د. منتصر العيداني: العراقيون الشيعة و الاحكام النابذة.. أضطراب الشخصية لدى الآخر

 

د. منتصر العيداني

طالما واجه العراقيون الشيعة انطباعات مستفزة وتصنيفاً مقولباً منفراً في الغالب عند لقائهم بأشقائهم العرب  او بالعديد من الآخرين المختلفين مذهبياً , ولاحقا بعض الغربيين من المهتمين في السنوات الاخيرة الذين تأثروا كما يبدو بتلك التصورات المعممة الاكثر تأثيراً , أو بالنظرة الاستشراقية أساساً , فضلا عن التوظيف السياسي لقاضيا التعددية الاجتماعية في المنطقة العربية , ولسنا هنا في محل التبرير او الدفاع اذ ليس من المجدي الدخول في مطارحات فكرية  حول قضايا وجدانية تكون فيها ردود الافعال محسومة سلفا , كما لايتسع المقال لمجادلة معتقدات راسخة واسعة الانتشار, الا ان المصائب او الحكمة المضمرة فيها (جزى الله الشدائد كل خير) , تدفع نحو البحث عن الخلاص  في هذا المفصل العصيب من تاريخ العراق والعالمين العربي والاسلامي , بعد أن تحكمت في حياة شعوب و دول المنطقة العديد من القوالب النمطية على نحو جعلها نهباً للاخرين .

لذا ليس حريا بنا الاستغراق بعيداً وطويلا في التاريخ والفقه والعقائد , ورسم لوحات نظرية مزركشة بمصطلحات المعاجم الفقهية والسوسيولوجية كما يقوم بذلك أغلب الباحثين و الكتاب , جريا وراء استحضار السياق التاريخي- الديني ايدلوجيا , او تهرباً من الافتقار الى الرؤية المحايثة للمجتمعات الراهنة , ومنها المجتمع العراقي , وفي القلب منه العراقيين الشيعة.

و بالرغم من كل الحقائق الشاخصة التي يتاجهلها هؤلاء , مما يجدر الاشارة لها بأقتضاب , و في مقدمتها أن العراقيين الشيعة كانوا حاملي راية الدولة العراقية المعاصرة , بدءا من ثورة العشرين – ثورة الفرات الاوسط – , و المطالبة بدولة عربية مستقلة من البصرة الى الموصل , يحكمها أحد أنجال الشريف حسين – سني المذهب – , و قبلها رفع راية الجهاد تحت لواء الدولة العثمانية المضطهدة لهم طائفيا طوال قرون ضد الاستعمار البريطاني في حركة الجهاد 1914- 1915 , مرورا بكافة الحركات السياسية الوطنية ذات الانتماءات القومية واليسارية التي ولدت في جنوب العراق منتصف القرن الماضي , وقادها رجالاتهم , ثم كانوا كوادر بيروقراطية و مهنية و عسكرية بارزة في الدولة العراقية قبل 2003, وصولا الى المواقف اللاحقة , مثلا فأن الاغلبية الساحقة من العراقيين الشيعة الذين انتقلوا للعيش مؤقتا خارج العراق خلال فترة الاضطراب الامني بعد عام 2005 ذهبوا الى دول عربية كسوريا و مصر والاردن , و أخيراً انتفاضة تشرين 2019 ذات المنطلقات الوطنية والتي أنتشرت في مدن الوسط والجنوب , للمطالبة بالاستقلالية , و تغيير الطبقة الحاكمة وفي مقدمتهم القوى الاسلامية الشيعية ,  واكثر من ذلك فأن المرجعية الشيعية العليا التي هي جزء مهم من تركيبة المجتمع الشيعي في العراق عارضت بشدة منهج الحكم الحالي الذي تتسيده قوى اسلامية شيعية , الا ان كل ماتقدم و غيره الكثير تعامى عنه الاخرون جهلا او عمدا لاسباب اشرنا لها .

أن الجماعات الاجتماعية كافة ليست كتل صيوانية صماء , فلكل شخص في علم الاجتماع شبكة عنكبوتية من الروابط والعلاقات , على صعيد الجنس والمهنة والمنطقة والعائلة و الهوايات الخ , كما ان لكل جماعة أطياف وشرائح و أجيال و طبقات ..الخ , مثلا على صعيد العراقيين الشيعة , فمنهم المدنيون والعلمانيون والمتدينون مع اختلاف التوجهات داخل كل فئة بأطياف متعددة , ومنهم الطبقات البرجوازية و الارستقراطية كما الفقراء و متوسطي الدخل , و اصحاب الشهادت العليا والمتعلمين والاميين ..الخ , كما ينقسمون مناطقيا , ولكل منطقة سماتها , ولهجاتها , وثقافتها  المختلفة , مما لا يتسع المجال لاستعراضها , وكل ذلك يعني مصالح و توجهات و ميول وانتماءات مختلفة كما سنوضح بشكا اكثر لاحقا , لذا فان التصورات النمطية ليست سوى تعميمات مضللة تنطبق عليها القاعدة المنطقية ( التعميم لغة الاغبياء) , و نضيف ربما لغة اصحاب العاهات الفكرية أو النفسية , فضلا عما تقدم  فأن هناك ملاحظة جديرة بالبحث , وهي الطابع الخاص للمجتمع العشائري العراقي , و للمجتمع العشائري الشيعي خصوصا , ذلك أن الروابط العشائرية في العراق عموما و على اختلاف مستويات تضامن تلك المجتمعات كانت ولازالت اقوى من الروابط الاخرى ومنها المذهبية او الطائفية , و هي كافة تضم المذهبين , كما انها أي العشائر العراقية العربية عموما وحتى الكردية لاسيما الكبرى منها كانت موالية تاريخيا للدولة العراقية على اختلاف مراحلها , دون ان تكون بالضرورة موالية لاتجاهاتها السياسية الحاكمة , وهو امر قد لايكون مفهوما او مقبولا من وجهة النظر النمطية للاخر  فيما يخص المجتمع العشائري الشيعي خصوصاً – محل بحثنا- الذي عكس ميزة خاصة , فقد احتفظ ذلك المجتمع بتلك العلاقة مع الدولة رغم انه لم يكن على وفاق مع سياسات الانظمة المتعاقبة بل وتعرض لاضطهاد من قبل تلك الانظمة في مراحل سابقة مختلفة , وهو ماكان يفترض ان يؤدي فضلا عن ما تقدم و من جانب اخر الى تضامن مذهبي يهيمن على بقية الروابط الاخرى و حتى العشائرية تحديدا , الامر الذي لم يتحقق لا سابقا ولا حاليا كما ذكرنا سابقاً ,  وفي السياق ذاته كان مجتمعا أكثر تسامحا مما يبدو مع التنوع الاجتماعي , ومن بين أمثلة لا تحصى و أكثرها حداثة هو أن العلاقات بين عشائر الوسط والجنوب و نظيراتها في غرب وشمال بغداد لم تتأثرعميقاً بعد عام 2003 , لاسيما مرحلة داعش بعد عام 2014, اذ لم تحدث عمليات انتقام او ثأر عشائري بقدر ملحوظ  رغم التصفية و التطهير الطائفي الذي مورس في مناطق سيطرة داعش ابتداءا بمجزرة سبايكر ثم احداث تلعفر , فضلا عن ذلك فقد تم استضافت اعداد من النازحين من مناطق سيطرة داعش في الوسط والجنوب , فوفقا لاحصاءات الامم المتحدة بلغ اعداد النازحين الى محافظة كربلاء عام 2016 (67000) الف نازح , كما اندفع ابناء الوسط والجنوب في عمليات تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش وقدموا تضحيات كبيرة .

بالمقابل وفي سياق مواز , فقد كانت الشرائح والتوجهات و الممارسات المدنية حاضرة بشكل اوضح في المجتمعات المدنية الشيعية في الوسط والجنوب خلال عقود الانفتاح الاجتماعي في العراق في منتصف القرن الماضي , و ذلك لاسباب من بينها مثلا الحركات اليسارية التي كانت اكثر انتشارا بين اوساط العراقيين الشيعة بنسبة اعلى انذاك كما مختلف الانتماءات السياسية العلمانية الاخرى , اذ بقيت أغلب المجتمعات السنية في غرب وشمال العراق العربي أكثر محافظة و انغلاقا و تمسكا بالموروث التقليدي القبلي- الديني من التوجهات الحداثوية السياسية – الحزبية أو الفكرية – الاجتماعية , كما يعزز ذلك الانفتاح المدني الشيعي بعض السمات الاجتماعية الاخرى, مثلا كان ابرز المطربين والفنانين العراقيين من الاوساط الشعبية الشيعية , , كما كانوا من ابرز الشعراء والادباء .

كل ماتقدم بكفة , وجيل الالفية الجديد عامة بكفة اخرى , وهو جيل تختلف اولوياته تماما عن اي جيل سابق , وهو امر لامجال للخوض في سماته وخصائصه هنا , قدر ما يؤشر معطيات مغايرة لكل ماتقدم, ويعني ان تلك التصنيفات النمطية لم تعد قائمة او صالحة بنسبة كبيرة لا للتعميم ولا للتكميم .

بأختصار وخلاصة لكل ماتقدم فلا جيل ما قبل الالفية ولا مابعدها وتحديدا على صعيد العراقيين الشيعة يمثل تلك التصورات المشوهة  التي نجمت عن أضطراب شخصية الاخر العربي والاسلامي غالبا مع اختلاف مستوياته , و اصبحت المورد الرئيس للعنف و التطرف والارهاب , وقبل ذلك وبالتساوق معه الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي مزقت دولنا وشعوبنا . بكلمة واحدة انهم عراقيون عرب شيعة قبل أن يكونوا شيعة عراقيين .

باحث واكاديمي عراقي

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. د.خير الله سعيد المحترم.. تم الربط الاجتماعي بالموقف من الدولة ، و كذلك بالبعد العشائري العربي ، والبعد المدني الحداثوي وذلك هو جوهر الرؤية الوطنية .. طبعا لا يتسع المقال لتناول كل الابعاد ..مع التقدير والود

  2. كان يفترض أن يكون الربط الاجتماعي لهذه القوى الشيعية بمنظور” الرؤيـة الوطنية” ومدى تفاعل هذه القوى معها، طبقيّـاً وسياسيّـاً، لمعرفة تأثير انتماءاتها الطائفية عليها في هـذا الاصطفاف .

  3. الأخ محمد العربي , إنها إشكالية التشكيل الثقافي وعدم إنعكاس القيم الحقيقية للاسلام على شخصية وسلوك المسلم أيا كان توجهه الفكري أو المذهبي , واضح أن عدم وجود مواصفات و معايير علمية وأخلاقية وسلوكية أدت إلى هذه الإشكاليات والإضطرابات في تاريخ وحاضر العالم الإسلامي وخاصة العالم الإسلامي . للاسف تلك الكتب السوداء والقنوات المتحفزة لإثارة البسطاء من المسلمين أوصلنا الى هذا المستوى من الإنحطاط الثقافي والإنساني . الطامة الكبرى أن رجال الدين وحملة الشهادات العليا وأصحاب المناصب القيادية هم في عمومهم طائفيون حتى النخاع . مرة أخرى أشكالية التشكيل والوعي الثقافي والإنساني . نحن في عصر الإنحطاط الفكري واصبح الإسلام مذاهب بلا إسلام .

  4. يبقى التخلف و تبقى الجاهلية الصماء سمتين بارزتين في حياة المسلمين كانوا شيعة او سنة و لاا ادل على ذلك اكثر من مواكب الشيعة البكائية و من مواقف السنة المتخلفة و تمسكهم بافكار كتلك لا علاقة لها بالدين و احكام الاعدام الصادرة عنهم تجاه من يخالف فكرهم
    و الحديث هنا عن الشيعة و السنة المذهبية و التسنن و التشيع المذهبيان لا علاقة لهما بسنة محمد الحقيقية و لا التشيع الحقيقي لعلي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here