د. محمّد محمّد خطّابي: لعنة “ليليث” للدّكتورة نادين طربيّه.. الأنثىَ الخَالدَة والمُتمرّدَة

د. محمّد محمّد خطّابي

“ليليث” المرأة التي سكنها الشيطان ..اسم ترتعش له الأبدان، وتصطكّ لسماعه الأسنان، فى الأساطير اليهودية القديمة هي أوّل إمرأة هجرت آدم ..ترجع أصولها الى الحضارة السّوميرية فى بلاد ما بين النهرين ،ولقد استعملها اليهود فى مرويّاتهم الدينية الغابرة لاشاعة مفهوم الشرّ الذي له صلة بغواية المرأة،والإغراء الأنثوي.تحوّلت الى شيطان يخطف الأطفال الصغار من مهودهم وأسرّتهم فى جُنح الليل، و تمثّل ليليث تناسخاً وتقمّصاً  للجمال الشرّير، وهي بالتالي فى عُرفهم أصل الغواية  وأمّ الزّنا ،ولقد عمل اليهود على  جعل اسم ليليث المخلوق الشرّير وإلصاقه بكلمة “الليله” التي تعني الليل. فحسب المعجم  التوراتي : Lilithليليث  تعني كذلك  البومة، والليل. !

فى هذا السّياق المثير تحكي لنا الأديبة اللبنانية الدكتورة نادين طربيّه أسطورة أو لعنة “ليليث” (أنظر مجلّة Aleph-Lam  اللبنانية ) لتنسج منها درعاً واقياً دفاعاً وذوداً عن بنات جنسها فى عرضٍ جذّاب، وأسلوبٍ سلسٍ مُريح ،ولا عجب فقد خطّتها أنامل كاتبة فذّة ،وأديبة مُلهمة، طالما أنارت بكتاباتها المميّزة دياجي الظلام فى متاهات دروبنا الحياتية المحفوفة بالمخاطر، والأهوال ، إنها بيراعها ،وذكائها ،وجمالها تجذب القارئ إليها بقوّة مغناطيسيّة غريبة ،وتحلّق به فى سماء الإبداع الرّاقي، التلقائي المريح ،فى إنسياب أثيريّ بهيج ، كفوّارة من ظمأ ، أوشلاّل منهمر سلسبيلٍ يغسل أدراننا، وينفذ إلى أعماقنا، ويدغدغ عواطفنا، ويحرّك لواعجنا،ويسلّمنا للخيال المُجنّح فى عالم الحرف البلّوري المُضيئ ،ويدثّرنا بغلالة شفيفة ، ويحطّ بنا فى واحة فكرية نتفيّأ ظلالَها الوارفة ،ونتنسّم نسائمَها العليلة .

رموز ودلالات

وبالرّغم من إنفعال وتفاعل الكاتبة  مع هذا الموضوع الشيّق فإننا لن نجدها مستغلّة لعطفنا أو تعاطفنا،لتلقي علينا سلّة متاعبها، ومشاعرها،ومعاناتها ،ومكابدات بنات جنسها، لنعاونها على تجرّعها وتقبّلها …إنها تحدّثنا عن (لعنة ليليث) فى أسلوب قشيب حافل بالرّموز ،والدلالات ، تحدّثنا عمّا سبق لنا أن فكّرنا فيه ،وكوّنّا لأنفسنا رأياً بشأنه، حول معاناة وشكوى و(دهاء وذكاء) المرأة منذ فجر التاريخ،  ويا لهما من خصلتين كانتا  كذلك من نصيب منقذة بنات جنسها الأخرى بعيدة عنها زماناً ومكاناً وهي “شهرزاد” التي ناهضتْ وصدّتْ وأحكمتْ قبضتها على تسلّط الملك الظالم المُستبدّ  (الرّجل) شهريار أيّان كان..وهاتان الخصلتان إذا اقترنتا بالجمال الأخّاذ، وبمواصفات الحُسن الظاهر، والإفتتان الباهر لدى المرأة  فإنها  ترجع الى تاريخ البشرية البعيد لتقدم لنا ليليث الأسطورية ،السّوميرية، الأشورية، البابيلية،أو الفينيقية  الضاربة فى القدم فإذا بها ماثلة أمامنا كمرآة  ناصعة  تنعكس عليها سائر نساء العالم فى كلّ مكان، ربما كانت الكاتبة واحدة منهنّ ،إنها  تضع هذه المرآة أمامها  لترى فيها  وجهها ،ثمّ تضعها أمام نساء العالم  ليرينَ فيها ما رأته ،فإذا بهنّ يرينَ شيئاً آخر…يرينَ  وُجوهَنّ وليس وجهها …! كلما وضعتُ ما كتبته الدكتورة نادين فى هذا القبيل على جنب  بعد قراءته فإنني سرعان ما أعود  مهرولاً، جذلاً، مبهوراً بلهفة وبشوق لأعيد قراءة شذراتٍ من هذه الأحرف الملتاعة الملتهبة، فالشّعور بفداحة وجلال الموقف الذي تعالجة الكاتبة يصبح عند القارئ أكثرَ إيلاماً ، وأشدّ ملاماً،وأحرَّ مضضاً ،وأقسىَ مرارة، وأبعدَ مراماً..إنه يخشى أن يقرأه  دفعةً واحدة، بل إنه يدنو منه بلطف ،ويسبح على ثبج معانيه ،بتأنٍّ، وتؤدةٍ،وحيطةٍ وحذرٍ،رويداً..رويداً ،إنه يحتسي معانيه جرعةً..جرعة،ويقترب من لهيبه خطوةً …خطوة ..ويستنشق عبيرَه ،وشذاه شهقةً..شهقة ..إنه يتعامل معه  تعامله مع قارورةِ عطرٍ نادرٍ نفيس يخشى أن ينفذ منه، ويُحرم من نسيمه العليل الذي يملأ نفسه ،ومسامّه،ووجدانه متعةً،وروعةً، وإنتشاء.

لآلئ تسقي نرجساً

 ما كتبته الدكتورة نادين عن (لعنة ليليث) جاء فى كلمات رائعة ،وحروف ناصعة، باقات بلّورية من الجمال الأخّاذ الذي  يحلّق بنا فى الأفق البعيد، ويحوم بنا فى الفضاء اللاّزوردي الفسيح ، ثمّ ينسكب هاطلاً كأتيٍّ منهمرٍ من فوهات هذه التعابيرالموفية  كرذاذ سحريّ آسر ،وشذى عطر ساحر،  ونسائم صباه تفجّر ميازيب الدّموع .. كأنّها لآلئ تسقي نرجساً وتجعل الأنثى الحالمة تعضّ على العنّاب بالبرَد..فرحاً ،وجذلاً، وإبتهاجاً ،وإهتياجاً فتشعل القناديل،  وتوقد الشموع فى محفلٍ مخمليٍّ راقصٍ إحتفاءً بهذا البيان الرّشيق. فإذا الكلمات فى صفوفٍ مُتراصّة متساويةٍ منحنيةِ الهامة ،مطأطئة القامة، إكباراً لهذه الدوحة العظمىَ.. دوحة اللغّة وجلالها، وإحتراماً لرأي القارئ  والقارئة  أترك لهما فرصة الحُكم  ليعطيان  للكاتبة  من الثناء والإعجاب ما يجود به طبعهما ،ومدى قدرتهما على إستغوار ،وإستبطان ،وإستكناه هذا الموضوع العميق كلٌّ حسب طبعه، ونبعه،وفرعه، وأصله ومستواه.

ونعود مع الكاتبة الزّمان القهقرىَ فالموضوع يتعلق بالمرأة وليس أيّ إمرأة بل المرأة الجميلة الذكية الفاتنة السّاحرة  ويجول بخاطرنا ما ذهب اليه الكاتب الفرنسي”شارل بيغُوي”  الذي يَرَى أنّ العالمَ  قد تغيّر في الحقبة الزّمانية المحصورة بين القرنين المنصرمين ، أكثر من الفترة الزمانية الممتدّة من ولادة السيّد المسيح حتى عصرنا الحاضر. إنه يبرّر ذلك بكلّ بساطة لأنه كان شاهداً على كثيرمن التغيّرات،والتطوّرات التي طرأت على مختلف وسائل الحياة فى ذلك الأوان، ففى ذلك العصر ظهرت العديد من المُخترعات ، وأمكن إستغلال وقت الفراغ بشكل جيّد ، الحركة، الأخبار، الرّياضة، الأنشطة المُبتكرة، وسواها من مظاهر الحياة اليومية الأخرى، كلّ ذلك كانت له جذور،وأصول، وتأثيرات مباشرة وفعّالة على التغيير الجذري الذى عرفه عالمُنا المعاصرفى  مختلف مظاهر ومرافق الحياة أطلق عليه الكاتب  : “روح العصر ” التي مسّت (الرّجال والنساء) على حدٍّ سواء ومن هنا طفقت تبرز بإلحاح مطالب تحرير المرأة،وتمرّدها، وإشراكها بشكلٍ فعّال فى النهضة الجديدة التي بدأت تعرفها المجتمعات العصرية.

   فاتنات صنعن التاريخ

و يتعرّض  الكاتب الرّوماني “أوجين ويبر” للتغيير الهائل الذى عرفته المرأة في خضمّ هذه التطوّرات التي بدأت تطرأ على المجتمعات الجديدة منذ الأزمان السحيقة فى التاريخ، منذ عشتار أو عشتاروت البابلية، أو منذ بلقيس السبأئية ، أو منذ كليوباترة المصرية ، أو بالأحرى منذ شهرزاد الألف ليلية،أو الملكة زنّوبيا التي حكمت تدمر،أو زرقاء اليمامة النجدية، أو منذ الملكة الأمازيغية ديهيا،أو الأميرة الشاعرة الأندلسية ولاّدة بنت المُستكفي،أوفاطمة الفهرية بانية أقدم جامعة فى العالم فى فاس وسواها ممّن طبعن وصنعن تاريخ البشرية بإعجاب وعُرفنَ بجمالهن الفاتن، وذكائهنّ الوقّاد.ومع  كلّ ذلك ظلّت القوانين الغربية  حتى عهد قريب تعتبر المرأة مخلوقاً ناقصاً، لا يُسمحُ لها بأداء حتى  الشّهادة في المحاكم ،وبدأت تظهر بالتالي إرهاصات لبداية تحرّرها وإنفتاحها ،وفكّ القيود والحصار عنها. ويُخبرنا الكاتب أنه في هذه  الحقبة أمكن للمرأة لأوّل مرّة أن تفتح حساباً مصرفيّاً خاصّاً بها ، وأن تحصل على رسائل جامعية عليا مثل الدكتوراه . وفي (1900) سُمِح للمرأة لأوّل مرّة في فرنسا الإلتحاق بكلية الحقوق كباقى زملائها الرجال، مع  هذا التحوّل طرأ على “الموضة” تغيير كبيرحيث أصبح رداء المرأة بسيطاً يخلو من التعقيدات الهجينة،والأنسجة الفضفاضة ، والبَهْرَجة المتوارثة التى كان يفرضها عليها العصر، وتقيّدها بها التقاليد.

راحةُ الجندي بعد المعركة..!

  وعلى الرّغم من التقدّم الهائل الذي أحرزته المرأة فى مختلف المجالات فى عصرنا الحاضر، فإنها  ما زالت  – مع ذلك- فى نظر البعض تلك ” الإلزَا  تريوليه” مُلهِمة الكاتب الفرنسي المعروف “لويس أراغون” ،ذات العيون السّاحرة التي يتوق إليها كلّ شاعر، أو أديب، أو فنّان،أو مبدع ليستلهمَ من سحرها،وحدّة ذكائها، ورَوْع دهائها،ورقّة دلالها ، وطلاوة عذوبتها، وتواتر عذاباتها، موضوعاتٍ  لشِعْره، وفِكْره، وفنِّه، وأدبِه،وإبداعاتِه. ومثلما كانت المرأة – فى عُرْفهم – مَصدرَ إلهام ووحيٍ وإبداع لدى الكثيرين، فقد شطّ الخيالُ لدى بعض المفكرين الآخرين بالمقابل فى وصفها وصفاً مُجْحِفاً، – حتى وإن كان فى مستوى ” فردريك نيتشه ” – حيث قال عنها ذاتَ مرّةٍ مُستهتراً ،هازئاً،مُزدرياً، متجنّياً ، متعالياً، ومُبَالِغاً :” إنّها راحةُ الجندي بعد المعركة..  !

العاطفة الجامحة والفكر الخالص

كان فردريك نيتشة يقاسمُ مُعاصِرَه الموسيقار رتتشارد فاغنر حبّ الغادة الإيطالية الحسناء لُوسَالُومِي ، فالأوّل كان يمثّل بالنسبة لها الصّرامةَ،والشّهامة، (الفلسفة والعقل أو الفكرالخالص )، وكان الثاني يمثل العاطفةَ المتأجّجة ، والرقّة والعذوبة ،والخيال المُجنّح( الموسيقى والقلب أو العاطفة) وبعد حيرة وتردّد بين هاذين العبقريين مالَ، وإزورّ قلبُ الحسناء أخيراً إلى ريشارد فاغنر فأحبّته دون نيتشة، فشَعَر هذا الأخير بغيرةٍ شديدةٍ، وحنقٍ، ونكدٍ، وضنكٍ،ومضضٍ، وألمٍ، وإمتعاض ،فكان من فرط غيظه وغضبه يصعد إلى غرفة صغيرة منزوية توجد فى سطح منزله ويحزّ أصابعَه بسكّين حادّ حتّى تُدْمىَ أناملُه ، وعندما أخذ منه الإحباط كلّ مأخذ فى الظفر بحبّ وقلب معشوقته لوسالومي، قال معلّقاً على هذا الحدث الذي أثّر فى حياته تأثيراً بليغاً قولتَه الشّهيرة التي ما فتئ العشّاقُ، والمتيّمون الوالهون الذين لم يظفروا بقلب معشوقاتهم يردّدونها إلى اليوم ، قال ساخراً ،متهكّماً ،مُزدرياً، مُنتقصاً من قيمة الموسيقار فَاغْنر : “لقد حلّق طائرٌ فى سماءِ حبّي ، وإختطفَ الملاكَ الذي أحببتُ ، ولكنّ عزائي الوحيد أنّ هذا الطائر لم يكن نِسْراً !.. ويرى كثيرون أنه ما من نجاحٍ، أو فلاحٍ، أو تطوّرٍ،أو تغيّرٍ، أو قفزةٍ، أوطفرةٍ إيجابيةٍ فى تاريخ البشرية، وفى مسار الناس،والحياة،والبشر إلاّ وكان للمرأة دخل أو يد فيها،ولولا ذلك لما قال “نابليون” فى المرأة.. (وراء كلّ عظيم إمرأة ).. ! ولما قال هو كذلك فى نفس السّياق : (إنّ التي تهزّ المهدَ بيسارها، تحرّك العالمَ بيمينها ) ! ولولا ذلك  لما قال” باسكال” عن كليوباترة: ( لو كان أنفها مستقيماً لتغيّر وجه التاريخ ).. ! ومن حُسن الحظّ كان مُحْدودباً، ولم يكن مستقيماً،ولذلك لم يتغيّر وجهُ التاريخ ..!.

بين عيشة وعشتاروت

جاء فى كتاب “تاريخهم من لغتهم” للكاتب العراقي الراحل عبد الحقّ فاضل تحت عنوان (عيشة قنديشة): ” أنّ  المستشرق الإسباني م. خوليو الأستاذ بجامعة مدريد كان قد ألقى فى مدينة  “تطوان”(شمالي المغرب)  محاضرة بسط فيها مدى تأثير الحضارة البابلية فى الشمال الإفريقي ،وذكر أنّ عيشة قنديشة (سيّدة المستنقعات) كانت إمرأة جميلة تغوي المارّين المنفردين كلما إستوحدتهم ،وإرتأىَ هذا الباحث أنها من مخلّفات آلهة الحبّ الفينيقية عشتاروت”. وبالنسبة للأنثربولوجي الفنلندي (وستر مارك) يتعلق الأمر بمعتقدات تعبّدية قديمة، ويربط بين هذه الجنّية المهابة و(عشتار) إلهة الحبّ القديمة لدى شعوب البحر الابيض المتوسط من القرطاجيين، والفينيقيين، والكنعانيين، وأشير أنه حسب بعض الروايات  الأخرى فعيشة قنديشة شخصية حقيقية ،وهي إمرأة تنحدر من الأندلس، من عائلة موريسكيّة نبيلة طردت عائلتها من هناك، عاشت في القرن الخامس عشر وأسماها البرتغاليون بعيشة كونديشة أي الأميرة عيشة (الكونتيسا   LA COMTESSE أوcontessa.. وبالنسبة للكاتب فإنّ إسم (عيشة) تحوير آخر لواحدة من الصّيغ الكثيرة التي مرّت بنا  يقصد تحوير لإسم عشتار أو عشتاروت. وتجدر الإشارة أن ما أورده المؤلف بشأن  عيشة  بأنه تحوير لعشتار أو عشتاروت  أو بالأحرى ل (ليليث) فإنّني أستبعد ذلك لسببٍ بسيط وهو أنّ هذا الإسم (عيشة ) إن هو إلاّ تصغير لإسم عربي أصيل وهو ” عائشة” وتصغيرُه  التلطيفي : عُويشة، ثمّ حُذفت الواو، وكسرت العين للتخفيف ، وهناك صيغ أخرى كثيرة ومشهورة متداولة فى العامية المغربية لهذا الإسم  منها : عائشة، عايشة، عيشة، عشُوش، عشوشة، عيوش.

 بعض هذه الأسماء وردت فى أعمال عبد الحقّ فاضل  خاصّة فى كتابه ” هو الذي رأى” أو ملحمة جلجامش حول هذه الملحمة البابلية الرافدانية العريقة التي أضفى عليها المؤلف باستكناه ما جاء فيها من معانٍ انسانية خالدة ،رونقاً وبهاءً ، حتى بلغ به إعجابه بها حدّاً جعله يطلق عليها ثامنة أعاجيب العالم القديم. إننا نجد بطل المسرحية البابلية يحاول أن يحصل على عشب الخلود والأبدية بعدما اكتشف خطر الفناء بموت صديقه أنكيدو ،فصار يتربّص بنفسه الدوائر حتى أصيب بنوع من الهلع والخوف والتردّد وأصبح شاغله الأوّل هو العثور على هذا النبات الذي يحميه من سطوة الحِمام،واذا فشل جلجامش فى استغلال ذلك النبات بعدأن اختطفته منه الأفعى (ليليث ! ) فأخفق من ثمّ فى القضاء على الموت،فإنّ المؤلف فى مسرحية له  بعنوان ( 4 نساء و3 ضفادع) يقرّر أنّ سكان أبناء المستقبل قد تغلّبوا على هذه المعضلة فقتلوا الموت..! ويُذكّرنا  ذلك بقول المتنبّي : تمرّستُ فى الآفات حتّى تركتها … تقول أمات الموتُ أم ذُعر الذّعرُ.؟!.

وسكتت عن الكلام المباح..!

تشير الدكتورة نادين: ” أمّا أشهرُ ما عُرفت به ليليث فهو تمرّدها على سيطرة آدم عليها فهربَتْ منه وتزوّجت بالشّيطان…(يذكّرنا ذلك بفاوست الملعون لجُوته الذي باع نفسه للشيطان أيضاً)  لن أكملَ سرد الأسطورة عن هذه الإلهة المنفيّة من الجنّة لأنّها تمرّدت على بعلها، لأنّ رواية ليليث لم تصل بعد إلى خواتيمها إلى يومنا هذا.ليليث إمرأة خارقةُ الأنوثة ملعونةٌ من الملائكة  متمرّدة مُغويةٌ فتّانةٌ تصطادُ الرّجال وتدمِّرهم بحيَلها المحنّكة، هل أقول ليليث أم أقول الصّورة النمطيّة لكلّ أنثى أسعفها القدر بالجمال القتّال المتآمر مع الذكاء الحادّ؟ “. “مشكلة ليليث أنّها أعلنت إعتقادها بالتّساوي مع آدم ورفضت الخضوع له فعاقبها الكون بالنّفي إلى أحضان الشيطان، لكنها لم تُدفن مع الآثار البائدة لأن لعنتها لاتزال حتّى يومنا تلاحق النّساء لا ليس كلّ النّساء بل النّساء الجميلات الذكيّات الموهوبات والمتمرّدات على الفكر الذّكوري الذي سخّر كلّ طاقاته لتدجين المرأة وتحويلها إلى عاهة خرساء”.

 وتخلص الكاتبة  إلى النتيجة التالية الحتمية: “الجميلات يا سادة – حتّى ولو كنَّ مثقّفات – متّهمات بالليليثيّة… محظورات في اللاّوعي الثقافي والإجتماعي محكومات بالأطر النّمطيّة المكرّسة . فالجميلات دمًى تُعرضُ في السّهرات والصالونات للتباهي بمظهرهنَّ ومعظم الذّكور يفضِّلن أن يخْرسْنَ تحت شعارٍصارخٍ عنوانه: “كوني جميلة واصمتي..”.!  وهكذا تعلنها الكاتبة صيحة صارخة فى وجه التسلّط الذكوري المتعنّت متباهية مرتقية بجمالها وذكائها إلى أعلى عليّين: “نحن الذين نمثّل جمالَ الخالق في روعة خلقه عندما تفرّغَ في صنعِه وجبَلَ الذكاء والفنّ والإبداع في حُلّةٍ من بهاء نعترضُ على عقدكم يا سادة…نعترضُ لأنّنا العقل الواعي في تجلّيه الرّاقي….والحلّ واحدٌ أحد طالما أنّكم عاجزون عن عزلنا وإرسالنا إلى كوكبٍ آخرأو إلى جزيرةٍ معزولةٍ فنحن هنا سننجبُ أطفالاً أنقياء ونعلّمهم حبّ الجمال وتقديره واحترام النّساء وعشق الخالق وحماية الكائنات والطبيعة و…التّمرّد ! سندرّبُ الأطفال على رؤية جديدة للحياة لا تُشبهُ عقمكم ولا تُشبِه أمراضكم النّفسيّة ولا عفنكم المحنّط سنحاربُ كالأمازونيات ونقطع الورم الخبيث الذي زرعتموه من أسلافكم…” !

*كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here