د. محمّد محمّد خطّابي: لمن يكتب الرّوائيّ المغربيّ الفرانكوفوني الطّاهر بنجلّون..؟!

د. محمّد محمّد خطّابي

الكاتبَ المغربي الطّاهر بنجلّون بلغة مُوليير، الحاصل على أكبر تكريم أدبي فى فرنسا وهي جائزة “غونكور” الأدبية المرموقة كانت قد وضعته إحدى الجرائد المغربية  مؤخراً فى “خانة قعر نادي النّازلين” فى إشارة – كما جاء بالحرف على لسان هذه الصّحيفة – إلى” تجاوز الأديب المغربي الفرنكوفوني الطاهر بنجلون حدودَ اللياقة  ثقافياً وأدبياً  لينعت آلافَ المغاربة بالأميّة والجهل، فقط لأنّهم صوّتوا لفائدةِ حزبٍ وليس لغيره، وذلك بعد أن وصف الكاتبُ المصوّتين الذين أدلوا بأصواتهم لصالح هذا الحزب الذي كان قد تصدّر الإنتخابات التشريعية الأخيرة فى المغرب، بأنهم “جاهلون وأميّون، ولا يدركون معنى الديمقراطيّة الحقيقي”..

البرج العاجي والمنجنيق

ويشير نفس المصدر :” أنّ صاحب رواية “الاستئصال” وكأنه قد بدا وصيّاً على عقول وإرادة بني جلدته، فقط لأنهم يخالفون توجّهاته السياسية والإيديولوجية”، وكأنّ “هذا الكاتب، الذي يتّخذ من برجه الفرنسي العاجي منجنيقاً يهوي به على مخالفيه فى الرأي، هو صاحب الحقيقة السّاطعة، والحكمة الناصعة، ودونه خرط القتاد “.وقد لقيت تصريحات الطاهر بنجلون فى هذا القبيل الكثير من الإمتعاض،والتذمّر، والانتقاد من طرف ذوي طينته داخل المغرب وخارجه قرّاءً ، وكتّاباً، ومتتبّعين .

ويجدر  بنا  التذكير فى هذا السبيل أنّ الكاتب الطاهر بنجلون سبق له أن أدلى بتصريحاتٍ ضمن إستطلاع كانت قد أجرته جريدة ” الباييس” الإسبانية الواسعة الإنتشار مع ثلّة من الكتّاب ، والرّوائيين الآخرين المعروفين فى العالم الناطق بلغة سيرفانتيس ، عن الحركة أو الطّفرة الأدبية الشّهيرة التي يُطلقُ عليها فى اللغة الإسبانية “البّووم” الأدبي الشّهير الذي رفع الإبداع فى أمريكا اللاتينية إلى أعلى مراتبه منذ الستينيّات من القرن الفارط حيث تألّقت خلاله أسماء لامعة أمثال غابرييل غارسيا ماركيز فى كولومبيا،وأليخو كاربنتييرفى كوبا، وخوان رولفو،وأكتافيو باث،وكارلوس فوينتيس فى المكسيك، وخورخي لويس بورخيس، وخوليو كورتاثار، وبيّو كاساريس فى الأرجنتين،وماريو بارغاس يوسا فى البيرو، وميغيل أنخيل أستورياس فى الغواتيمالا ، وسواهم ، هذه الحركة أو الطّفرة الأدبية كانت قد شكّلت حدثاً أدبيّاً هامّاً،ونقلة نوعية خاصّة فى عالم الخلق والإبداع الأدبي، فى مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية على وجه الخصوص .

بنجلّون وأليخُو كاربتيير

وحريّ بنا التذكير كذلك فى هذا الصدد بأهمّ ما قاله الطاهر بنجلون فى معرض حديثه وتقييمه عن هذه الحركة،إنه يقول بالحرف الواحد : “عندما كنتُ ما زلت أتابع دراستي فى المعهد الفرنسي بمدينة طنجة ، كنت أستمع وأنصت بشغف كبير للكاتب الكوبي أليخو كاربنتيير وهو يحدّثنا عن الزّخرفة فى الأدب ،كان رجلاً أنيقاً وطيّباً ، هذه الزيارة تركت أثراً عميقاً فى نفسي، وقد أهداني صديقي الكاتب والمورّخ السينمائي الإسباني “إميليو سانث”الذي كان يقضي وقتاً طويلاً فى طنجة كتاب “مئة سنة من العزلة” لغابرييل غارسيا مركيز مترجَماً إلى اللغة الفرنسية، فانغمستُ بسرعة فى قراءة هذا الكتاب ، إلاّ انّه لم يشدّني أو يجذبني إليه فى البداية بما فيه الكفاية ، كان هناك شئ مّا فى هذا العالم  الغريب يمنعني من الدخول فى هذه الرّواية التي لم تكن تشبه فى شئ ما كنت معتاداً على قراءته من قبل، ولكنّني عدتُ إلى قراءة هذه الرّواية فيما بعد خاصّة بعد أن إكتشفت العمل الأدبي الإستثنائي للكاتب المكسيكي خوان رولفو، وبفضل “بيدرو بارامو” دلفتُ فى غابة الأدب الأمريكي اللاتيني الرائعة. وإكتشفتُ أنّ رولفو كان قد أثّر فى غارسيا مركيز، كما كان له تأثير فى بعض الكتّاب الآخرين من جيله،  وبعد هذه القراءات وجدت بعض الأواصر الأسرية بين عوالم هؤلاء الكتّاب وبين مبدعين من العالم العربي، حيث كنت أقرأ لكارلوس فوينتيس ، وماريو بارغاس يوسا وكأنّهما كاتبان من بلدي”.

البُوم الأدبيّ الأمريكيّ..ترخيص للحُلم والإبتكار

ويضيف الطاهربنجلّون :” إنّ الأوج الذي أدركته هذه الحركة ممثّلة للأدب الأمريكي اللّاتيني شكّلت حظّاً سعيداً، وطالعاً حسناً للأدب فى النصف الثاني للقرن العشرين ،لقد شاء الحظّ أن تهيّأ للعديد من الكتّاب فرصة إنتمائهم لنفس الجيل، كما هيّأ لهم فرصة تمتّعهم بالموهبة والخيال في نفس الوقت. لقد شكّل هؤلاء الكتّاب كوكبة من المبدعين في جميع أنحاء قارة أمريكا اللاّتينية حتى وإن كانت أساليبهم الأدبية متباينة ،كما كانت المواضيع التي عالجها هؤلاء الكتّاب موجودة فى آدابهم على وجه التقريب ولقد إتّسمت إبداعاتهم بالجرأة، والزّخرفة، والتنميق، وطبعت بقلق رائع،كانت إبداعاتهم بقايا سوريالية، ونوعاً من الجنون الذي يتناقض مع الواقعية الأوروبية، وعدم التكيّف مع واقع النمط الأمريكي، لقد أطلقت هذه الحركة الأدبية العنان لحريّة الخيال” . وقال الطّاهر بنجلون ” ففيما يتعلّق بتجربتي الشخصّية، وأنا واثق من ذلك،بعد قراءتي للكتّاب : أُونِيتِّي، وبُورخيس، وغارسيا ماركيز، ونيرودا ولآخرين فإنّ كتاباتي حصلت على ترخيص للحُلم والإبتكار، فأنا مَدين بهذه الحرية وبهذا التطوّر لذلك الخيال المُجنّح الذي ليس له حدود”.

 إنّهم يكتبون لقارّة لا تقرأ..!

وكان بنجلّون تماشياً مع حديثه السّابق إيّاه حول الوصف المُجحف الذي نعتَ به بعضاً من بني طينته بأنهم ( جاهلون وأميّون، ولا يدركون معنى الديمقراطية الحقيقية ) وذلك – حسب ما أوردته الجريدة المغربية إيّاها- ” كان قد صرّح خلال الإستطلاع المشار إليه أعلاه : ” إنّه ينتمي لبلد 40 فى المائة من سكّانه أميّون، لا يقرأون ولا يكتبون، وهذه مأساة وعار يندى له الجبين،”،وقال أيضاً : ” إنني أعرف أنّ بعض بلدان أمريكا اللاتينية تعاني كذلك من هذه المأساة ، وإنّ أحد هؤلاء الكتّاب وأخاله كارلوس فوينتيس سُئل ذات مرّة السّؤال التالي: ( لماذا تكتب لقارّة من الأمييّن لا يقرأون ولا يكتبون.. ؟ ) إنّني أتذكّر جيّداً جوابه وهو ما سأقوله الآن من الذاكرة :” إنني أكتب حتى وإن كنت على علمٍ أنّ بلديّاتي، وأبناء جلدتي لا يقرأون لي..! ولأنّهم حالوا بينهم وبين تعلّم القراءة، فإنني سأكتب جيّداً، بل بشكلٍ جيّد جدّاً لأنني أريد أن أقدّم لهم ما هو أحسن، لأنّه سيأتي يوم سوف يقرأ فيه هذا الشعب وإذا لم يتسنّ له القراءة فسوف يقرأ أبناؤه ،وعليه فإنّ نصوصي ينبغي أن تكون خالية من النقائص، وبعيدة عن العيوب هذا ما أقوله عندما أُسأل هذا السؤال”.

 الفرق كما هو واضح من السّياق أعلاه أنّ هؤلاء الرّوائيين، والكتّاب، والمبدعين المنتمين لبلدان أمريكا اللاتينية كانوا يكتبون بلغتهم، وهي اللغة القشتالية أو الإسبانية التي إنتشرت فى معظم بلدان القارة الأمريكية فى شقّها الجنوبي بعد وصول الإسبان إليها، أوفتحهم أو بالأحرى بعد غزوهم له، فى حين أنه – وهو الوحيد بينهم- الذي لم يكتب بلغته الأصليّة، بل بلغةٍ أجنبيةٍ غالباً ما كانت وما برحت تُنعَتُ، أو توصفُ، أو تُسمّى بلغة ” المُستعمِر”..!

كاتب شاهد على عصره

ولهذا السّبب – على ما يبدو-  كان الطاهر بنجلون يقول من جانب آخر فى نفس الإستطلاع الآنف الذكر: ” إنّ البعض يعتب عليه أنْ لماذا لا يكتب باللغة العربية ..؟ فهو يكتب بلغة غير لغة بلاده، بل إنّها لغة المُستعمرالدخيل …! . ويردف قائلاً :” إنّ الذين يعتبون عليّ أنْ لماذا أكتب بالفرنسية بدلاً من اللغة العربية إنّما هم يطالبونني بشكلٍ أو بآخر بأن أتخلّى عن الكتابة، لانّهم يعرفون أنّني لا أجيد ولا أتقن بما فيه الكفاية لغة القرآن لأعبّر بها بطلاقة وسلاسة كما أفعل ذلك فى اللغة الفرنسية “، ويضيف بنجلون فى ختام تصريحه :” إنّ جوابي عن هذا السؤال المتعلق بالآداب الأمريكية اللاّتينية يشجّعني ويدعمني للمضيّ قدماً فى طريقي ككاتب، إنّني أعتبر نفسي شاهداً على عصري، وشاهداً متتبّعاً وفى بعض الأحيان مشاركاً، أنا لستُ كاتباً متخفيّاً، ولا هادئاً ،بل إّني أتدخّل،وأشارك، وأدلي بدلوي كمواطن، ولكنّني لن أصل إلى حدّ مزاولة السياسة مثل ماريو بارغاس يوسا “.

وأشير فى ختام هذا العرض أنّ مداخلة الروائي المغربي الطّاهر بنجلّون كانت مُدرَجة فى ذيل الإستطلاع الذي أجرته صّحيفة ” الباييس” الإسبانية المرموقة فى هذا القبيل،إلاّ أنّني آثرتُ،وتعمّدتُ أن أبوّئها الصّدارة فى مقالٍ سبق لي أن نشرته فى بعض الصّحف العربية الدولية الكبرى،بعنوان ” خمسون عاماً مرّت على “البوم” الأدبي الأمريكي اللاّتيني..كيف يرى الكتّاب المعاصرون هذه الحركة الأدبية الكبرى اليوم..؟” وكان هذا المقال يعالج نفس هذا الموضوع ، ولا عجب، إذ كان شفيعي فى ذلك استجابةً وامتثالاً لقول الشّاعرالعربي القديم : ( لا يسألون أخاهم حين يندبهم / فى النّائبات إذا قال برهانا..!**

*- كاتب وباحث من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا – (كولومبيا).

**-تصريحات الرّوائي الطاهر بنجلون المُدرجة ضمن المقال أعلاه من ترجمة صاحب المقال عن الإسبانية.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الطاهر بنجلون لا يكتب باللغة العربية لأنه لا يجيدها، وهذا عذر أكثر من مقبول. فضلا عن أنه غير ملزم إطلاقا بتبرير إختياره، فالكتابة في النهاية ممارسة فردية ولا تخضع لمنطق الثكنة العسكرية. لا مجال هنا للتنميط ولا لفرض لغة معينة على من يكتب. والكتابة بالفرنسية وفرت على بنجلون أكثر من عشرين سنة من المعاناة والبحث عن الشهرة. فأنت تكتب بالفرنسية لجمهور واسع من القراء في باريس وحدها، ناهيك عن جمهرة من النقاد الممتازين الذين يبحثون ليل نهار عن الجيد المطبوع وينوهون به بدون عقد وتنشر الصحف الكبرى ذلك. وإذا تتبعنا مسار الكتابة لدى بنجلون فسنلاحظ تطورا هائلا منذ أول رواية نشرها وحتى ” طفل الرمال” أو “ليلة القدر”على الأقل ، ويعود الفضل في هذا لمواكبة النقد الصحفي والأكاديمي لأعماله. أكتب الرواية بالعربية وستستمتع بصحبة رائعة جدا، لن تتمناها حتى لألذ أعدائك.
    من جهة أخرى، لم يكن دور الكاتب أبدا أن يمجد الشعب. كل أعمال أفلاطون وسينيكا الفيلسوف ونيتشه وسارتر وصولا الى هابرماس مثلا قائمة على نقد لاذع لقيم الغوغاء وعلى تفكيك البنيات الثقافية التي تؤسس لوهم الجماهير. بل إن الكاتب الذي تمجده أنت شخصيا، أي لويس بورخيص، بنى كل كتاباته على لعن الشعب والتنديد بالكثلة البشرية التي تسمى الجمهور، وطلب من أمريكا أن تحسم معركتها ضد الفيتنام بالقنابل النووية، حتى لا تنتصر الايديولوجيات الشعبية، وهدد بمغادرة الأرجنتين والعيش في المنفى ليس لأن انجلترا تحتل جزر المالوين بل لأن بلاده تريد تنظيم كأس العالم وهو ما سيسمح للغوغاء التجمع في مكان واحد ! ورغم هذه النظرة العنصرية الكريهة المتوحشة للويس خورخي بورخيص لم نقرأ لك ولا سطرا واحدا في نقده، بل كتبت عنه الكثير من المدح ! أما بنجلون فقد إنتقد بكل تحضر إختيارا شعبيا غير موفق.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here