د. محمّد محمّد خطّابي: ”بلا تحفّظ ”للشّاعرة اللبنانيّة الدكتورة نادين طربيّهغِبتُ بكَ عنِّي فأيقنتُ أنّكَ أنِّي..!

د. محمّد محمّد خطّابي

تصدح الشاعرة اللبنانية الأنيقة الدكتورة نادين طربيه فى قصيدتها الرّقيقة ” بلا تحفّظ” وتقول من علياء جواد صهوة قريحتها المسوّمة المتوقّدة : صمتي يدمن همسَك..لا زيادة كنقصاننا..نتلاصق… نتشرّد… نعود..كلّ ما فيَّ يتشظّى فيكَ..كلّ ما ينهبنا يصلبنا يشفينا.. أنتَ لي… كجنوني..كشهواتي..كهدير الحنين في كبدي….! لا أحلو في غيابك..لا أمتلئ إلّا بك..و… يجرّنا إنتظارٌ..أمام عينيّ الشوق…يجرّنا كشهيديْ حربٍ… كشهيديْ عشقٍ…تنظرني عيناكَ كديمتيْ حنان…تنظرني عيناكَ كنخلتين..تبسمان… تهمسان..إصبري… صغيرتي..ها فجرنا يتسلّق الألم حتّى القيامة..تمسّكي بي معي لن يعرفك الغرق..سأحملكِ فوق كفّيّ كطفلي…كحلمي… ككرامتي..تمسّكي بي معًا سنطفو صوب الشّمس..تمسّكي بي سنطفو في عينيّ أملٍ وطيد…تمسّكي ستتعرّف إلينا أمّنا الحياة…!

أوان الصّمت

إلى آخر هذه القصيدة الجميلة التي تذكّرني بإفصاحات الشاعر الكولومبي الكبير الراحل “ألفارو موتيس” فى قصيدة له بعنوان ” أوان الصّمت” كنت قد نقلتها إلى اللغة العربية منذ بضع سنوات خلت والمُدرجة فى كتابي “حَجَر الشمس ..ثلاثون قصيدة من الشّعر الأمريكي اللاّتيني المعاصر ” الصّادر عن المجلس الأعلى للثقافة (المشروع القومي للترجمة بالقاهرة 2001) ..ممّا جاء فيها : يخيَّل إليّ أحياناً أنَّ ساعة الصمت قد أزفتْ /أن أترك جانباً الكلمات/ تلك الكلمات المسكينة المستهلكة /حتى آخر نبراتها المهانة مرّة ومرّات/ حتى ضاعت منها أقلّ رموز دلالاتها الأصليّة/في تسمية الأشياء والكائن والمناظر والأنهار /ومشاعر الرّجال الزائلة وهم يمتطون خيولَهم المسوّمة/ المزدانةَ بألوان الزّهو والفخار/ / في الصّمت، قالها رَامْبُو ذات مرّة، ينبغي للقصيدة أن تقطن/ يُخَيّلُ لي أحياناً أنّه قد حان أوانُ الصّمت/ إلّا أنَّ هذا السّكوت سيكون عندئذٍ تكريماً غيرَ لائق /وفضلاً فائق الوصف لا أظنني أستحقّه بَعْدُ حتى الآن!.

داوني بالتي كانت هي الدّاءُ..!

لست أدري كيف عادت بي قصيدة الشاعرة المبدعة الدكتورة نادين طربيه إلى قصيدة ألفارو مُوتيس، هل لأنّ مطلع كلتا القصيدتين ينطق أو ينطلق من الصّمت..؟! فصمت د. نادين فى قصيدتها الرائعة يدمن الهمس، والهمس ضرب من الغنوص المهووس،أوالصّمت المهموس المنطوق بأقلّ وأخفّ حشرجات الحبال الصوتية الخافتة فى اللهاة..والمنتهية فى أطراف الشفاه التي تكاد أن تكون مُطبَقة فى رفق..وفى قولها ( لا زيادة كنقصاننا) تردّنا إلى الشاعرالأندلسي الذائع الصّيت أبو البقاء الرُّندي (نسبةً إلى مدينة رُندة الإسبانية ) الذي يقول فى نونيته الشهيرة : (لكلِّ شئٍ إذا ما تمّ نقصانُ / فلا يُغرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ) ..فى هذا السياق الشاعري الجميل تأبى الشاعرة المُجيدة إلاّ أن تفجّر فى مآقينا ،وتحيي فى جوانحها أعمقَ المشاعروأرقَّ الأحاسيس التي تختلج فى ثنايا أضلعنا، فالتلاصق،أو الإتصال، يعقبه الإنفصال أو الفراق ،الذي قد يبلغ أشدّ أنواع المعاناة التي تفضي بنا إلى التشرّد أوالتجرّد والإنسلاخ أو الإفصاح عمّا فى دواخلنا من آهات،ومشاعر، ومعاناة، وتطلّعات..ولكن سرعان ما تأتينا النجاة منسابة على قدَر مُشعلٍ على شفاهنا..بالرجوع أو العودة إلى الخلّ ، وما أحلاها عودة .

غبتُ بك عنّي

ذلك أنّ كلّ ما يعتمل فى أعماق الشاعرة ” يتشظّى” ويتلظّى فيه.. وكأنّ لسانَ حالها يقول مع شيخ المتصوّفة الأندلسي ابن عربي المُرسي ( نسبة الى مدينة مرسية الإسبانية) : لقد غبتً بك عنّي، فأيقنتً أنّك أنّي.. وهي أعلى مراتب التوحّد أوالإتحاد النيرفاني عند المتيّمين الوالهين الهائمين الغارقين فى أعمق أعاميق يمّ العشق والتيم والهوىَ ،وبحورالحبّ والصّبابة والجوىَ،”وداوني بالتي كانت هي الدّاءُ ! فالشّفاء كامن فى الصبّ والصّبابة، فيه شفاؤنا ،ودواؤنا، وبلسمنا، وهناؤنا ، وملاذنا ،ومنتهانا.. .. (المحبوب.. كجنونها..كشهواتها..كهدير حنينها المنبعث من بين أعطاف وأطراف كبدها..فلا يحلو لها أيّ عيشٍ في غيابه..وهي لا تكتمل إلاّ معه، ولا تمتلئ إلّا به.. وهي تؤكّد لنا كذلك جذوة فوران وغليان هذا الحبّ المتأجج قطعيّاً من باب توارد الخواطر، ووقوع الحافر على الحافر ما سبق أن تغنّى به الشّاعر التشيلي الكبير المُعنّى الرّاحل بابلو نيرودا فى ديوانه الشهير ” عشرون قصيدة حبّ” فكلهم، وكلهنّ ينحدرون وينحدرن من قمّة جبل أبولو أو قاطنون وقاطنات فى وادي عبقر..ولقد إنجلت مشاعر هذا الحبّ الخالد فى تجليّات الشّاعرة الإسبانية “خوسيفينا عطّار دي كالدرون ” وهي فى قاعة الإنتظار بالمشفىَ لإجراء عملية جراحية صعبة ..وبيدها “عشرون قصيدة حبّ” كعكّازٍ لهمّتها، وترياق لآلامها ،ودواء لتباريحها ومعاناتها..الدكتورة الشاعرة نادين تباعدتْ، وتدانتْ،وأبدعتْ،وأمتعتْ،وأجادتْ وأفادت ثمّ تساوت فى آخر المطاف  فى قصيدتها الرائعة مع الشعراء الآنفيْ الذكرحسّاً رقيقاً، ومعنىً شيّقاً رشيقاً.. فأكّدت لنا  هي الأخرى برمزيةٍ عميقة فى ديباجة قصيدتها أعلى مراتب المحبّة، وأسمىَ منازل العِشق إذ من فرط الإنتظار الطويل.. يحلو اللقاء المُنتظر، ويتولّد الشّوق العارم حتى ولو جرّها مع ( المخاطَب المتيَّم ) (كشهيديْ حربٍ، كشهيديْ حبٍّ، أو كشهيديْ عشقٍ..) ها هوذا فجرهما يتسلّق سلاليم الألمَ حتّى القيامة، ها هي ذي تتمسّك به، وتتعلّق بتلابيبه، فمعه لن يطولها الغرق، وهو يحملها فوق كفّه كطفلته…كحلمه… ككرامته، فالأملُ وطيد لتتعرّف إليهما أمّهما الحياة …!

 وقديماً قال الشاعر القاضي الحكيم :

ثمانيةٌ تجرِي على المرءِ دائماً   /   وكلُّ امرئٍ لابدّ يلقىَ الثمانيّه

سرورٌ وحُزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ   /   وعُسْرٌ ويُسرٌ ثم سُقم ٌوعافيّه ..!

*****

*كاتب وباحث ومترجم من المغرب ، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

(مدريد – اسبانيا)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here