د. محمّد محمّد خطّابي: طقوسُ غرائبيّة فى احتفاليّات المكسيك بالمَوت

د. محمّد محمّد خطّابي

يلتقي المصريّون القدامى فى حضارتهم الفرعونية الضاربة فى القدم التي أبهرت العالم، وملأت الدّنيا، وشغلت الناس ،يلتقون مع سكّان المكسيك القدامى من شعوب المايا والأزتيك وسواهما من الدّول، والإمبراطوريات الكبرى السابقة للوجود الكولومبي التي تعاقبت على المكسيك، وبعض بلدان أمريكا الوسطى فى بعض مظاهر إحتفالاتهم بالموت،  وبالطقوس المحيطة به ،وفى نظرتهم للغيب ، وللعالم الآخر، والبعث، وعودة الحياة،حيث نلتقي فى هذه الإحتفاليات الغرائبية مع شبيهي إله الموت عند قدماء المصريين ” سوكر” ومع نظائر من إيزيس، وأوزوريس،وسواهما من آلهة المصريين القدامى، ومثلما إرتبطت إحتفالات المكسيكيين بالظواهر الفلكية والنجوم والتنجيم ، والافلاك، والأجرام السماوية ، فقد إرتبطت أعياد الفراعنة وإحتفالياتهم منذ القدم  كذلك بالظواهر الفلكية، والأرض، والطبيعة ومظاهر الحياة، وتعود إحتفالات المصريين القدامى منهم والمعاصرين بعيد شمّ النسيم منذ ما ينيف على خمسة آلاف عام، ولقد أطلق الفراعنة على هذا الإحتفال إسم عيد “شموش”، أي إعادة بعث الحياة، وتمّ تغيير هذا الاسم في العصر القبطي إلى إسم “شم”، ثمّ أضيفت إلى هذا الإسم كلمة “النسيم” نسبة إلى صَبَا الرّبيع ونسائمه العليلة،وكانت  الأكلات، والأطعمة التي تُقدّم خلاله تعتبر عندهم ضرباً من ضروب “أطعمة الموت”. ومثلما كان يعتبر البيض الملوّن فى أعياد الفراعنة القدامى مظهرًاً من مظاهر الاحتفال بعيد شمّ النسيم وفى مصراليوم كذلك ، فهو ما إنفكّ يشكّل عند المكسيكيين فى إحتفالياتهم بيوم الموت مظهراً أساسياً كذلك من مظاهر هذه الطقوس إلى يومنا هذا المشهود ، ومثلما إرتبطت بعض العادات المصرية القديمة بالحياة الجنائزية،حيث كانت أُسَر المتوفىَّ تضع إلى جانبه عند دفنه بعض المأكولات التي كانت أثيرة عنده فى حياته،كما كانت هذه الأسر تزور فى أعياد الموت والموتى المقابرَ لإحضار الأطعمة لموتاها ، فكذلك يوجد فى المكسيك هذا التقليد إلى اليوم . ومجمل القول أن القارئ سيلتقي فى هذا المقال مع العديد من مظاهر الإحتفالات ،والعادات،والعوائد،والتقاليد،والموروثات التي كانت (مصر القديمة) مصدراً ،ومنبعاً ،وبوتقة، ومهداً لها منذ أقدم العصورالغابرة، والدهورالسحيقة :

عاشت المكسيك خلال شهر نوفمبر(تشرين ثاني) الفارط أيّاماً هادئة صامتة لم يألفها الأجانب القاطنون فى مدينة مكسيكو سيتي العملاقة،إذ لم تكن ترى فى الشوارع،والأزقة والدروب سوى القليل من المارّة ،يجوبون المدينة مهرولين،مسرعين، قلقين، متوجّسين، مشدوهين ،تعلو أديمَ الثّرى بعض قشور البيض الملوّن المكسّرعلى واجهات بعض أبواب المساكن والييوت، وعند مداخل الدور والقصور،والمنازل الفارهة ،والمباني الضخمة التي تكوّن غابة كثيفة من الأسمنت المُسلّح،والزجاج المقوّى،والحديد الصّلب فى قلب هذه الحاضرة الأزتيكية العريقة المترامية الأطراف التي قد تصل بعض شوارعها الكبرى حوالي المئة كليمترأ طولاّ، وذات الشئ كنت تراه فى مختلف مدنها الاخرى وقراها، ومداشرها، وأرباضها، ونواحيها ، وكن الأمر يبدو غريباً نوعاًً مّا  أو على الأقلّ غير مألوف أو معروف عند الكثيرين.

تقاليد متوارثة

إيتّضح فيما بعد لزوّار هذه المدينة أنّ السكّان قد برحوا المدنَ ،والحواضرَ، وأمّوا القبورَ،والمقابرَ، وكنت لا تسمع سوى أصوات الغناء، والصيّاح يتعالى هنا وهناك ، ورائحة البخور الغريبة تزكّم الأنوف،والناس ما زالوا فى حيرة من أمرهم، يهرولون وبأيديهم باقات من الورود، والزهور مختلفة ألوانها،وأشكالها، وأحجامها، وفى الأسواق لم تكن ترى سوى أكوام من القرع( اليقطين) وقد إحتلّت  مكان الصّدارة بين المعروضات. كان اليوم هو” يوم الموت” وربما كانت هذه أكبر تظاهرة يقيمها الأحياء للموت والموتى، إذ يعتقد المكسيكيّون أنّ موتاهم فى هذا اليوم يعودون إلى دورهم فيعدّ لهم أهاليهم أطيبَ المأكولات، وأشهىَ الأطعمة، خاصّة تلك الأطباق،والصحون التي كان يحبّها الميت عندما كان على قيد الحياة،فضلاً عن إعداد أنواع كثيرة من الفواكه، والعسل، والسكّر، والملح وبعض الحلوى يطلقون عليها” خبز الموتى”و هم يعتقدون إعتقاداً راسخاً أن موتاهم يخرجون إليهم فى ذلك اليوم فيقضون الليل كلّه معهم فى المقابر ويسهرون فيها حتى الصّباح.

 تستمدّ هذه التظاهرات ، والإحتفاليات الغريبة أصولها القديمة، وجذورها البعيدة من العادات الغابرة المتوارثة للسكّان الاصليين للقارة الامريكية،وتتمثّل هذه التظاهرات فى الإحتفال بيوم الموتى أو يوم الموت ، وقد أصبحت هذه العادة مزيجاً بين العادات الشعبية المتواترة الضاربة فى القدم، والمعتقدات التي إستجدّت بعد إكتشاف أمريكا عام 1492.وما زالت هذه العادات منتشرة بين الناس على إختلاف طبقاتهم ، ومستوياتهم الإجتماعية والثقافية ، ولهذه الإحتفالات عندهم رموز،ودلالات، وأبعاد عميقة، وهي تجسيم لمفهوم  الكائن البشري فى هذا الصّقع النائي من العالم ،ونظرته،وتصوّره للموت كحدث طبيعي لا يمكن ردّه، أو صدّه، أوإيقافه، أوالتغلّب عليه،أو تفاديه،يشلّ حركة الكائن، ويعود به من حيث جاء أوّل مرّة.

طقوس تعود لأربعة آلاف سنة خلت

عرفت محتلف الحضارات البشرية القديمة هذا النّوع من الطقوس التي تحتفل بالموت كظاهرة طبيعية محيّرة،وقد خلّفت لنا تلك الحضارات معالم، ومآثر، ومقابر أشهرها أهرامات مصر، والحضارات السابقة للوجود الكولومبي فى أمريكا، ومجسّمات كلها ترمز للموت أو الموتى،حيث يُعتبر الموت فى هذه الحضارات نوعاً من التصرّف العلوي ، حدوثه لا يثير أيّ حزن أو همّ أو ألم أو حسرة أو حداد.وكان الناس يتقبّلونه كحدث طبيعي، وظلّ هذا الشعور مستمرّا حتى تاريخ الإكتشاف، ويرجع الإحتفال بالموت أو الموتى فى الحضارات المكسيكية إلى ما يزيد على ألفي سنة قبل المسيح.أي أنه يعود الآن لأربعة آلاف سنة خلت. ومثلما هو الشأن عند الفراعنة وبعض الحضارات القديمة الأخرى، فقد عثرت على بقايا هياكل أدمية وبجانبها حاجياتها الخاصة، ومجسّمات مصغّرة وأقنعة وأواني وجواهر ومعادن وحليّ نفيسة من ذهب وفضّة..إلخ،وكانت كلّ ميتة عندهم لها تفسير خاص، فالمحاربون عندما يموتون عندهم  يصبحون “رفقاء الشمس″وكذلك  النساء اللائي تدركهنّ المنيّة عند الولادة. ويذهب الأطفال إلى مكان أشجاره وثماره تذرّ لبناً،أمّا هؤلاء الذين يموتون على إثر مرض عضال ، أو الذين ماتوا على إثر نزول صاعقة، أو هبوب عاصفة هوجاء، أو زوبعة رعدية ،أو الذين ماتوا غرقا فى يمّ ،أو بحر، أو بحيرة، أو نهر جارف فلهم مصير آخر بعد الموت أقلّ  من الدرجات السّابقة.

كان من عادة الأزتيك أنه عندما كان يموت أحدهم يجعلونه يجلس القرفصاء ،ثمّ يوثقونه جيّداً،و يضعون الجسمَ فى نسيج من قطن حديث الصّنع، ويضعون فى فمه  قطعة من  يشم كانت ترمز إلى قلبه ،وعليه أن يتخلّى عنها وهو فى طريقه إلى “متكتلات”وهو مكان الموتى عندهم ، ثمّ يخيطون الكتّان والجثّة بداخله. وفى ساحة بعيدة عن المدينة يعدّون منصّة عالية يضعون عليها الميت محاطاً بحاجياته الخاصّة التي إستعملها فى حياته مثل درعه، وسيفه ،أو رمحه،وقوسه وسهامه، وتعدّ الأسرة بعض المأكولات التي غالبا ما تكون من عجّة الذّرة، واللوبياء والبازلاء وبعض المشروبات . بعد ذلك يقوم كبير قومهم ليتأكّد من أنه لا شئ ينقصه ، ثمّ تُضرم النيران عليه على طريقة الهندوس ، وعندما يعلو اللهب فى الفضاء يجلس أفراد عائلة الميت وهم يتأمّلون نهاية عزيزهم، وينشدون أغاني هي مزيج بين الحزن والفرح فى آن واحد، ثمّ يوضع الرّماد داخل وعاء إلى جانب اليشم، وكان الأزتيك والشعوب الأصلية السابقة للوجود الكولومبي يعتقدون أنّ الموت ليس سوى شكل جديد للحياة،كما كانوا يعتقدون فى العالم الآخر، وكل ميت لابدّ أن يأخذ طريقه نحو هذا العالم ،ويصنّف،أو يُجازى حسب الأعمال التي قام بها فى حياته،وعندما يصل الميت إلى السماء السابعة كدليل على حسن تصرّفه فى دنياه، عليه أن يترك هناك قطعة اليشم التي وضعها الأحياءُ فى فمه.

وكان السكان الأصليّون للقارة الأمريكية يؤمنون بالبعث أيضاً وهم يفسّرون ذلك بإختفاء النجوم وراء الأفق، ثم تعود للظهور من جديد ،كما يشبه عالم الاموات عندهم كذلك بالذرة التي بعد أن تُرمى فى أحشاء الثرى وتموت تعود للحياة من جديد فى شكل نبات قائم جميل مثمر،كانوا يعتقدون أنّ الوجود الأزلي أو الخلود الحقيقي هو للرّوح وليس للجسد  الفاني الذي يؤول للزّوال، والإندثار، والفناء. وكانت الجمجمة عندهم  لا ترمز للموت وحسب، بل إنّها ترمز للحياة كذلك ، إذ أنها تعني الأمل فى البعث من جديد. ويقول شاعر أزتيكي فى هذا الخصوص:

إنّنا نأتي  هنا فقط لننام   /إنّنا نأتي هنا فقط لنحلم

فليس صحيحا أنّنا   /  نأتي للأرض لنعيش

فقد كانت الأرض عندهم بمثابة محطّة للمرور، أو جسر للعبور والإنتقال إلى عالم  آخر ، وهكذا كان مفهوم الزّمن أوالفضاء، أو الحيّز، أو العالم المرئي، والعالم غير المرئي ليس سوى عالم واحد،وهنا تكمن ثنائية الإعتقاد فى الموت والحياة عندهم، وأنّ المنيّة فى العمق هي دليل الخلود وليس العكس.

يوم الموت

الموت يسوّي بين جميع الأحياء ولا يمكن لمخلوق أن يفلت منه، وهو واقع يومي يحاول الناس نسيانه، إلاّ أنه يدركهم فى آخر المطاف مهما طال مقامهم فى هذه الديار،( وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ    /وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ) ،ويقاسم الشاعر الأزتيكي الكبير” نيزاوالكويوتل” شاعرَنا العربي القديم زهير بن أبي سلمى المزني هذه الحقيقة فيقول هو الآخر:

هكذا  نحن أحياء- أموات   / لابدّ لنا يوماً أن نرحل

عن هذا العالم الأرضي   /  مهما طال بنا به المقام

وللموت عشرات الأسماء والنّعوت فى مختلف لغات الأرض ،فالأموات الذين كانوا يوماً أحياء يرزقون فى الأرض ليس من السهولة واليُسر نسيانهم فى الحياة،وعليه يحاول الناس فى المكسيك وفى بلدان أخرى فى هذا الشقّ النائي من العالم مرّة من كل عام فى هذه التواريخ أن يرتدوا لباس المنيّة، أو يتدثّروا بمسوح الموت، أو قناع الحِمام يتمثّلونه فى الحياة قبل الممات إستذكاراً وإستحضاراً لموتاهم ،ومن ثمّ جاءت هذه الإحتفالات التي تنطلق من أواخر شهر أكتوبر(تشرين أوّل) وتتوّج فى الثاني من شهر نوفمبر(تشرين ثاني) من كلّ حول، حيث يخيّل للناس أنهم سيلتقون بموتاهم وجهاً لوجه، و توقد فى هذه الأيام فى أعلى مكان من المنزل أنوار خافتة إلى جانب مائدة وضعت عليها أشهى المأكولات، وأطيب الفواكه وألذّ الحلويات التي كانت أثيرة لدى الميت فى حياته،ففي ليلة 31 أكتوبر يبدأ الإحتفال ، وعندما تسمع ضربات النواقيس (12 ضربة) عندئذ توقد الشموع ،والأنوار فى مختلف الدّور ،وفى تلك اللحظة تخلو المدينة من المارّة ويسودها سكون شامل رهيب، ويبدأ الأطفال فى إيقاد عيدان الندّ،وعَرف الطّيب، والبخور التي تشيع روائح زكية فى مختلف أركان البيوتات والمنازل، وتوضع إلى جانب المائدة ورود، وأزهار، وشموع بيضاء،واحدة لكلّ ميت ، كما يوضع كوب من ماء، ومجسّمات  صغيرة من طين، وفخار لإستقبال الموتى، كما توضع لُعبٌ لإستقبال الموتى الصغار، وفى الصّباح يتخيّل الناس أنّ موتاهم الصغار والاطفال ، يأتون لزيارتهم ويشاركونهم طعام الإفطار، وفى الساعة الثانية عشرة زوالاً تُستبدل الزّهور البيض، بالزّهور الصُّفر، ثم تقرع النواقيس من جديد لإستقبال الموتى الكبار، كما تستبدل الشموع بقناديل سوداء، وشموع أكبر من الشموع السابقة، وفى الساعة الثانية عشرة ليلاً يترحّمون على موتاهم ، وعند الصباح تقرع الأجراس من جديد، عندئذ يخرج الناس من دورهم ويتّجهون للمقابر، وقد أوقدوا الشموع من جديد، وأشاعوا البخور فى الأجواء ، ويقضون الليلَ كلّه إلى جانب أحبّائهم الرّاحلين، وقد غطّوا القبور بالورود والأزهار ،وفى ثالث نوفمبر(تشرين الثاني) يتزاور السكّان فيما بينهم ويتبادلون الأطعمة والأطباق التي كانوا قد أعدّوها لموتاهم ، وهكذا يقيمون روابط، وأواصر، ووشائج فيما بينهم.

كما يتّجه الناس فى هذا اليوم أفواجاً وزرافات ليلاً إلى مدينة “مكسيك” القريبة من العاصمة العملاقة “مكسيكو سيتي” للترحّم على أجدادهم القدامى، وهم يحملون آلاف الشموع والقناديل المضاءة، ويشكّلون بذلك منظراً مثيراً حيث تتلألأ الأضواء الصغيرة تحت عباءة الليل الحالكة، وينوف عدد الذين يزورون هذه المدينة فى هذه المناسبة على مليوني شخص، يؤمّون مختلف منازل المدينة للسّلام على ذويها، ومشاهدة الأطعمة التي أعدّت للموتى فى كلّ دار.

متحف الحِمام

 فى خضمّ هذه الإحتفالات الكبرى المتوالية بيوم الموت والموتى فى هذا البلد الأزتيكي الغريب،ليس غريباً إذن إذا علمنا بوجود متحف فريد به من نوعه خاص للإحتفالات بيوم الموت ، ويتوفّرهذا المتحف  على العديد من الأجنحة تشمل تقاليد مختلف جماعات السكّان الأصليين، ولا يتعلق الأمر فقط بمعرض لنماذج من الموائد التي يتمّ إعدادها فى مختلف الأقاليم فى هذه المناسبة ، بل هو معرض شامل ومتكامل حول كلّ ما له صلة بهذه الإحتفاليات الغرائبية والطقوسية الضاربة فى القدم،وهذا المعرض مفتوح فى وجه الزوّار على إمتداد الحول كلّه  للتّذكير بالمصير المحتوم لكلّ كائن، أو هو فى الواقع ،من جانب آخر تذكير بالحياة،وبالأحياء، ذلك أنّ العديد من السكّان يرون فى هذه الإحتفالات مناسبة للتأمّل وإعمال النظر والفكر فى الحياة الحاضرة،والحياة الأخرى التي تنتظر المرء،فيبدأ فى مراجعة نفسه ،ويحاسبها حتى لا ينسى أنه مجرّد طيف عابر، أو ظلّ زائل فى هذه الدار ، وأنه لابدّ راحل لا محالة يوماً نحو العالم الآخر.

هالوين أو ليلة السّاحرات

ولا يعرف كيف وصلت حفلات شبيهة بتلك التي تجري فى المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية ،وإلى بلدان أخرى فى مختلف أنحاء المعمور تحت إسم “هالويّن” أو إحتفاليات ليلة السّاحرات التي يغشاها الرُّعبُ، والذُّعرُ، والفزَعُ  والمفاجآت ، والمباغتات التي تتميّز بها هذه التظاهرات الصّاخبة ، ويُعتقد أنه ربّما تكون قد وصلت إليها من إنجلترّا، أو إيرلاندا،  (السّلتيك) حيث كانت وما تزال هذه العادة منتشرة إلى اليوم بشكل أوسع من السابق، وكانت بعض بلدان أمريكا اللاتينية قد عملت على منع إقامة هذه الإحتفالات خاصة فى الأماكن العامة، والشوارع وفى المدارس والمعاهد. وقد دأب الناس فى معظم هذه البلدان على إحياء هذه الإحتفالات خاصة فى ليلة 31 أكتوبر(تشرين الأوّل) ببهرجة، وصخب ، ودأب،ولجب، حيث يرتدون أقنعة صاخبة مختلفة ، وأردية  مزركشة تنكّرية، غالباً ما تكون مخيفة، ومرعبة تجسّم شخصيات تاريخية أو أسطورية إشتهرت بالرّعب،والذّعر،والفزع، والهلع مثل دراكولا ،وفريدي، وطيبيس، إلخ وكان للفنّ السّابع دور كبير فى نشرها ، وذيوعها،وتأصيلها بين الناس .

إحتفاليات الكتّاب بيوم الموت

وإعتاد “الإتحاد العام للكتّاب والفنانين المكسيكييّن”  منذ عام 1986على إحياء إحتفالية  خاصة بالكتّاب، والفنّانين، والمبدعين الرّاحلين،ومائدة خاصة بالكتّاب الذين ما زالوا على قيد الحياة، وعلى عكس التقاليد السائدة لا تقدّم خلال هذه الإحتفاليات  مأكولات أوحلويات، بل يغلب عليه إقامة الأنوار والزهور ، وهذا التقليد جديد فى المكسيك لم يسبق إليه أحد من قبل. ويتمّ تنظيم هذه الإحتفالية  فى مسرح كبير بالمدينة فى حيّ معروف يسمّى ” كيوكان” ، ومعظم قاطني هذا الحيّ من الكتّاب والفنّانين،كما تقدّم خلال هذه الإحتفالات أشرطة وثائقية، وتسجيلات حول حياة هؤلاء الكتّاب ،مع قراءة بعض إبداعاتهم القصصية أو الشعرية، أو عرض بيان حول أعمالهم التشكيلية، كما تنظّم موائد مستديرة حول تلك الأعمال حيث يتخيّل المحتفون،والحاضرون أنّ  هؤلاء الرّاحلين هم موجودون معهم خلال هذه الأمسيات ، وذلك بإستعمال أدوات تسجيل حديثة ومتطوّرة تتضمّن أصوات هؤلاء الذين رحلوا عن عالمهم ولم ترحل معهم نصوصهم الإبداعية ولوحاتهم الفنية وسواها. كما تقدّم خلال هذه الإحتفالات بعض الأعمال المسرحية التي تلقي الأضواء على عمق هذه العادة ، وتحلّل رمزيتها،وهكذا يكتسب هذا التقليد بالإضافة إلى طابعه الرّوحي والوجداني طابعاً إجتماعيًا وثقافياً وفنيّاً حيث يتذكّر فيه الناس أحبّاءهم الرّاحلين ، ويستحضر الخلاّن أصدقاءَهم، كما تعمل هذه الإحتفالات على تذكير المشاركين فى هذه التظاهرات بأنّ عالم الأموات فى العمق غير ناءٍ عنهم، بل هو  قاب قوسين أو أدنى منهم، كما أنه جزء لا يتجزّأ من عالمهم. وهكذا تمتزج التقاليد القديمة، والطقوس المتوارثة بالفنون  الإبداعية من كلّ لون، فى جوّ تنبعث منه روائح البخور الزكية، والشموع المحروقة،وقد حقّقت هذه التجربة  الفريدة من نوعها نجاحات كبيرة على الرّغم من أنه كان هناك مَنْ عارض إحياءَها معتبراً ذلك نوعاً من التجنّي والتطاول على تقاليد  مبجّلة ما زال السّواد الأعظم من السكّان خاصّة الأصليين منهم، ينظرون إلى هذه التقاليد والعوائد المتوارثة بنوع من التقديس والمهابة والتوقير .

الموت والأدب

لقد كُتب الكثير عن الموت،وهناك عشرات المؤلفات، والمجلّدات، والقصص،والأشعار، والمسرحيات، والحكايات، والأساطير،والمرويّات التي تتناول هذه الظاهرة الطبيعية  فى مختلف العصور والدهور ،فمن وجهة نظرالمواطن المكسيكي الموت يعيش فينا وبيننا، وهو يضحك، ويبكي، ويغنّي، والإحتفالات التي تقام للموت إنما تأتي إنطلاقا من هذا المنطق. و نحن واجدون هذا المفهوم مبثوثا فى العديد من الحِكم، والاشعار،والأقوال المأثورة، والامثال السائرة،فالموت فى هذه الموروثات الشعبية هو رفيق كلّ من تدبّ فيه الحياة، ويهيم على أديم هذه البسيطة،وهكذا فالجمجمة المصنوعة من القرع (اليقطين) والعيش المرشوش بمسحوق دقيق السكّر، وحُبيبات الملح، و لذيذ الحلويات، وباقات الزّهور ذات اللون الأصفر الذي على وجه الخصوص( يرمز إلى الشحوب والذبول)،واللون الأحمر (رمز الحياة والحيوية وتدفّق الدّم )،كلّ ذلك يقدّم فى  هذه الإحتفاليات وإلى جانبها تكتب الحكم والأمثال والاشعار التي تذكّر بالمصير المحتوم . وكلمة الموت هذه التي تقشعرّ لها الأبدان،وتصطكّ لها الرّكبان فى مختلف أنحاء العالم هي بالنسبة للواطن المكسيكي شئ مألوف ،فأنت تراه يلاطف الموت،ويداعب الموت، وينام إلى جانبه،ويرتمي فى أحضانه،بل إنه لا يتورّع من السّخرية منه، والتهكّم والإزدراء به.

 ومعروف أنه لا يوجد فى الآداب العالمية فى مختلف الثقافات واللغات شاعر، أو كاتب،أو مُبدع لم يتعرّض لموضوع الموت فى أعماله وإبداعاته، وهو موضوع كان له وجود فى مختلف العصور، فى ملاحم بلاد الرافدين، وعند الآشوريين، والبابليين، وفى حضارة مصر القديمة، وعند الرّومان، والإغريق، وعند قدماء السكان الأصليين فى أمريكا اللاتينية،وفى الأدبين العربي والأمازيغي قديميهما وحديثيهما، هناك العديد من الشعراء والفنّانين الذين تغنّوا بالموت، أو كتبوا عنه. كما نجد فى الأدب الإيبروأمريكي ممّن كتبوا عن الموت الكثيرين، منهم على سبيل المثال وليس الحصر : داريّو، وبورخيس،ونيرودا، وساباتو، وغاليانو،ولوركا، وألبرتي،وفيّارّوتيا، وخوسّيه بوسادا، وبرونو ترافين،وأوكتافيو باث، وبرناردو أورتيس، وتامايّو،وفريدا كاحلو، وريفيرا، وأنخيل أستورياس، وخوان رولفو الذي قدّم لنا فى قصّته الشهيرة ” بيدرو بارامو”بطلاً من الأموات ، وكارلوس فوينتيس الذي يتعرّض لموضوع الموت فى شخص رجل مسنّ يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية بحثا عن الحِمام (بكسر الحاء)خلال الثورة المكسيكية لأنه يعتقد أنّ إستشهاده فى هذه المعركة أكثر شرفاً له من أن يموت موتة طبيعية. كما نجد موضوع الموت عند معظم الشّعراء  لدى مختلف الأمم، منهم زهير، وطرفة، والأعشى، والخنساء، وأبو العتاهية، وأبو تمّام، وابن الروّمي، والمتنبّي، والمعرّي(فى داليته الشهيرة وسواها ) ،وعمر الخيّام، وطاغور، وبودلير، ورامبو، وكافكا، وباسكال، وريلكه،وكامو، وهمنجواي، وسواهم من الأدباء والشعراء العالميين وهم كثير.

وقديماً قال المتنبّي:

أصارع ُخيلاً من فوارسها الدّهرُ/ وحيداً وما قولي كذا ومعي الصّبرُ

تمرّستُ فى الآفاتِ حتّى تركتها   / تقول أماتَ الموتُ أو ذُعِر الذّعرُ

وقال الشاعر القديم:

حَسْبُ الخليلين نأيُ الأرضِ بينهما   / هذا عليها وذاك تحتها بالي

وقال آخر:

تزوّد من الدّنيا فإنك لا تدري /إذا جنّ الليلُ هل تعيش إلى الفجرِ

فكمْ من سليمٍ ماتَ من غيرِ علّةٍ / وكمْ من سقيمٍ عاشَ حيناً من الدّهرِ

وكمْ من فتىً أمسىَ وأصبحَ لاهيا   /  وقد نُسجت أكفانُه وهو لا يدريِ.

والأشعار والأمثال المأثورة،والحِكم والأقوال السّائرة فى هذا الباب غزيرة لا حصر ولا عدّ  لها.

*كاتب وباحث من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- ( كولومبيا).

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here