د. محمّد محمّد خطّابي: عَبْدُ الرَّحْمَن الدَّاخِل..صَقر قريش الذي حلَّق عَالِياً فى سَمَاء الأندَلُس

د. محمّد محمّد خطّابي

عبد الرحمن الداخل، الملقّب ب “صقر قريش “، أوّل من وطئ أرض الأندلس من الأمويين، رجل ملأ الدنيا وشغل الناس، وُلد عبد الرحمن الداخل في دمشق في آذار731، وتُوفّي في قرطبة في أيلول 788م. ولقد ترسّخت هذه الشخصية التاريخية الفريدة في تاريخ الأندلس على إمتداد العصور والدهور، فمثلما نحتفي نحن بهذه الشخصية العربية، التي لعبت دوراً حاسماً في إقامة أركان صرح الدّولة الأموية، وبناء الحضارة العربية في الأندلس، كذلك يحتفي بها الإسبان اليوم على إختلاف مشاربهم من دارسين، وباحثين، ومؤرخين، وساسة، وشعراء، ومفكرين، وسينمائيين، فها هو ذا تمثاله أو مُجسّمه الشامخ يرتفع تسعةَ أمتار في الأعالي، في عنان الفضاء الواسع على ساحل مدينة المنكّب الإسبانية، وقد رُفِعَ على أكمة في المكان نفسه الذي نزل فيه عبد الرحمن الاوّل على أديم أرض هذه الجزيرة المحروسة سنة 755م. ومن ضمن ما كُتب على الرّخامة التذكارية الموضوعة أسفل التمثال العملاق، أبياته الشّهيرة التي يقول فيها:

تبدَّتْ لنا وسط الرُّصافةِ نخلةٌ/ تناءتْ بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ

فقلتُ شبيهي في التغرّب والنَّوىَ / وَطُول التنائي عن بنيَّ وعن أهليِ

نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ / فمثلكِ في الإقصاء والمُنتأىَ مثليِ

سقتكِ غوادي المُزْنِ من صوبها الذي  /   يَسِحُّ وتَسْتمرِي السِّمَاكيْن بالوبلِ.

فيلم سينمائي عن صقر قريش

لهذه الشّخصية الفذّة، أو بالأحرى لهذا الصّقر القُرَشي الفريد بشبابه النضر، وبُعد نظره الثاقب، وبحكمته البليغة وطموحه المبكّر، حظوة كبيرة اليوم خاصّة لدى الاسبان، كتّاباً، وشعراء، ومسؤولين، بل ومواطنين عاديّين، وقد صدرت بشأنه في إسبانيا عدّة كتب ودراسات، وعُقدت حوله الندوات واللقاءات في مناسبات شتىّ، هذه الشخصية التي استحوذت على قلوب الاسبان، توّج إعجابهم الجماعي بها بإنتاج فيلم سينمائي مطوّل كبير حول حياة هذا الأمير، الذي هيّأ لي القدر فرصةً مشاهدته والإستمتاع به مؤخّراً في نسخته الإسبانية. وعلى الرّغم من أنّ الفيلم حقّق نجاحا منقطع النظير في إسبانيا منذ بضع سنوات، إلاّ أنه لم يحظ بكبير إهتمام حتى الآن في البلدان العربية، ترجمةً أو دبلجةً، أو توزيعاً أو تعريفاً، أو إنتشاراً أو ذيوعاً.

والمنكّب… التي نزل بها عبد الرحمن الداخل مدينة ذات إسم عربي فصيح، يُطلق عليها الإسبان في الوقت الحاضر إسم ألمُونييكر Almuñecar، وهي ثغر جميل يقع على بعد 80 كلم من مدينتي مالقة وغرناطة، وأوّل ما يثير الانتباه في هذه المدينة ويفاجىء زائرَها، عربياً كان، أم أمازيغياً أم أجنبياً ويملأه فخراً، واعتزازاً، وإعجاباً هو تمثال عبد الرحمان الداخل صقر قريش الذي ينطلق شامخاً في عنان الفضاء بمحاذاة شاطىء البحر الأبيض المتوسط، في عين المكان الذي حطّ فيه رحله على أرضَ إسبانيا. وقد تمّ تنظيم العديد من التظاهرات الثقافية بهذه المدينة في تواريخ متفاوتة، ومناسبات شتّى حول فنّ العمارة في الأندلس بشكل خاص، والطبّ الأندلسي فضلاً عن لقاءات أخرى عديدة حول الشعر، والأدب، والتاريخ إلخ، والتي تشرّفتُ بالحضور فيها، والمشاركة في فعالياتها، وأعمالها في العديد من المناسبات.

طريق الشّمس

شريط عبد الرحمن الدّاخل أو صقر قريش الذي وضعوا له عنوان الأندلس طريق الشمس، تمّ تصويره في منطقة أرفود بجنوب المغرب، وقد قدّم هذا المشروع السينمائي الكبير للعالم صفحةً ناصعةً بيضاء من صفحات تاريخنا المجيد في الأندلس. وقد ركّز الشريط على فترة زمنية معينة تنحصر في فرار عبد الرحمن الداخل من بطش العباسيين، ومعايشته لتجارب مريرة وقاسية في الصّحراء مختفياً، متنكراً حتى وصل إلى قبيلة نفزة البربريّة بشمال إفريقيا موطن أخواله البربر لأن أمّه كانت نفزاوية.

وفي هذه القبيلة سوف يبلي الداخل البلاءَ الحسن في الفروسية، وركوب الخيل، ومواجهة الصّعاب، والتمرّس على المحن، ومعايشة البربر الأمازيغ في أفراحهم، وأتراحهم، وتغنيهم بالطبيعة، وعشقهم للحريّة، والحياة الكريمة والتحلّي بالشجاعة والمروءة والأنفة، بل إنه سوف يتزوج ابنةَ زعيم البربر هلال، ثم سوف يهيئ له صحبه في ما بعد، بخاصة مولاه بدر مع بعض مساعديه وأنصاره إنطلاقاً من المغرب بالقرب من مدينة سبتة المغربية السليبة، أسباب الانتقال إلى الأندلس ونزوله بمدينة المنكّب، ومواجهته لجميع المخاطر التي تحاك هناك… وبعد أن إستتبّت له الأمور، أقام أركانَ الدولة الأموية في الأندلس، وتمّ تنصيبه أميراً، حيث طفق يجني الإنتصارات، ويحقّق العمران، ويعمل على توحيد صفوف الفاتحين من مُضريين، ويمنيين، وبربر، ونبذ الخلافات، والمنابذات، والمشاكسات في ما بينهم، ويبني مجتمعاً قائماً على التسامح الديني، والتعايش، والتساكن بين جميع الأعراق والأجناس.

حياة متنقلة

حريّ بنا، والحالة هذه، أن نلقي نظرة عَجْلىَ على أهمّ الأحداث التي واكبت عبد الرحمن الداخل وكيف تعرّض للعديد من المخاطر والصّعاب، منذ خروجه من الشام ودخوله الأندلس. فبعد إنهيار الدولة الأموية، إنطلق العبّاسيون يقتفون أثرهم في كل مكان، ويسُومُونهم أقسى أنواع العذاب والتنكيل، ويطالبون بالقضاء على كلّ من كان ينتمي إلى بني أميّة، وكان أشدّ الناس تنكيلاً، وبطشاً بهم الأمير عبد الله بن علي العباس، المعروف بالسفّاح.

وكان السفّاح – حسب ما تذكر كتب التاريخ – قد لجأ إلى حيلة، حيث أظهر للأمويين الأمانَ، ووعدهم بالصّفح عنهم، إلاّ أنه إنقضّ عليهم بعد جمعهم في وليمة وقضى عليهم، ولما إنتهى إلى عبد الرحمن الداخل خبر ذلك الفتك، نجا بنفسه، وفرّ هارباً متنقلاً من بلد إلى بلد، وهم يطاردونه حتى وصل إلى قبيلة نفزة بشمال إفريقيا. ثم فكّر في الإنتقال إلى الأندلس نظراً لما كان يسودها من فتن وخلافات، وقلاقل وحروب مستعيناً بموالي بني أمية في الأندلس، وقد ركّز الشريط على الجانب المتعلق بالشّطر الأوّل من حياة عبد الرّحمن، وَوُفِق المخرج في إظهار غِلْظة وقساوة بني العبّاس في تلك الحقبة، والبطش الذي ألحقوه ببني أمية، معتمداً على إبراز اللّون الأسود شعار بني العباس، موظِّفاً التصوير البطيء لإعطاء دلالة أعمق وأوقع للحدث، كما وُفِّق المخرج في تصوير حياة عبد الرّحمن الدّاخل متنقلاً بين الفيافي، والمهامه، والمفاوز، والقفار، وجنود بني العباس يقتفون أثرَه، ويطاردونه ويتبعون أخبارَه، ويغرون بالأموال الطائلة مَنْ يستطيع الفتكَ به أو إلقاء القبض عليه.

كان عبد الرحمن الداخل، حين وقوع هذه الأحداث، ما زال شاباً يافعاً في مقتبل العمر لم يتجاوز العشرين من عمره، إلاّ أنه كان يتّصف بحكمة الشيوخ الذين حنّكتهم التجاربُ وَمِحَن الحياة، وقد إستطاع صحبة قلّة قليلة مِمّن آزروه وساندوه ثلاثمئة أن يقهر العصبيات ويهدّئ من رَوْع النزاعات، والمنابذات، ويواجه أكبرَ دولتين في ذلك الوقت، وهما دولة بني العباس في المشرق، والدولة الشارلمانية في أوروبا.

موقعة المصارة

لم يتعرّض الشريط لموقعة مشهورة وفاصلة في حياة عبد الرحمن الداخل غداة وصوله إلى الأندلس، وهي واقعة المصارة على نهر الوادي الكبير سنة 775م، حيث راسل عبد الرحمن خصمَه يوسف بن عبد الرحمن الفهري عارضاً عليه أنه في أيام عيد الأضحى لا يصحّ سفك الدماء، إلاّ أنه إقترح عليه عبور النّهر، فلمّا تحقق له ذلك، إنقضّ عليهم وحقّق النصر ثم دعا لنفسه أميراً للأندلس، حيث دخل قرطبةَ ظافراً، وكان ذلك بداية تأسيس الدولة الأموية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

كما لم يبرز الشريط بشكل موسّع صراعه ووقوفه أمام القوتين العظميين آنئذ، وهما دولة العباسيين وشارلمان ملك الفرنجة المشار إليهما من قبل. لم يبرز محاربته لأبي العلاء بن مغيث، الذي كان والياً على إفريقيا لأبي جعفر المنصور، فأراد أن يقضي على عبد الرحمن وأن يجعل الأندلس ولايةً عباسية. ولا حملة هشام بن عبد ربه الفهري، الذي ثار في طليطلة تمهيداً لحملة أبي العلاء ودعا هو الآخر لبني العباس، إلاّ أنّ عبد الرحمن زحف على طليطلة وشدّد عليها الحصار حتى سقطت المدينة في يده. واجتاز أبو العلاء إلى الأندلس في سبعة آلاف مقاتل ونزل إقليم باجة حيث إعتصم الداخل ب قرمونة مع سبعمئة محارب مدة شهرين، ثم قام وأمر بنار، فلما أوقدت، طلب من أصحابه بأن تلقى أجفان سيوفهم فيها، وقال لهم حسبما ورد في أشهر الروايات: أخرجوا معي خروج مَنْ لا يحدّث نفسَه بالرّجوع. وهجم عبد الرحمن وصحبُه على خصومهم وقضوا عليهم قضاءً مبرماً.

غفل الشريط الهزيمة المنكرة التي ألحقها عبد الرحمن بشارلمان ناحية سرقوسطة فانسحب متكبداً خسائر فادحة. غير أنّه بيّن قضية تزلّف وتودّد شارلمان لعبد الرحمن ودعوته لعقد معاهدة يأمن فيها كل منهما جانب الآخر، فعرض عليه المصاهرة بتزويجه إبنته دعماً وتوثيقاً للرابطة بينهما، إلاّ أنّ هذه المصاهرة لم تتمّ.

أسباب نجاح الفيلم

ومن العناصر التي هيّأت لهذا الشريط أسبابَ النجاح: خلوّه من أيّ ميول نحو أيّ جانب على حساب الجانب الآخر، بل إنه حاول تقديم الأحداث بنزاهة معتمداً على الرّوايات التاريخية الشهيرة حول شخصية عبد الرحمن. لم تتّسم أحداث الفيلم بالبطء، بل لجأ المخرج إلى توظيف الظروف المتداخلة التي مرّت بعبد الرحمن الداخل في شكل قَصَصِي شيّق ومتتابع معتمداً على الحركة، والإثارة، والإنتقال من مشهد إلى آخر، مع إستخدام عنصر التشويق بذكاء. مراعاة الشريط لتقاليد كلّ بلد أو بقعة تدور فيها الأحداث من أزياء و غناء وفولكلور.. إلخ.

تنتقل أحداث الفيلم ما بين المشرق العربي، وشمال افريقيا، والأندلس. الموسيقى التصويرية كانت رائعة وقوية وعنيفة تنسجم مع التطلع، والفوران اللذين كانا يعتملان في نفسية عبد الرحمن القلقة، وتترجم الطموح الكامن بداخله. التركيز على عناصر لها صلة مباشرة بحياة العرب، والبربر وارتباطهما بها، بل والنظر إليها بفلسفة خاصة، القمر، الذي يتحوّل فجأة إلى هلال، وهو رمز لشعائر المسلمين، البحر الذي لعب دوراً مهمّاً في حياة عبد الرحمن الداخل، فلولاه لطالته سيوف العبّاسيين ونبالهم، وهو الذي ركبه ونجا، ووراءه كان ينتظره عالم آخر جديد، آزره وسانده، وساعده على تكوين الدّولة الأموية من جديد. يضاف إلى ذلك عنصر الصّحراء، والجِمال، والخيول، والإبل، والخيام، فضلاً عن إستغلاله لعامل الطبيعة القيظ، الزمهرير، الغروب، الفجر، الغسق، الشفق كلّها رموز تعبّرعن القلق الداخلي، والتطلّع أوالتحوّل الذي كان يعتمل في داخله، وتوقه نحو الهدف الذي كان يسعى لتحقيقه. وبالجملة سلّط الشريط الأضواءَ الكاشفةَ على صفحة مشرقة من صفحات تاريخ العرب والأمازيغ في الأندلس حيث قامت حضارة إنسانية راقية من طراز رفيع أشعّت على العالم المعروف في ذلك الإبّان .

وكانت شخصية عبد الرحمن الداخل قد جُسِّدت كذلك من جهة أخرى في مسلسل يحمل عنوان : صقر قريش، من إخراج السوري حاتم عليّ، وقد تمّ تصويره في كلّ من المغرب وسوريا، و قد جسّد دوره الممثل السوري المعروف جمال سليمان، واشتركت فيه نخبة من ألمع نجوم الدّراما فى سورية والمغرب.

*****

* كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأميركية للآداب والعلوم  -بوغوتا- كولومبيا.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here