د. محمّد محمّد خطّابي: البريطانية فِيرْجِينيَا وُولفْ وَمَنْ على شاكلتها من المُحبَطين

د. محمّد محمّد خطّابي

جاءت الكاتبة البريطانية الشهيرة فيرجينا وولف(1882-1941) إلى هذا العالم منذ 136 عاماً فى لندن،تؤكد معظم الانطولوجيات التي تعرّضت لحياة هذه الكاتبة الغريبة الأطوار أنها تأخّرت فى النطق ولم تنبس ببنت شفة سوى عندما بلغت الثالثة من عمرها ،كان المنزل الذي ولدت فيه يعجّ بالأطفال، هذا ما أكدته إحدى قريباتها وهي كينتين بيل  فى كتابها عنها “حياة فيرجينيا ” ،ماتت أمّها وهي فى الثانية عشرة من عمرها،حيث أصيب والدها باكتئاب فظيع،تزوجت فيرجينيا فى الثلاثين من عمرها مع الكاتب والناشر ليوناردو وولف، الذي اشرف على نشر الأرض الخراب ل: ت. س. إليوت، والاعمال الكاملة ل: سيجموند فرويد وأعمال أخرى،وذات يوم كتبت إلى زوجها  قبيل أن تحشو جيوبَ معطفها بالحجارة وتلقي بنفسها في نهر قريب من منزلها، تقول:”أشعر أننى أكاد أفقد عقلى،أظنّ أنّنا لا يمكننا أن نتحمّل مرّة أخرى تلك اللحظات الرّهيبة ،لقد بدأت أسمع أصواتاً، ولم أعد أستطيع التركيز، لقد وهبتني كل السّعادة الممكنة، حتى جاء هذا المرضُ اللّعين، وبدّد سعادتنا وأحالها إلى جحيم مقيم لا يُطاق، لم يعد فى مقدورى مواجهته، أو مصارعته، بدون أعرف أنّك تستطيع أن تعمل كذلك، إنّني على يقين من ذلك ، لقد أصبحتُ عاجزة حتى عن الكتابة كما ترى، كما أنّنى لم أعد أستطيع القراءة ، لقد كنتَ صبوراً وطيّباً معى إلى أبعد حدود، لقد فقدتُ كلَّ شئ إلاّ طيبوبتك،لا أريد أن أجعل حياتك جحيماً أكثرَ ممّا أنت فيه الآن بسببي ، لم يكن هناك شخصان سعيديْن فى هذه الدّنيا مثلما كنّا نحن الإثنين”. وفى عام  1924  كانت فيرجينيا قد إشترت رفقة زوجها  فى قلب لندن منزلاً على بضعة أمتار من منزل شارل ديكنز، ويُحكى أن الكاتب الكولومبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز كان له عمود بجريدة ” الهيرالدو” التي كانت تصدر بمدينة برّانكييّا  الكولومبية أطلق عليه لقب ” العمود السابع″ تكريماً لإحدى شخصيات فرجينيا وولف.

الشّعراء المُحبُطون

 تجدر الإشارة فى هذا السياق أنه للأديب الإسباني خوسّيه لويس غاييّرو  كتاب بعنوان “أنطولوجيا الشّعراء المُنتحرين ”  أو المحبطين ترجم فيه للعديد من هؤلاء الكتّاب والشّعراء الذين ناف عددُهم المُرعب على الخمسين شاعراً وكاتباً وأديباً. عزاء القارئ أنّ هؤلاء (المبدعين) المارقين الذين يضمّهم هذا الكتاب  بين دفّتيه ينتمون برمّتهم لبقاع،  وأصقاع، وضِيَع، وأرباض، ومناطق جغرافية نائية عنّا،  إننا واجدون في  هذا الكتاب الرّهيب،والمُريب، نجد قصصاً، وحكاياتٍ،وطرائفَ، ونبذاً عن حياة كلّ واحدٍ من هؤلاء المنكودي الطالع،صفحات هذا الكتاب ترتجفُ لقراءتها القلوب، وتقشعرّ لها الأبدان . ويشير الناقد الاسباني “كارلوس أثانجو” فى هذا القبيل إلى أنه بالفعل: ” ليس في مقدورنا إيجاد أيّ تفسير أو تبرير لهذا المروق الفكري، والجنوح العقلي لهؤلاء،والطامة الكبرى أنّ بعض هؤلاء الشّعراء إنساقوا نحو الإنتحار بواسطة الإلهام الإبداعي ذاته عندهم . وقد إقتصر بحث المؤلّف فى هذا الكتاب على إدراج  الشّعراء الغربييّن من أوروبييّن، وأميركييّن.

الشّاعرة اللبنانية جمانة حدّاد(صاحبة أنطولوجيا كبرى شبيهة بكتاب الأديب الإسباني غاييّرو) تقول عن هذا الكاتب ضمن حواركان قد أجراه معها  إيلي الحاج  ل:”دروب” :”  هذه الأنطولوجيا هي الوحيدة التي تعالج تيمة الانتحار على حدّ علمي، لكنّها تعاني ثغرات كثيرة، منها أن غاييّرو أحصى فقط 53 شاعراً منتحراً وقد إنطلق في إحصائه من سنة 1770، وهو لم يركّز على حقبةٍ زمنية محدّدة في القصائد، ما ضعضع الاختيارات، وجعل بينها تنافراً مزعجاً؛ وأن نصف أسمائه من شعراء اللغة الاسبانية (إسبانيا والقارة اللاتينية)؛ وأنه تغاضى عن أسماء شعرية مهمّة ومعروفة، ما كان ليكون من الصّعب حصدها وضمّها، من أمثال تور أولفن، وتوفا ديلفسون وأميليا روسيللي وآنا كريستينا سيزار…الخ؛وهولم يكلّف نفسه عناءَ البحث عن أيّ شاعر عربي منتحر”.

وتجدر الإشارة فى هذا المقام أنّ الشّاعرة جمانة حداد كانت قد أصدرت عام 2007 في نشر مشترك ما بين “الدار العربية للعلوم ـ ناشرون”، و” دار النهار” في بيروت، كتاباً كبيراً أثار جدلاً واسعا عند صدوره .إختارت عنوانه من قصيدة للشّاعر الايطالي المنتحر تشيزاري بافيزي: “سيجيء الموت وستكون له عيناك”  المُدرج كذلك فى هذا المقال . (مئة وخمسون شاعراً إنتحروا في القرن العشرين) وهو عبارة عن مختارات شعرية، جمعتها الشاعرة جمانة حداد لشعراء وجدوا في الانتحار تعبيراً نهائياً عن مسيراتهم الإبداعية،  وقد أحصت فى هذا الكتاب خمسة عشر شاعراً عربياً وضعوا حدّاً لحياتهم خلال القرن العشرين، وهم: الشّاعرة اللبنانية أمل جنبلاط ، خليل حاوي (لبنان، 1919-1982)، منير رمزي (مصر، 1925-1945)، عبدالباسط الصّوفي (سورية، 1931-1960)، انطوان مشحور (لبنان، 1936-1975)، تيسير سبول (الأردن، 1939-1973)، عبدالرحيم أبو ذكري (السّودان، 1943-1989)، ابراهيم زاير (العراق، 1944-1972)، قاسم جبارة (العراق، 1955-1987)، عبدالله بوخالفة (الجزائر، 1964-1988)، كريم حوماري (المغرب، 1972-1997)، صفية كتّو (الجزائر، 1944-1989)، أحمد العاصي (مصر، 1903-1930)، فخري أبو السعود (مصر، 1910-1940)، فاروق أسميرة (الجزائر، 1966-1994)، مصطفى محمد (شاعر سوري كردي، 1983-2006).

هواجس بورخيس

الكاتب الأرجنتيني “خورخي لويس بورخيس″، فى قصيدة  له تحت عنوان “الإنتحار ” يقول : ” لن يبقى هناك أيّ نجم في الليل…لن يبقى هناك ليل… سأموت ومعي مجموع… هذا الكون الذي لا يطاق… سأمحو الأهرامات، الأوسمة… القارات والوجوه…سأمحو تراكم الماضي… سأحيل التاريخَ غباراً، والغبارَ غباراً…سأرى آخر شمس شارقة… سأسمع العصفور الأخير… سأوصي العدم إلى لا أحد” . ومعروف أنّ بورخيس لم ينتحر ،ولكنّ الفكرة المشؤومة لابدّ راودته، ودغدغت شياطينَ شعره، وأدبه، لقد واصل الحياة بإمعان وعناد ،وثبات وصمود، وصبر وجَلَدٍ وأناة ،متحديّاً ومتحمّلاً عاهةَ العمىَ التي أصابته خلال رحلة عمره المعنّى إلى أن جاوز الثمانين بسنين، وسئم معها تكاليف الحياة، التي لابدّ أنّها أحوجتْ سمعَه إلى تُرجمان !

الإبداع طريق محفوف بالمخاطر

طريق الأدب، والخَلْق،والإبداع إذن لم يكن دائماً  طريقاً مفروشاً بالورود، والأزهار، والفلّ والقرفل والياسمين، بل إنّ غيرَ قليلٍ من المُبدعين الكبار من أدباء، وشعراء، وكتّاب، ورسّامين، وموسيقييّن ،وسواهم عاشوا حياة الشظف، والفقر، والخصاصة، والعَوَز، والتعاسة، والمعاناة،والإحباط وتجرّعوا كؤوس المرارة، والعنت، والعذاب، والمضض، والتعاسة، وذاقوا طعمَ البؤس، والضّنك، والحِرمان، والإحباط ،وحاق بهم الفشلُ فى حياتهم  فى مختلف جوانبها، فى الحبّ، والزواج، والعمل، والصحّة النفسيّة والبدنيّة،وفى مجالات إبداعاتهم نفسها كذلك. كثير من هؤلاء المبدعين الذين صادفهم سوءُ الطالع فى حياتهم ،ضربوا عرضَ الحائط القاتل نعمةَ الحياة التى وهبها الله لهم، فارتمى بعضُهم فى أحضان التّهلُكة،وغياهب الشّؤم، وزجّوا بأنفسهم فى هوّات التّيه، وفجوات دياجي الظلمات ، وغوايات المروق والضّلالة، ومتاهات الجنون والضلال، مُعجِّلين بخَلاصهم المحتوم. مصير هؤلاء الشّعراء المنكودين،أو المُحبطين يبعث على الشّفقة، والأسى والأسف، وتبعث  أخبارُهم القشعريرةَ فى الجسم، وتثير غيرَ قليلٍ من التساؤلات المحيّرة التى ليس فى مقدور المرء أن يجدَ لها تفسيراً أو تبريراً يقنع بهما نفسه أمام هول هذا التصرّف المُشين.  فيما يلي نماذج من هؤلاء الذين صادفهم سوء الطالع فى رحلة حيواتهم ،مع إطلالات عن إبداعاتهم،وعذاباتهم، ومعاناتهم، وشقائهم، وإحباطهم :

فيرجينيا والمصير المحتوم

 الكاتبة البريطانية الشهيرة فيرجينا وولف(1882-1941) كتبت إلى زوجها  قبيل أن تحشو جيوبَ معطفها بالحجارة وتلقي بنفسها في نهر قريب من منزلها،كتبت تقول:”أشعر أننى أكاد أفقد عقلى،أظنّ أنّنا لا يمكننا أن نتحمّل مرّة أخرى تلك اللحظات الرّهيبة ،لقد بدأت أسمع أصواتاً، ولم أعد أستطيع التركيز، لقد وهبتني كل السّعادة الممكنة، حتى جاء هذا المرضُ اللّعين، وبدّد سعادتنا وأحالها إلى جحيم مقيم لا يطاق، لم يعد فى مقدورى مواجهته، أو مصارعته، بدوني أعرف أنّك تستطيع أن تعمل كذلك، سوف تفعل، إنّني على يقين من ذلك ، لقد أصبحتُ عاجزة حتى عن الكتابة كما ترى، كما أنّنى لم أعد أستطيع القراءة ، لقد كنتَ صبوراً وطيّباً معى إلى أبعد حدود، لقد فقدتُ كلَّ شئ إلاّ طيبوبتك،لا أريد أن أجعل حياتك جحيماً أكثرَ ممّا أنت فيه الآن بسببي ، لم يكن هناك شخصان سعيديْن فى هذه الدّنيا مثلما كنّا نحن الإثنين”.

نيرفال ..أبوالسُّورياليّة

” جيرار لابروني دي نيرفال” (1808 ـ 1855) : كان من أكبر الشّعراء الرومانسيّين الفرنسيّين، زار سورية، ولبنان، ومصر، وشمالَ إفرقيا ، ويؤكّد ” أندريه بريتون” في بيانه السّوريالي الشهيرعام 1924 أنّ نيرفال كان أوّلَ من إستعمل مصطلح السّوريالية فى مقدّمة كتابه “بنات النار” (1854) . كان قد شرع في ترجمة “فاوست”  ل (جوهان فون غوته) الذي تحمّس لهذا العمل لدرجة أنه سلّمه المخطوط الأصلي باللغة الألمانية لهذا الكتاب. وعندما بلغ 26 سنة من عمره ورث ثلاثين ألف فرنك فرنسيّ ذهبيّ. وكان يكتب باسمٍ مستعار وهو نيرفال. أقنعه بلديُّه ومعاصرُه الكاتب الفرنسي الكبير”أونوري دي بلزاك “بإنشاء مجلة بهذا المبلغ، إلاّ أنه بعد مرور سنة واحدة، كان قد أفلس. وعندما بلغ الحادية والثلاثين من عمره، لم يعد لديه مسكن يأوي إليه، وفي عام 1855 إكتشف سكّير متشرّد فى أزقّة باريس جسدَه  مُسجى على الأرض ، مُغطّى بالثلوج. من أعماله” رحلة إلى الشّرق”(1854)،”بنات النار”(1854)،”أوريليا” أو حلم الحياة (1855).

النّوم الأبديّ

” ألفونسينا ستورني” (1892 ـ 1938) :عادت ألفونسينا ستورني من سويسرا إلى بلدها الأرجنتين بعد أن كانت أسرتها قد هاجرت من هذا البلد الأميركي اللاتيني إلى سويسرا.وبعد وفاة والدها، إشتغلت في مصنع للنسيج، كما إشتغلت نادلة ، ثم ممثّلة ، ثم أصبحت بعد ذلك أستاذة في مدرسة اللغات الحيّة عام 1935 ببوينس أيريس، كان هَوَسُها البحث عن المساواة بين الرّجل والمرأة،  ومنذ 1916 نشرت أوّل دواوينها الشعرية، وأصبحت إمرأة مشهورة تقرأ الشعر في الأحياء الفقيرة في بلدها الأرجنتين، كان شِعْرُها حزيناً، عميقاً،مؤثّراً يعانق الآلام، والخوف، ويطفح بالمشاعر الفيّاّضة. وبعد عودتها من رحلتها الثانية لأوروبّا إكتشف الأطباء أنها كانت مريضة بالسرطان، وذات مساء من شهر أكتوبر من عام 1938 خرجت من منزلها وضاعت في غياهب المحيط الهادر ببحر الفضّة بالأرجنتين. بعد أن تركت قصيدة مكتوبة بلون أحمر على ورق أزرق تحت عنوان “سأخلد للنوم الأبدي”. من أعمالها ” قلق غصن الورد “(1916)، ” السّنة الحلوة” (1918) ” الكسل” (1920).

معاناة ” تسفيتيفا “

“مارينا تسفيتيفا ” (1892- 1941) : يعتقد النقاد أن هذه الشّاعرة الرّوسية كانت ضحيّة عصرها، كانت حياتها سلسلة من المعاناة الدائمة، والعذاب المتواصل وقد صادفها سوء الحظ، حيث قادها كل ذلك إلى الإنتحار بعد أن جاوزت سنّ الأربعين بقليل، كانت تنتمي لأسرة ميسورة بورجوازية راقية، ولقد ألحقت الثورة الروسية أضراراً جسيمة بها وبعائلتها، بعد أن صادرت السلطات الرّوسية ثروات زوجها الذي كان يعمل في الجيش الرّوسي، ثم إختفى فجأة بشكل مؤقت، وماتت إبنتها أمامها  تتضوّر جوعا لأنه لم تعد لديها أطعمة تقدّمها لها. وفي عام 1922، تلتقي من جديد مع زوجها ثم تتّجه نحو براغ ثم إلى باريس، حيث تقيم لمدّة أربعة عشر عاماً. وبعد قراءتها نصّا لبلادمير ماياكوفسكي إقتنعت أنّ مكانها الحقيقي هو روسيا، حيث إنتقلت عائلتها قبلها إلى هناك عام 1937 في إنتظار أن تلتحق بها، وبعد سنتين من وصولها إلى بلدها، إكتشفت مارينا تسفيتيفا أنّ إبنتها تمّ إدخالها إلى أحد معاقل التعذيب، وأنّ زوجها قد تمّ إعدامه. فاتّجهت 1941نحو قرية إتبورجا حيث ماتت شنقاً.

فنّ عدم الإستمتاع بالحياة

” سيزاري بافيزي” (1908 ـ 1950) : كتب الشاعر الإيطالي بافيزي ذات يوم يقول “سيأتي الموت وسوف ينتزع عينيك”، إلا أنّ الموت لم يسعَ إليه، بل هو الذي سعى  إلى الحِمَام سعياً حثيثاً بتاريخ 26 أغسطس عام 1950، حيث إبتلع 16 علبة كاملة من الحبوب المنوّمة. أصبح بافيزي يتيماً في سنّ مبكرة وهو لمَّا يتجاوز بَعْدُ الستّ سنوات من عمره ، وعندما بلغ التاسعة عشرة خريفاً كان قد  طفق يعبّر عن ملله، وسأمه من الحياة وتعبه منها على طريقة أبطال ألبرتو مورافيا، حيث كان يسمّي نفسه بـ “أستاذ في فنّ عدم الإستمتاع بالحياة” ! وبعد أن حصل على دكتوراه من تورين عمل في دار النشر إيناودي، وفي عام 1935 حكم عليه بثلاث سنوات سجناً نافذة لتدخله في حياة خليلته السّابقة ” تين ” وخطيبها الذي كان من مسيّري الحزب الشيوعي الإيطالي، وبعد خروجه من السّجن إكتشف أنّ حبيبته ّ “ذات الصّوت الملائكي الحُلو” قد هجرته وتزوّجت غيرَه. وبعد عام 1941 بدأ في نشر الرّوايات الواحدة تلو الأخرى. وعلى الرّغم من النجاح الواسع الذي حققه، فإنّ ذلك لم يكن سبباً كافياً لإستعادة توازنه النفسي، وبعد بضع سنوات وضع حدّاً لحياته.

الحبّ تعاسَة وخِذلانَ

“غابرييل فرّاتير” (1922 -1972) : ينتمي هذا الشاعر لجيل الخمسينات، وهو يُعتبر من أكبر الشّعراء الاسبان الكطلانيين المعاصرين. وصفه نقادُه بأنه كان شديدَ الذكاء والفطنة، إلاّ أنه كان عاثر الحظ، سيّئ الطّالع، قليل المال، كان في غرفة أحد الفنادق، وقد ترك رسالة يقول فيها “الواحد منّا لا يجعل حداً لحياته بسبب حبّ إمرأة، بل إنّه يموت وحسب، لأنّ أيّ حبّ يؤرقنا، ويفضح بؤسَنا، ويعرّي تعاستَنا وخذلانَنا، ويجعلنا نغوص في العدم”. كان باحثاً مجيداً، وناقداً فذاً ،ومترجماً حاذقاً لهمنجواي، وسيزاري بافيزي، كان غابرييل فرّاتير قد حدّد نهاية لحياته في الخمسين من عمره، وقبل إستيفاء الأجل، ربط كيساً من البلاستيك حول رأسه.

القراطيس الصّفر

  ” بيدرو كاسارييغو” (1955 ـ 1993) : كان يقول: ” لو أُطلق يوماً إسمي على أحد شوارع مدريد فإنّه سيكون ولا شكّ شارعاً بارداً” إلاّ أن أشعاره لم  تكن كذلك، بل كانت تحفل بالدفء والحرارة والقوّة، كان يكتب أشعاره وكأنها روايات متشابكة متسلسلة مترابطة، تكوّن في النهاية قصّة محكمة متراصّة شعراً. من أعماله: «الحياة ضجر»، وغنيّة عن التعريف في الأدب الاسباني المعاصر دفاتره «الصفراء والحمراء والزرقاء والخضراء». كان رسّاماً بارعاً كذلك ، وقد خلّف لنا رسومات في جودة متناهية. وفي عام 1993 ولدت إبنته الوحيدة خولييتا التي أهداها إحدى قصصه. إلاّ أنه بعد يومين من نشر هذا الكتاب وضع حدّاً لحياته.

لحظة الغرق

 يتساءل الناقد “غارسيا بوسادا ” هل يحمل الادب الحديث  فى طيّاته بذور السوداوية والشرّ إلى هذه الدرجة؟ على الرّغم من أنّ هذا الأدب هو موسومٌ بآثار الطلائعيين الذين يعتبرون هم بدورهم أبناء شرعييّن للشّعر الرومانسي الحالم، فضلاً عن أنه داخل الأدب فإنّ الشّعر بالذات يُعتبر أرقى ضروب الفنون جميعاً وأرقّها وأرقاها. يشير صاحب الكتاب أنه وضع هذا المؤلَّف تكريماً للفشل مع إعتبارات أخرى، ويكفى أن نذكر هنا أنّ صاحب رواية “الغريب” الفرنسي ألبير كامو علّق ذات يوم على ذلك فأشار أنّ هذا النّوع من الفشل غالباً ما يُقترن بالطموحات الكبرى.إنّ الشّاعر عندما يبحث عن التوازن النفسي فى الحقائق الحياتية ، وفى مواطن ومناهل  الخلق والإبداع الفنيّ التي تناغي ضميرَه، فإنّ ذلك يشبه التعلّق أو التشبّث بكتلة خشب، أوبكومة قشّة  فى لحظة الغرق ، إنّ “غوته” فى بعض شطحاته الفكرية أنقذه أبطالُ أعماله  من التّوىَ، والرّدىَ، والدّمار، فالرّواية الرّومانسية  ظهرت تحت شعار الحبّ القاتل ، واقترنت بأعمق معاني الصّبابة، والجوىَ ،والهوىَ،والجوىَ، والتّيه، والوله،والأُوَام والهُيَام . كلّ هؤلاء هم ضحايا تفكيرهم المنحرف وحُكمهم على الحقائق، والواقع، والأشياء فكانت حياتهم عذاباً مقيماً ،وبينهم وبين الموت والحياة خيط رفيع .إنّ الرّموز التي تطفح بها أشعارُهم، والمِزاج الأسود الذي يطبعهم يزيدنا حيرةً ، ويرسم نصبَ أعيننا علامات إستفهام ضخمة بشأنهم .

شّعراء ملعونون آخرون

ومن الشّعراء الغربيين الآخرين الذين صادفهم سوءُ الطالع فى مِشوار حياتهم ، وواجهوا نفسَّ المصير المحتوم ومعظمهم غير مُدرجين فى كتاب خوسّيه لويس غايّيرو : الإنجليزى طوماس شاترتون(1770-1752) ،والألمانية كارولين غوندرود (1780-1806)،والبرتغاليان أنطيرو دي كينتال (1842- 1891) وماريو دي  ديسكارنيرو(1890-1916) والكولومبي خوسّيه أسونسيون سيلفا (1865-1898)، والنمساوي جورج تراك (1887-1914) ،والسّويسري أرثور كرافن (1887-1920) ،والرّوسي سيرغي إسينين (1895-1925) ،والأرجنتيني فرانسيسكو لوبث ميرينو (1904-1928) ،واليوناني كوستاس كاريوتاكيس( 1896-1928) والرّوسي فلادمير ماياكوفسكي(1893-1930)،والأمريكي هارت كرين (1899-1932)،والشاعرة الإنجليزية سيلفيا بلاث التي  حشرت رأسها  داخل فرن منزلها فى لندن ،والكاتب الأمريكي الذائع الصّيت إرنست همينغواي الذي طار مخّه بطلقة بندقية صيد ، والكاتبة التشيلية فيوليتا بارّا (1917-1967). والإسباني أنخيل غانفيت (1865-1898) وسواهم . وبعض هؤلاء الشّعراء مدرجون فى ” أنطولوجيا الفكاهة السّوداء ” للكاتب الفرنسي السّوريالي المعروف أندريه بريتون، أمّا الشاعر الفرنسي بول فيرلين فقد وضع عام 1884 كتابه “الشعراء الملعونون” ، وهو عبارة عن مختارات، ومنتقيات شعرية أورد فيها شعراء إعتبرهم ملعونين من غير أن يُقْدِمُوا على الإنتحار، ومنهم شارل بودلير، وأرثر رامبو، و ستيفان مالارمي،وسواهم. وقد أدرج فيرلين نفسَه ضمن هؤلاء ” الملعونين. ” !.

*كاتب، وباحث،ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here