د. معن علي المقابلة: الأردن ومأزق النظام

د. معن علي المقابلة

   البعض يرى ان ما حدث في اعتصامات رمضان الماضي في الأردن وادت الى اقالة حكومة الدكتور هاني الملقي ، وما يحدث الأن من مسيرات المتعطلين عن العمل من ابناء المحافظات للديوان الملكي ، بل ويذهب البعض ان اعتصامات الدوار الرابع مقر رئاسة الوزراء كلها بتخطيط غير مباشر من الأجهزة الأمنية لجلب المساعدات الذي يعتمد عليها الاقتصاد الأردني منذ تأسيسه ، مما لا شك فيه ان اعتصامات رمضان تقاطعت فيها مصالح جهات عدة كالنقابات وحتى الأجهزة الأمنية مما ادى الى خروج هذا العدد الكبير من الناس ، كما ان الحراك الشعبي ساهم في خروج هذه الأعداد وهو مدرك لهذه التناقضات في المشهد ، الا انه اعتبرها فرصة لكسر حاجز الخوف لدى الكثير من الأغلبية الصامتة – يعتبرهم النظام في صفه – في نزولهم للشارع ولتعزيز الثقة انهم قادرين على احداث التغيير وان بدى للوهلة الأولى بسيطاً.

   اما مسألة ان الأجهزة الأمنية وراء الرابع ومسيرات المتعطلين عن العمل لجلب المساعدات ، فان صحت واشك في ذلك فحجم الاستدعاءات التي تقوم بها الدائرة-المخابرات العامة- للمشاركين في الرابع لثنيهم عن المشاركة تدلل على غير ذلك ، اقول ان “صحت” فهي تعبير حقيقي على الأزمة التي يمر بها النظام ، وانه لا زال يقارب الأمور بذات الادوات القديمة في ادارة الدولة وهو الاعتماد على المساعدات الخارجية مع علمه- وان لم يكن يعلم فتلك مصيبة- ان الدور الذي كان يمارسه في العقود السابقة في استثمار الجغرافيا والقضية الفلسطينية للحصول على المساعدات لم تعد بالأهمية التي كانت عليه في الأيام الخوالي ، اذاً الحلول الخارجية لم تعد هي الحل في خروج الأردن من ازمته الاقتصادية المزمنة بل عليه ان يبدأ بالتفكير خارج هذه المنظومة التقليدية ان اراد ان ينقذ نفسه كنظام ، وان لا تذهب الدولة الى منزلقات خطيرة اقلها الفوضى غير الخلاقة-لا سمح الله-.

    التفكير خارج المنظومة التقليدية تبدأ اولاً من وجهة نظري بإعادة ترتيب البيت الداخلي ، فمهما حاولنا توصيف المأزق الذي تعيشه الدولة الأردنية فهو لا يخرج عن المأزق السياسي ، وان بدى للوهلة الأولى انه اقتصادي اجتماعي مرتبط بالفساد المالي والاداري ، وهذا ما اكده الملك نفسه من خلال اوراقه النقاشية التي طرحها للحوار مع النخب السياسية ، فستة من هذه الاوراق من اصل سبعة اوراق تحدثت عن الديمقراطية والتمكين الديمقراطي والدولة المدنية ، وهذا اعتراف صريح من راس الدولة بأن مشكلة الدولة الأردنية سياسية بالدرجة الأولى ، وبعيداً عن الحديث عن مصطلحات كالدولة العميقة وقوى الشد العكسي ومراكز النفوذ ، فنحن في الأردن كنخب سياسية واكاديمية وحراكية تدرك ان الحل بيد الملك ، فمؤسسة العرش لا تزال حتى هذه اللحظة تمسك بجميع خيوط اللعبة السياسية في الدولة ، فالملك مطالب بوضع افكاره في هذه الأوراق موضع التنفيذ ، ولن يعدم الوسيلة في ذلك ، كمؤتمر وطني او لجنة من الفقهاء الدستوريين لإعادة صياغة الدستور لنقل الدولة من الديمقراطية الشكلية للديمقراطية الفعلية ، او من خلال حكومة انتقالية ذات مهام وفترة زمنية محددة تقدم نماذج ديمقراطية أساسها إعادة السلطة التنفيذية للشعب يقرها الشعب باستفتاء مباشر، وهذا ما خلص اليه مؤتمر رجم الشوف – بيرين الذي دعا اليه حراك بني حسن قبل اشهر وجمع طيف كبير من الحراكات الشعبية والشخصيات الوطنية ، وقد لاقت الورقة التي خرج بها المؤتمر قبولاً واسعاً.

   بغير ذلك فان ازمة الأردن آخذتاً بالتعمق بشقيها السياسي والاقتصادي ولا يبدو ان هناك افق للانفراج ، فمؤتمر مكة الذي دعت له السعودية بُعيد الاحتجاجات التي أطاحت بحكومة الملقي واقرت بعض المساعدات لا زالت حبراً على ورق ، كما ان مشكلة اللاجئين السوريين اخذت تتفاقم بعدم رغبة اعداد كبيرة منهم العودة لبلادهم ، كما ان الدعم الدولي توقف او كاد فمؤتمر لندن الذي يعقد هذه الاثناء لا يُؤمل منه الكثير وهذا ما جاء على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة ، هذا بالنسبة للشق الاقتصادي ، اما في الشق السياسي فالتطورات على القضية الفلسطينية تضع الأردن في مأزق حقيقي من خلال تسريبات ما يعرف بصفقة القرن ودخول كلٌ من السعودية والامارات كلاعبين في هذه الصفقة بالضغط على الأردن والفلسطينيين للقبول بها ، او على الأقل تركهما وحيدين في مواجهة هذه الصفقة.

   اخيراً وليس آخراً ، الحراك الشعبي الأردني والنخب السياسية الوطنية قدمت في العقد الأخير تصورات لمواجهة كل هذه التحديات من خلال إصلاحات سياسية واقتصادية من شأنها ان تضع الدولة والنظام في المسار الصحيح ، فلم يعد مقبولاً ان تبقى الحلول التي يعتمد عليه النظام هي الحلول الخارجية والتي ستضعه ضمن ضغوط لن يقوى على تحملها بعيداً عن الدعم الشعبي ، والتي ستعمق من ازمته الداخلية.

ناشط سياسي/الأردن

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. نعم اخ معن لم يعد مقبولاً ان تبقى الحلول التي يعتمد عليه النظام هي الحلول الخارجية والتي ستضعه ضمن ضغوط لن يقوى على تحملها بعيداً عن الدعم الشعبي. هذا هو الواقع .

  2. لقد وضعت النقاط على الحروف يا أستاذ معن ، ووصفت فأحسنت التوصيف ، وشخصت الداء ووضعت الدواء .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here