د. محمّد محمّد خطّابي: على هامش زِيَارَةِ العَاهِل الإسْبَانِيّ فيليبّي السّادِس الأخيرة للمغرب

د. محمّد محمّد خطّابي

عرفت العلاقات المغربية- الإسبانية على إمتداد تاريخهما الطويل الحافل مدّا وجزرا،وطبخا ونفخا، وفتقا ورتقا. فكما شهدت هذه العلاقات العديد من الحروب، والمواجهات،والمشادّات،والمشاكسات، والمنابذات، واالمناكفات، والتحدّيات ، والإخفاقات، فقد عرفت كذلك تقاربا، وتفاهما ، وتلاحما وتآزرا، وتعاونا مثمرا فى مختلف المجالات .

بلَدَان آخىَ بْيَنهُما التّارِيخ ُوعَاَنَقتْهُمَا الجُغرَافْيَا

لقد أصبح التعاون والتفاهم والتعايش والتداني بين البلدين الجارين المغرب وإسبانيا أمرا محتوما لا مندوحة عنه،كما أصبح التغلّب على المشاكل، وتسوية الخلافات، وتجاوزالأزمات، وتذليل العراقيل والصّعاب أمرا لا مناص منه كذلك. إنّ المغرب واسبانيا بحكم الموقع الذي فرضته عليهما الجغرافيا، والمصير الذي هيّأه لهما التاريخ، والماضي الذي تقاسماه، وأقاما دعائمه ورونقه معا ، والثقافة المشتركة التي نسجا خيوطها سويّا، وانصهرا في بوتقة حضارة واحدة متألقة، كلّ ذلك  يجعل منهما – كما قيل ويقال دائما فى هذا الصدد- بلدين محكوم عليهما بالتفاهم والتقارب، وهما مدعوّان- أكثر من أيّ وقت مضىَ – لزيادة تمتين عرى الصّداقة، وتوثيق أواصر المودّة، في هذه المرحلة الجديدة من علاقاتهما الثنائية فى عهد العاهل الشاب الإسباني فليبّي دي بوربون السادس الذي لابد أنه يعي جيّدا أهمية علاقات بلاده مع جاره الأبدي فى الجنوب المغرب،ولا جَرَم كذلك أنه سيقتفي خطوات والده العاهل الإسباني الأسبق فى إيلاء العلاقات المغربية الإسبانية المكانة المرموقة،والمنزلة المتميّزة التي هي قمينة بها،نظرا لتشعّب وتعدد القضايا العالقة بين البلدين فى مختلف المجالات السياسية ، والإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، والأمنية وسواها من القضايا الثنائية الشائكة التي تكتسي طابع الصراع أو النزاع مثل مسألة سبتة ومليلية، والجزروالجيوب المحاذية للأراضي والسواحل المغربية التي لمّا تزلْ واقعة تحت الهيمنة أو السيطرة الإسبانية فى زمن لم يعد فيه مكان لمثل هذه المفاهيم الإستعمارية البالية والبائدة التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع.

 والحالة هذه ينبغي للبلدين النظر إلى ماضيهما القريب،والبعيد بنظرة واقعية براغماتية، بل يجب عليهما طيّ صفحة المواجهات، ونبذ العقد والأحقاد، وإقصاء الضغائن والمنابذات ، ومحو الرواسب السلبية التي ما زالت عالقة على جدران ذاكرتيهما الجماعية، وتاريخهما المشترك،واستخراج، ونشر،وتأصيل العناصر الصّالحة والإيجابية لموروثهما الحضاري والتاريخي، والثقافي،والعلمي، واللغوي، وبداية عهد جديد تذوب فيه ومعه الخلافات، وتقلّص معه المسافات، في عصر أصبحت تنشأ فيه التكتّلات والتجمّعات الإقتصادية، والسياسية، والثقافية، والإنسانية بين الدّول، وتتبلور بشكل لم يسبق له مثيل وذلك بهدف خلق مفهوم “عولمي” جديد في مختلف ميادين الحياة ومرافقها المعاصرة .

البلدان الجاران يدركان هذا جيّدا ، كما أنّ هذا الإقتناع، وهذه البداهة لا يغيبان ولا ريب عن كبار المسؤولين فيهما وعن مختلف المحللين، والسياسيّين، والكتّاب، والمتتبّعين لمسار العلاقات بين الطرفين وتطوّرها،وتذبذبها  بين أخذ وردّ ،ومدّ وجزر، وصعود وركود.

التطوّر والحراك الهائلان اللذان أصبح يعرفهما المغرب في الوقت الرّاهن في مختلف المجالات من محاولة إستكمال بناء مؤسّساته الديموقراطية ، والتّوق نحو إجراء اصلاحات جذرية في مختلف الميادين السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، والعلمية وفي مجال حقوق الإنسان وصون كرامته (مع التعثّرات وبعض العراقيل التي ما فتئت تشهدها الساحة السياسية المغربية بشكل يبعث على القلق فى هذه المجالات جميعها)  ، كلّ ذلك  كفيل- فى حالة تحقيقه لهذه المرامي والغايات-  بأن يجعله يصبو للسّير قدما بخطى حثيثة ليتبوّأ مكانه بين مصافّ الامم كبلد عصري حديث ، مع تشبّثه بقيمه، ومبادئه، وثوابته االأصيلة، وماضيه العتيد.

زمن الزّهو الإستعماري

إنّ وضع التجافي والتباعد الذي يطبع العلاقات المغربية الأسبانية منذ أعقاد خلت ، بين الفينة والأخرى،يرجع في الأساس الي موروثات تاريخية، وعوامل عدّة لا تخفى على أحد في الضفتين المتجاورتين المطلتين الواحدة على الأخرى ،لقد آن لجيراننا أن يعرفوا ويتيقنوا أنّ زمن المقولة الشهيرة والمأثورة ” السّاحل خالٍ من المغاربة” (No hay  moros en la costa ) كناية على مثل دارج عندهم كثيرا ما تلوكه ألسنة الإسبان يفيد بعدم وجود الخطر الداهم على سواحلهم قد ولّىَ، ومضىَ بدون رجعة، فالعقليات قد تبدّلت ، والأجيال الحاضرة قد إرتقت سلاليم الوعي والإنفتاح والتعايش، وقبول الآخر، وإستيعاب التنوّع الثقافي والهويّاتي ، وتقبّل التعدّد العرقي والإْثنِي أصبح أمرا واقعا في مختلف أصقاع وبقاع المعمور لا مندوحة لنا عنه.

ينبغي علي جيراننا التحلّي بروح العصر، والنظر الى الأمور بواقعية وتبصّر وحكمة، فزمن الزّهو الإستعماري قد مضى لحاله وإنصرم بلا رجعة ، ينبغي عليهم  قبول النزاعات ومعالجتها بجرأة، وموضوعية،، هذه النزاعات التي فرضت على البلدين قهرا وقسرا في زمن لم تكن مفاهيم السيادة و الحرية والإنعتاق قد تبلورت، والنظرة الشوفينية الضيّقة لم تعد تجرّ على البلدين سوى التعنّت والعناد، وجيراننا الإسبان مشهورون بالعناد، ولهم فيه اليد الطولى، والباع الممدود، وهو ما يطلق عليه سكّان الرّيف (الذين يعرفون الإسبان جيّدا، ولهم معهم معايشات، وصَوْلات وجولات.. ! ) “تاغنّانت” ، فحتّى “هِتلر”شهد لهم بذلك، فقد أبى وامتنع  ذات مرّة في أن يلتقي من جديد ب “الجنرال فرانكو”بعد لقائه الأوّل به خلال الحرب الكونية الثانية، حيث قال عنه قولته الشهيرة في هذا القبيل:”أفضّل أن يُنزع لي ضِرس بدون بنج على أن ألتقي ثانية بهذا الرجل..!.”

 هذا العناد ربّما هو الذي جعلهم يتماطلون،ويتمنّعون حتى الآن فى تقديم إعتذار عاني من إسبانيا عن إستعمالها للأسلحة الكيمياوية الفتّاكة ظلما وعدوانا فى حرب الرّيف التحرّرية الماجدة  ،  إلاّ أن العديد من المثقفين الإسبان،والمغاربة يأملون فى أن يُقْدِم العاهل الإسباني فليبي السادس على هذه الخُطوة الشجاعة فى مستقبلٍ قريب  .

إنّ وضعية العلاقات المغربية الاسبانية فى الوقت الرّاهن،وفى ظّل هذه الزيارة التاريخية للعاهل الإسباني تدعونا وتحذونا الى معاودة إلقاء نظرة تأملية متأنية، وإعمال النظر في بعض القضايا الهامة في المرحلة الحسّاسة من تاريخ هذه العلاقات، وما واكبها من أحداث وطنية ودولية وجهوية لابدّ أن يكون لها ولا شك تأثير على رسم  مسارها، وتحديد  معالمها حتّى تصل إلى ما هي عليه الآن. طموح وتطلّع البلدين في تطوير هذه العلاقات والرقيّ بها الى أعلى وأرقى المستويات لا يتوقّف باعتبارهما بلدين جارين متعانقين جغرافيا،آخى بينهما التاريخ، وانصهرا في بوتقة إشعاع حضاريّ وثقافيّ فريد في بابه في تاريخ الشعوب، يرسم مصيرهما التعاون الوثيق الذي لا محيد لهما عنه، ومن  ثمّ  تلك القولة المشهورة والمأثورة التي طالما ردّدتها الألسن  فى البلدين فى مختلف المناسبات : إنّ المغرب وإسبانيا .. بلدان محكوم عليهما بالتفاهم.. !. انّ عامّة الناس، وصفوة المثقفين فى كلا جانبي المضيق لا يلبثان من تكرار هذا التعبير المتداول ،فعلى الرّغم من انّ هذه الصّيغة مضبوطة وصادقة إلاّ انّها مع ذلك لا ينبغي ان تشطّ بنا بعيدا،  فالصداقة بين البلدين لا يمكنها ان تترعرع في ظلّ أو شكل حكم مفروض بواسطة قدرية جغرافية وحسب، بل لابدّ لنا ان نخطو خطوات أخرى الى الأمام بعزم وإرادة ،انّ كلا من القطاعات الاقتصادية والسياحية،والمبادلات التجارية، ومخططات التعاون والمشاريع الصناعية المشتركة الخ، لابد أن يواكبها تفاهم وتناغم سياسي براغماتي خصب،وأن يطبعها  تبادل ثقافي متنوّع ومكثف يزيد بلداننا تعارفا، وتقاربا أكثرمن ذي قبل ،لابد ّمن نسج،وتعميق وتوثيق المزيد من  أواصر المودّة بيننا، ومن توفير الاحترام المتبادل بين الجانبين.

التعدّد الثقافي

الحديث عن التعدّد الثقافي والتوّع الحضاري فى المغرب وإسبانيا يحلو و يطول، والتاريخ لا يُقرأ في هنيهة، إنّ الزّائر الذي يأتي لبلادنا أو يزور إسبانيا يلمس التاريخ والعمران المتشابه حيّا نابضا قائما في كل مظهر من مظاهر الحياة ، دراسة هذا التاريخ، و التعمّق فيه و إستخراج العناصر الصالحة منه أمر لا مندوحة لنا عنه،وهو أمر ينبغي ان يُولىَ أهميّة قصوى ،وعناية فائقة ،وتتبّعا متواصلا من طرف الدولتين والمثقفين ،والكتّاب،والمفكرين، والخواصّ ، ومن لدن مختلف الجهات العلمية والتاريخيىة والمرافق التربوية والتعليمية التي تعنى بهذه المواضيع للتعريف بهذه الذخائر،فى البلدين، ونشر الوعي وتأصيله  بشأنها لدى أبناء جلدتهما ليكون المستقبل الذي يتوقان إليه مستقبل رقيٍّ وأوج،وإشراق، وتلاق وتلاقح بين ماضٍ عريق، وحاضرٍ واعد ، ولعمري إنّ لفي ذلك تجسيدا وتجسيما للعهود الزاهرة التي عاشها أجدادنا فى شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب على حدّ سواء على إمتداد العصور الحافلة بالعطاء الثرّ ، والتعايش والتسامح، والإشعاع الثقافي والعلمي الباهر الذي شكّل وما يزال جسرا حضاريا متواصلا بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأجناس، والإثنيات ،والمِلل، والنِحل، والديانات فى هاذين الصّقعين الجميلين  وهما المغرب وإسبانيا.

هذا، ومن العلامات المضيئة لهذا الإنفتاح والتنوّع الحضاري، والتبادل الثقافي والتثاقفي العديد من العلماء، والمفكرين، والفلاسفة،والفقهاء، والشعراء والفنانين والموسيقيّين الذين عاشوا فى الأندلس ثم إنتقلوا إلى المغرب والعكس صحيح ، والأمثلة كثيرة، وافرة،ومتعدّدة، والأسماء لا حصر لها فى هذا القبيل، وحسبنا أن نشير فى هذا المقام إلى إسميْن بارزيْن فى التاريخ المشترك للمغرب والأندلس، وهما الفيلسوف الجهبذ، الفقيه العلاّمة إبن طفيل صاحب ” حيّ ابن يقظان”، وتلميذه قاضي إشبيلية ،وعالمها، وطبيبها، وفيلسوفها الذائع الصّيت أبو الوليد محمّد بن رشد اللذين إستقبلتهما حاضرة مراكش بحفاوة منقطعة النظير ، وبوّأتهما أعلى الأرائك، وأرقى المراتب، وملكتهما من أعنتها وقيادتها فاستطاب لهما العيش فيها واسترغداه،وأصبحا صاحب الأمر فى البلاد، ولقد وافتهما المنية فيها.

المثّقفون المغاربة والإسبان

 وإحياءً لهذا الماضي المشترك المشرق،وإسترجاعا للإشعاع الحضاري والثقافي والإبداعي الذي تقاسمه البلدان على إمتداد العصور والدهور إضطلعت  ثلّة من المثقفين المغاربة والإسبان فى الأعقاد الأخيرة بدورطلائعي فى تطوير وتفعيل وتقوية العلاقات الإسبانية المغربية ، فمنذ أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم نشرت مجموعة من  المثقفين، والكتّاب، والادباء، والمفكّرين المغاربة والإسبان- بمبادرة خاصّة منهم- بيانا صحافيا جريئا فى إحدى الصّحف الإسبانية الكبرى الواسعة الإنتشار، وفى بعض وسائل الإعلام الاخرى حيث طالبوا بضرورة تحريك وتفعيل العلاقات الإسبانية المغربية على مختلف المستويات ، وقد وقّع على هذا البيان 40 مثقفا من المغرب، و46 مثقفا من إسبانيا. من الموقّعين المغاربة : المهدي بنونة، محّمّد شقور،محمّد شبعة،لسان الدين داود،عبد الكريم غلاب، محمد بن عيسى،مصطفى اليزناسني،محمّد العربي الخطّابي، محمّد محمّد الخطّابي(كاتب هذه السطور) ،عبد الكبير الخطيبي،عبد الله العروي، محمّد اليازغي ، محمّد المليحي،محمّد العربي المساري،سيمون ليفي، محمّد الصبّاغ،علي يعته..إلخ.ونذكر من الإسبان: خوان غويتيسولو ،فرناندو أرّابل، بيدرو مونطافيث،خورخي سينبرون،فاثكيث مونطالبان، فيكتور موراليس،وآخرين.وقد طالب هذا البيان بضرورة إعطاء نفس جديد للعلاقات الثنائية بين البلدين ، وإذكاء روح التعاون والتفاهم والحوار بينهما فى مختلف المجالات السياسية، واالإقتصادية، والثقافية، والإجتماعية، والإنسانية..إلخ.وقد أفضت هذه البادرة المبكّرة فى ذلك الإبّان إلى تأسيس ” جمعية المثقفين الإسبان والمغاربة”التي نظمت فى البلدين ندوات وطاولات مستديرة دورية هامة حول مختلف اوجه التعاون الثقافي، والأدبي، والعلمي، والتاريخي وسواه بين البلدين. كما أسّست بعد ذلك” لجنة إبن رشد”التي تضمّ هي الاخرى نخبة من كبار المثقفين والأدباء والمفكرين، والشخصيات السياسية والإعلامية فى كلّ من إسبانيا والمغرب، والتي عالجت العديد من المواضيع والقضايا الحيوية التي تحظى باهتمام الطرفين.

هذا فضلا عن تأسيس العديد من الجمعيات الإسبانية المغربية سواء فى المغرب أو إسبانيا ذات الصّبغة الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والعلمية والفنية التي اصبح عددها يتنامى يوما بعد يوم، والتي تعمل هي الأخرى على تقريب الهوّة بين البلدين، والتعريف بطاقاتهما الخلاقة لتأكيد مزيد من التفاهم والتعايش بينهما فى مختلف الميادين ، وفى مقدّمة هذه الجمعيات النشيطة ” جمعية الصّحافيين، المغاربة الناطقين باللغة الإسبانية” التي تضمّ نخبة هامة من مثقفينا اللامعين الذين لهم باع طويل، ودراية واسعة بلغة سيرفانطيس وآدابها وثقافتها،إلاّ أنّ هذه الجمعية وسواها  تصطدم دائما بعثرة قلّة ذات اليد، وندرة الإمكانيات المادية وضآلتها إن لم نقل إنعدامها.

وفى نفس الإتجاه ودعما وترسيخا لهذه الجهود كان قٌد أعلن فى المغرب منذ بضع سنوات كذلك عن تأسيس ” مندى الحوار المغربي الإسباني”بمبادرة من جماعة من المثقفين ورجال الاعمال والسياسة المغاربة ، وكانت هذه البادرة قد جاءت لتؤكّد فى بلاغها: “تعبيرا عن إقتناعها الرّاسخ بأهمية العلاقات بين بلدين جارين، وضرورة تطويرها وتنويعها ، يربطهما التاريخ والجغرافية، بما يساهم فى إعداد هذه العلاقات لولوج عهد جديد، موسوم بطابع التعاون الشامل فى مختلف المجالات ، وذلك بإقامةوإرساء قواعد ثابتة ودائمة للحوار والتفاهم والتعايش بين الطرفين،ولكن ّ ووأسفاه.. بعض هذه الجمعيات إندثرت، وإمّحت، وتلاشت،وشلّت، وذهبت أدراج الريّاح.. !

                                  الصّراع ضدّ الجّهل

والد العاهل الإسباني فليبي السادس خوان كارلوس الأوّل خلال إحدى زياراته للمغرب السابقة كان قد قال:” انه من الضروري أن نتعارف أكثر فيما بيننا،فما أفدح الجهل المتفشّي فينا، ينبغي أن نمحي من رؤانا  المشتركة جميع الصّورالمشوّهة، والأفكار المسبقة الخاطئة، كما ينبغي أن نقصي عنّا جميع الرواسب، وأن نقضي على بعض التأويلات التي تحول دون تعرفنا ونطردها من أذهاننا،أظن أنّ اسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرهما معرفة عامة كجارين عاشا على امتداد التاريخ واحدا بجانب الآخر،ولقد فرّقهما الجهل أحيانا بشكل يجاوز كل حدّ”. ولا شكّ انّ العاهل الإسباني الحالي مقتنع بهذه الأفكار،ومتشبّع بمدى أهميتها وجدواها فى الظروف الرّاهنة التي تجتازها البلدان.

“انّ المهمّة الملقاة على عاتقنا لهي مهمة واسعة ومتشعبة،إذ ينبغي على اسبانيا ان تعمل على إعادة نشر لغتها وثقافتها في مجموع منطقة شمال افرقيا ،ففي الوقت الذي تفتح فيه للثقافة واللغة الفرنسية في البوتقة المغربية مجالات واسعة، فانه ينبغي على اسبانيا ان تسير في نفس التيار، وتعمل على نشركتبها هناك، وإيفاد الأساتذة والمحاضرين، وإقامة  جولات مسرحية ، وتنظيم عروض سينمائية، وعلى المغرب من جانب آخر أن يقوّي حضوره الثقافي باسبانيا ،وتبيان الصورة الحقيقية للثقافة المغربية الغنية للرّأي العام الاسباني بنشر أعمال كتّابه وفنّانيه وفولكلوره الثريّ،كما انه على الأوساط الثقافية الاسبانية ان تجري حوارا مستمرا ودائما مع النخبة  المثقفة المغربية ودعم كفاحها من أجل مغرب قويّ وعادل وديموقراطي”،كما ردّد أكثر من مرّة الكاتب الإسباني المعروف الراحل خوان غويتيسولو .

حضور دبلوماسي متواصل

من الواضح انّ الإرث التاريخي والثقافي والحضاري المشترك لكلّ من المغرب وإسبانيا يعتبر أرضية صلبة، وحقلا خصبا جعلا هاذين البلدين ينفردان  بخصوصيّات قلّما نجدها لدى سواهما من البلدان الأخرى ، ممّا أفضي الى خلق نوع من الاستمرارية الدائمة والمتواصلة في علاقات البلدين منذ الوجود الاسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية،وبإسبانيا على وجه الخصوص، ونزوح الموريسكييّن عنها، ثم منذ القرن السابع عشر عندما بدأ التبادل الدبلوماسي الفعلي بين البلدين بشكل انفرد به المغرب، وكان له قصب السّبق بالنسبة لباقي البلدان العربية والاسلامية، بل وبالنسبة حتى لكثير من بلدان العالم الأخرى حيث كانت البعثات الدبلوماسية، والرّحلات المغربية هي البعثات الوحيدة التي زارت ، وإستقرّت باسبانيا منذ وقت مبكّر بدءا أو إنطلاقا من بعثة ابن عبد الوهّاب الغسّاني سفير السلطان المولى إسماعيل خلال حكم العاهل الاسباني كارلوس الثاني (1691-1690)، ومرورابالزياني(1758)، وأحمدالمهدي الغزال(1766)، وابن عثمان المكناسي(1779)، والكردودي(1885) الخ.

هذه الاتصالات المبكّرة  والمتواصلة الحلقات بين المغرب واسبانيا خلقت نوعا من الاستمرارية  زادها العنصر الجغرافي القائم متانة وقوّة وتواصلا ،هذا فضلا عن العنصر الحضاري والثقافي الذي  يعدّ عنصرا  فريدا  في بابه كذلك في تاريخ الأمم ،كلّ هذه العوامل،  والخاصّيات ميّزت علاقات البلدين على إمتداد الحقب والعهود باعتبارهما جارين متقاربين، ولعمري انّ هذا التقارب والتواصل والحوار الدائم القائم الذي لم ينقطع ، ولم يفتر قطّ عبر القرون، لهو خير رصيد وضمان لبناء مستقبل  واعد حافل بالآمال والتطلعات والعطاءات.

بلدان محكوم عليهما بالتفاهم

إنّ إسبانيا تمرّ اليوم بظروف صعبة ومعقّدة وبقدر ما يكون المغرب فى حاجة إليها، فهي محتاجة إليه كذلك أكثر من أيّ وقت مضى، إنّ الأزمات الخانقة المالية، والإقتصادية ،والإجتماعية ، والإنتكاسات الداخلية ، والحراك الجماهيري، والغضب الطلاّبي ،والخناق الشعبي على الحكومة الإسبانية بعد الإجراءات التقشفية المقتّرة، والمبالغ فيها التي إتخذتها مؤخرا فى مختلف القطاعات الحيوية فى البلاد (تربية، تعليم، صحّة، ونظام المعاشات ..إلخ) ممّا اثّر على مستوى العيش فى إسبانيا، وخلّف  إستياء واسعا وتذمّرا كبيرا لدى مختلف الشرائح الإجتماعية الإسبانية على إختلافها ، فضلا عن معضلة تفاقم البطالة وتفشّيها التي ضربت رقما قياسيّا( فاقت خمسة ملايين عاطل) خاصّة بين الشباب الإسباني الذي أصبح يقال في حقه مؤخّراعلى سبيل الدعابة والمزاح: أنّه لم يعد أمامه في اسبانيا من حّلّ أو منفذ أو لمعضلته – فى خضمّ آفة البطالة التي أضحى يتخبّط فيها – سوى ثلاثة مخارج لا غير وهي : البحر، والبر،ّ والجوّ ( أيّ الهجرة بحثا عن الرّزق والقوت اليومي فى أرض الله الواسعة بحرًا وبرًّا وجوًّا.. !) ،وإنعكاس كلّ ذلك سلبا على الجالية المغربية الاخرى المقيمة فى هذا البلد، فضلا عن حاجة إسبانيا إلى زيادة تقوية وتعزيز وتوسيع  إستثماراتها  فى المغرب خاصّة بعد أن أصبحت تحتلّ فى الوقت الرّاهن مكان الصّدارة الى جانب فرنسا في هذا المجال، والأولى فى المبادلات التجارية على صعيد الواردات والصّادرات بين البلدين. . يضاف إلى هذه  المشاكل والقلاقل التي تعاني منها إسبانيا اليوم ،المطالب الإنفصالية لجهة كاتالونيا ، ناهيك عن معضلة “بلد الباسك”، وتلويح مناطق وجهات إسبانية أخرى برغبتها وتطلعها للسّير فى نفس هذا الإتّجاه كذلك  ، ومعضلة ظهور حزب يميني شوفيني متطرّف وهو “بوكس″،فضلا عن التجاوزات والفضائح الفساد التي طالت (الحزب الشعبي) التي مسّت مباشرة جهازه المالي والإداري ، وبعض أعضائه. فضلاعن إتّهامات بفضائح مالية، وإنتهاكات إختلاسية وضريبية خطيرة لحقت ببعض أفراد الأسرة المالكة الإسبانية ، سواء تلك التي لها صلة بصهرالعاهل الإسباني “إنياكي أوردانغارين” الذي أودع  السجن أوزوجة هذا الأخير الأميرة”كريستينا. فضلاً عن التعثرات التي واجهت  الحكومة الاشتراكية الحالية في عجزها التام عن تفويت ميزانية الدولة حيث صوّت البرلمان الاسباني بذلك يوم 13 فبراير 2019 الفارط ممّا استدعي الأمر الى الإعلان عن  تنظيم انتخابات رئاسية مبكّرة سابقة لأوانها حدّدت فى 28 أبريل القادم ،كلّ ذلك وسواه يزيد من وجع دماغ (إسبانيا والإسبان) الشّئ الذي يجعل هذا البلد الجار فى موقف لا يحسد عليه.

نرجو للزيارة الرّسمية التي قام  بها العاهل الإسباني فليبي السادس للمغرب يوميْ 13 و14  فبراير2019 الجاري كامل التوفيق والنجاح لوضع أسسٍ متينة لمزيد من التفاهم، والتعاون، والتقارب، والتداني بين البلدين ، والتغلب على الصّعاب، وتذليل العقبات، وإيجاد الحلول السلمية الناجعة، والعاجلة للمشاكل القائمة،وتجاوز النزاعات العالقة الشائكة بينهما، والتي تتطلّب إرادة سياسية صلبة، وثقة قويّة متبادلة متينة ، وإيماناً راسخا ًبمستقبلهما الواعد، ومصالحهماالحيوية المشتركة،ولطالما ردّدت عبارة شهيرة بينهما مفادها أنهما ” بلدان محكوم عليهما بالتفاهم” . ونأمل –والحالة هذه- أن تنقلب موازين ومفاهيم ومعاني  بيت ابن زيدون الشّهير عن خليلته ولاّدة بنت المستكفي فيغدو 🙁 أضحى التداني  بديلاً عن تنائِهما   / ونابَ عن التجافي طيبُ لقائِهما )..!

* كاتب،وباحث من المغرب،عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا (كولومبيا) .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. في البداية أود بأن أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأستاذ الخطابي على المجهود الفكري الذي يقوم به وينشره على صفحات هذه الجريدة المحترمة ، بغية تقريب القراء في ارجاء المعمورة من بعض من المظاهر التي ميزت على مر العصور العلاقات المغربية الإسبانية والتي ظلت على الدوام تتارجح بين مد وجزر ، لكني اقول وكباحث متابع بشكل شبه يومي لما يكتب وينشر ويذاع في وسائل الاعلام للجارة الايبيرية والتي تقوم بنوع من القولبة والتاثير المستمر على الجمهور هناك ، كون الجملة التي استعملها الاستاذ
    الكريم el moro está cerca، تظل حاضرة على الدوام ، ما دام صناع القرار هناك ينظرون الى الجارة الجنوبية بشكل عام بمنظار المصلحة الضيقة ليس الا، خصوصا الاقتصادية ومن منظور المتوجس من خلال القضايا التي ظلت تتردد باستمرار ، بحمولة سلبية كالهجرة السرية وقضية الصحراء وبعض المشاكل المرتبطة بالارهاب والدين والمرأة واخرى كثيرة وبالرغم من وجود أزيد من ثمانمائة شركة إسبانية بالمغرب ومهاجرين مغاربة كثر في اسبانيا فان انتشار اللغة والثقافة الاسبانيين تبقى محدودة في المغرب مقارنة بالفرنسية ، وهي في نظري من المعيقات لتكريس المقولة الشهيرة ” محكوم عليهما بالتفاهم”. هذا فقط غيض من فيض لأن الموضوع متشعب والحيز يضيق. مع خالص تقديري للاستاذ الكريم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here