د. محمّد محمّد خطّابي: هَلْ يُصْلِحُ العَطّارُمَا أفسَدَهُ الدّهرُ..؟

د. محمّد محمّد خطّابي

تجدر الإشارة أنّ  كلمة “العطّار” أوعطَّار إسم معروف ومُستعمل ومُتداوَل فى مختلف البلدان منذ قديم الأزمان ،وهو موجود على وجه التقريب فى جميع البلدان العربية ،وهناك العديد من الكتّاب، والشّعراء، والشخصيات المرموقة التي تحمل هذا الإسم  فى لبنان والمغرب ، فضلاً عن السعودية،وفلسطين،والاردن،وسورية، واليمن، وتركيا، وإيران،وليبيا، وتونس والجزائرإلخ، والعطّار فى الأصل يعني – كما هو معروف- : بائع العِطْر أو العطور، أو صانع العِطْر أو العطور ، ونحن نشتري البُخورَ، وعَرْفَ العُود والندّ من عند العطَّار .

ومن الأمثال المعروفة المأثورة، أو الأقوال السائرة المشهورة التي تُضرب فى هذا القبيل:هل يُصلح العَطَّارُ ما أفسده الدّهْرُ..؟ (وهو عَجُز من بيت معروف)،يُقال فيمن يحاول إصلاحَ ما لا يُمكن إصلاحُه. !.. فهل يمكن ردّ البلطاجي، والمعتدي عن غيّهما، وعن تجنّيهما، وعن مروقهما…؟ هيهات..!

و يُطلق العطّار كذلك على بائع التَّوابِل ( العطور أو العطرية) ، فنحن نشتري الكمُّون، وباقي التوابل، والبهارات من عند العطّار،والعطّار جاءت فى صيغة المبالغة (فعّال) ويعني كثير العطر أو العطور، وهناك بيت من الشّعر مشهور يقول: ومَن خالط العطّارَ نال من طيبه / ومَن خالط الحدّادَ نال السّوائدا ،أو : ومَنْ خالط العطّارَ فاز بعطره/  ومن خالط الفحّامَ نال سوادَه، وأنور بن سعيد العطار شاعر معروف من سوريا وُلد في (دمشق ) عام 1908 و توفي عام 1972.،وفريد الدّين عطّار شاعر فارسي متصوّف معروف، وممَّيز عاش في القرن الثاني عشر الميلادي من أشهر أعماله “منطق الطير”، وهو كتاب ذائع الصّيت، و قد ولد العطار في مدينة نيسابور.

تَسْكُبُ دَقَائِقَ العِطْر..ِ

ويُعرف عادة باسم عطار أوكلمة عطار كذلك بائع الآدويه الشعبية، والتوابل، والعطور، ولكن ميرزا محمد يثبت بأمثلة وجدها في كتابيْ “خسرونامه” و”أسرارنامه” أنّ هذه الكلمة لها معنيً أوسع من ذلك، ويقول أنها أطلقت عليه، لأنه كان يتوليّ الإشراف علي دكّان لبيع الأدوية‌ حيث كان يزوره المرضى، فيعرضون عليه أنفسَهم، فيصف لهم الدواء ويقوم بنفسه علي تركيبه وتحضيره. ولقد تحدّث عن نفسه في كتابيه” مصيبت نامه” و”إلهي نامه” فذكر صراحة بأنه ألفهما في صيدليته أو أجزخانته، “داروخانه” التي كان يتردّد عليها في ذلك الوقت خمسمئة من المرضى، كان يقوم علي فحصهم وجسّ نبضهم. ويقول “رضا قليخان” في كتابه “رياض العارفين” أنه تعلم الطبَّ علي يديّ الشيخ مجد الدين البغدادي وهو أحد تلاميذ الشيخ نجم الدين كبري.

و” عطر” جمع : عُطُورٌ، يَفُوحُ عِطْرٌ زَكِيٌّ مِنْ فُسْتَانِهَا ،ومَا يُتَطَيَّبُ بِهِ لِحُسْنِ رَائِحَتِهِ، و يقول عبقريّ بشرِّي ونابغة لبنان والعالم جبران خليل جبران : تَشْربُ قَطَرَاتِ النَّدَى وَتَسْكُبُ دَقَائِقَ العِطْرِ.. !

والعِطْرُ نباتاتٌ ذات رائحة عَطِرَة،زكيّة،عبقة، فوّاحة مثل الخُزامىَ ( ومن غرائب الصّدف التي واجهتنا وفاجأتنا فى هذا المقام أنّ إسم مدينة الحسيمة مُشتقّ من (الخزامىَ) وهي نبتة عطرية طيّبة الرّائحة) المعروفة ب: (Lavanda) التي يُستخرَجُ منها زيتُ العِطر جمع أَعطار وعُطور ، والطّيب ، كلُّ ما يُتَطيَّب به لِحُسْنِ رائحته يُقال :- لهذه الوردة عِطرٌ فوَّاح ،  زجاجة عِطْرٍ،أو قارورة عطر ،كما يقال فى الأمثال : دقُّوا بينهم عِطْر مَنْشم : يُضرب كرمز إلى الشُّؤم والحرْبِ ،ولا عِطر بعد عروس، وهوَّ تعبير عن الزُّهد بعد فقد عزيز ،وفى المغرب هناك العديد من الأصدقاء الذين يحملون هذا الإسم ومنهم شعراء،ومبدعون ،وهو إسم ينحدر فى الغالب من الأندلس،وهو موجود ومستعمل فى البلدان المغاربية عللى وجه العموم ،ولعلّه من الأسماء الموريسكية التي إستقدمها المُهجّرون، والنازحون قهراً وقسراً وعُنوةً عن الأندلس بعد سقوط  آخر معاقل الإسلام فى الأندلس غرناطة عام 1492، إذن فهذا الإسم غير محصور أو مقصور على بلدٍ بعينه كما يبدو ، بل إنه موجود ومنتشر فى مختلف  الأصقاع والبلدان.

ونختم هذا العرض بالأبيات الطريفة التي ورد فيها عَجُز البيت الشّعري الذي أصبح مثلاً مأثوراً ،وقولاً سائراً مشهوراً بين الناس ، قال بعضُهم:

عـجــوز تـمـنـّتْ أن تـكــونَ فـتـيــة /  وقد يبس الجنبان واحدودبَ الظهرُ

تـروحُ إلـى العطّـار تبـغـي شبابـَهـا   /  وهل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسـد الدهـرُ

بَنَـيْـتُ بـهـا قـبــل الـمـحـاق بلـيـلـة   /  فـكـان محـاقـاً كـلــه ذلـــك الـشّـهـر

ومــا غـرَّنـي إلاّ الخـضـاب بكـفـّهـا  /  وحمـرةُ خدّيـهـا وأثوابـهـا الصّـفـر..!.

************************************************************************

* كاتب وباحث من المغرب ،عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here