودة الصف العربي الى سوريا،سوريا المنتصرة في حربها ليس على الارهاب و حسب و انما ايضا على مؤامرات استهدفت ثوابتها الوطنية و مواقفها القومية.صحيح أنه نصر بطعم العلقم اجترعه الشعب السوري(و لا يزال) على مدى ثماني سنوات، سانده فيها الحلفاء و على رأسهم روسيا،و تنصل منه الأشقاء بدلالة مقعده الذي بقي شاغرا في القمم العربية طوال تلك السنوات،و لكنه فراغ كان يضاهي بهيبته كل الوفود المشاركة لأن سوريا جغرافيا حاضرة في وجدان كل عربي شريف.ثماني سنوات من القمم يحضر فيها العرب و تغيب عنها العروبة، و مع ذلك تلتئم تلك القمم باصرار غريب على متابعة رحي الماء ،و التفنن في صياغة البيانات المنمقة، بينما الضمير العربي يغط في سبات عميق شبيه بسبات بعض الحضور المشارك في القمم حيث كان يحلو لبعضهم الغفو على وقع الكلمات الملقاة.

اثر قمة البرلمانات ستنعقد القمة العربية الغراء، و التي أصبحت ضربا من الرفاهية الديبلوماسية، و أقرب لعرض أزياء رجالي، منه لقمة سياسية من المفترض أن تناقش و تقرر مصير 359مليون عربي منهم 100 مليون أمي  و100مليون يعيشون تحت خط الفقر و 90 مليون يعيشون تحت خطر العطش و 70مليون محروم من الرعاية الصحية و ملايين اللاجئين و النازحين ،و ليبقى السؤال المطروح في الوقت الراهن عن سبب اصرار العرب على عودة الحضور السوري لقممهم ؟؟..

أهي مراجعة اجبارية للأنظمة العربية من موقفها تجاه سوريا البلد و النظام ،و نقول اجبارية باعتبار الشروط التي طرحتها منذ بداية الأزمة في سوريا، كضرورة اسقاط النظام الحاكم و اجراء تعديلات دستورية و انتخابات وو .شروط تعتبر جميعها تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لسوريا،و طرحت بناءا على تكهنات مؤكدة بهزيمة سوريا في حربها الكونية على القوى المعادية ممثلة بالتنظيمات الارهابية كيد ضاربة..

أم هي لتبييض وجوههم و ذرا للرماد في عيون شعوبهم التي ضاقت ذرعا بالشقاق العربي ،و من ارتفاع حرارة المنطقة العربية نتيجة للحروب و المواجهات الساخنة والمتتالية ،و ما ترتب عليها من تدهور لظروفهم المعيشية عدا عن اغتصاب حرية التعبيرو تقرير المصير..

أم تراها رعشة خوف من الوجود الايراني في المنطقة باعتبار أن الحرب على سورية مثلت فرصة لشرعنة وتثبيت جذوره فيها. وباعتقاد العرب ما من سبيل لانهاء هذا الوجود الا عبر الالتفاف على سورية و اعادتها الى الحظيرة العربية ..

أم هي تعليمات عليا من الطرف الصهيوني بضرورة استيعاب الجرح السوري و تضميده عله ينسلخ عن تحالفاته الاستراتيجية ممثلة بمحور روسيا -ايران -حزب الله مما سيدق اسفين التفرقة بينهم…

أم أنها اعتراف بانتصار سوريا بلدا و نظاما و مؤسسات و جيشا و شعبا ،اعتراف يحفظ ما تبقى من ماء الوجه بعد مراهنتهم الخاسرة على أحصنة الارهاب و صناعه..

لا ندري أي من تلك الأسباب دفعت بلاد العرب للعودة الى دمشق و لكن المثل العريي يقول(عند جهينة الخبر الأكيد ) و جهينة عصرنا للأسف تعيش الان في تل أبيب! في المقابل اختلفت التكهنات عن امكانية قبول الطرف السوري بعودة الانخراط في العمل العربي المشترك من عدمه. فالمعطيات السياسية في الوقت الحالي غير متكاملة باتجاه هذه العودة ،باعتبار وجود معضلات هامة تعيق عودة المياه الى مجاريها بين سوريا و الدول العربية، و لعل أهمها تمويل التتظيمات الارهابية، المساهمة في اعادة الاعمار، و القضايا المتعلقة بعودة اللاجئين السوريين الى بلادهم و غيرها.عدا عن أن الجرح السوري غائر و لم يندمل بعد و لا يزال يحلو للبعض ذر الملح عليه حتى و لو خلسة في ظلمة الليل،رغم كل المؤشرات الدالة على انقلاب كفة الميزان لصالح سوريا و القوى الحليفة لها.

مخطىء من يظن أن الحرب على سوريا كانت ارهابية بحتة،هي حرب تدخل في صلب الصراع العربي -الصهيوني و الذي يعتبر أن تحييد سوريا كقلعة صمود أهم أركانه.فالسلام مع العدو الصهيوني يجب أن يمر عبر سوريا ليكتسب الشرعية أمام الجماهير العربية، و لربما هذا ما دفع السادات للمرور بسوريا في زيارته المشؤومة للكيان الصهيوني .و الحرب ضد العدو الصهيوني لا تستوي بدون سوريا ،و بوابات الشرق كلها اذا لا تفتح الا بمفاتيح دمشقية ،و لذا فالطرق كلها تؤدي الى ..دمشق.

لم يعد من المبكر اطلاق التكهنات بمشاركة سوريا أو عدمه في القمة العربية القادمة،صحيح أن اعتبارات عديدة ستلعب دورها في ماهية القرار السوري و لكن هذا الأمر لن يخفي مسلمة ثابتة تغلغلت في أعماق الشعوب العربية و هي “أن كل القمم لا تصلها الا بعد تسلق مضن للأعلى الا قممنا العربية عليك أن”تسقط” للأسفل لتصل اليها بكفاءة..

كاتبة تونسية

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. مرة أخرى أيتها الحكيمة تنجحين وبدرجة الامتياز بتشخيص الداء وتصفين الدواء لعله يفيد جسد الأمة العليل بشتى أنواع الأمراض المزمىة وغير المزمنة وليس أقلها الخرف والعته والانفصام وكل أنواع الاضطرابات السلوكية والعقلية , ومع هذا أرجوك ألاّ تيأسي لأنه لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس .

  2. سلمت يداك د.نادية دائما مقالتك تضع اصبعنا على الوجع كما يقال…….بالتأكيد كل مواطن شريف ستتجه بوصلته العروبية إلى قبلة العروبة دمشق ….ونتمنى من دمشق كما عودتنا دائما أن تسامح وتغفر. ….عندي قناعة أن ليس فقط الشعوب تحب دمشق. …بل حتى القيادات ومهما طال التحكم بها والتلاعب بها. ….فهي تتمنى أن تعودلحضن الأم الحنون سوريا ..وليس أن تعود سوريا لهم. …..إنها تشعر بالأمان معها وبالقوة فيها. ….فالكل تضرر من تداعيات ما حدث في سوريا….(اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام ).

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here