د. محمّد محمّد خطّابي: الأرجنتيني إِيرْنِيسْتُو سَابَاتُو..الأديب الذي أنقذه الأدبُ من الموت!

د. محمّد محمّد خطّابي

الكاتب الارجنتيني الكبير” إيرنيستو ساباتو” المتوفىّ  بتاريخ (30/4/2011) عن سنّ تناهز 99 عاما،  هو صاحب الأعمال الرّوائية الذائعة الصّيت في بلده الأرجنتين، وفي أمريكا اللاتينية، وفي العالم الناطق باللغة الإسبانية مثل: “عن الأبطال والقبور”، و”النّفق”، و”ملاك الظلام”، و”أبادّونْ المُهلك” وسواها من الأعمال الأدبية التي بصم فيها   ساباتوعصرَه بكلّ ما تميّزت به بلاده الأرجنتين بالذات من فتن، وقلاقل،ومشاكل، وإضطرابات ، ناهيك عن الجرائم التي إرتكبتها الدكتاتورية العسكريّة فيها، حيث ناءت كاهله مهمّة شاقة عانى منها الكثيرعندما كلّف بها إبّانئذ وهي رئاسته للّجنة الوطنية للبحث عن المفقودين خلال حكم الرئيس الأرجنتيني” راؤول ألفونسين”.

ما أقصرَ العُمر..!

هذا الكاتب كانت له قصّة طريفة مع الموت، وهو لمّا يزلْ في شرخ الشباب، وعنفوان العمر وريعانه ،طرىّ العود، غضّ الإهاب، عندما إدلهمّت، وإسودّت الدنيا في عينيْه في غربته بفرنسا بعيداً عن بلده حيث أشار في مختلف المناسبات ضمن أحاديث مختلفة أجريت معه أنّ الحياة قصيرة جدّاً على الرّغم من عمره المديد، وأنّ مهنة العيش صعبة وشاقة للغاية، ومن متناقضات الحية وسخريتها فى نظره أنّه عندما يبلغ الإنسان النضج، ويبدأ في إدراك خبايا الأمور، والتعمق فيها تداهمه العلل والأمراض، ويهدّه الوهن، ويحدّ من نشاطه وحيويته العياء، ثمّ أخيراً يأتي الموت ويباغته، وقال إنّه كان ينبغي أن يعيش الإنسان على الأقل 800 سنة ..!. ويمكن أن يعتبر هذا مبالغة ، إلاّ أنه أردف قائلاً : “لا غرو،ولا عجب فأنا أحبّ المبالغة في كلِّ شئ “.!

معانقة الحياة..

وقال ساباتو قبيل وفاته :” إنّه وقد شارف المائة من عمره ما زال يتعلّم أصولَ العيش ، وفنّ الحياة التي تحفل بالآلام، والآمال والمحن، والأحزان، وحياة الكاتب أو الفنّان أكثر خطراً وتعقيداً من الآخرين نظراً لحساسيته المفرطة ، وأنّ المرء في بعض الأحيان يتمنّى الموت ويشعر بميل له لجعل حدّ لحياته ، وهذا ما حدث له بالفعل عندما كان في مقتبل العمر ،وعليه فإنّ هذا المشهد كثيراً ما يتكرّر في كتاباته ، إلاّ أنّ أبطاله على النقيض من ذلك ينتهون دائماً بمعانقة الحياة،والتشبّث بتلابيبها، وإقصاء التهلكة عنهم، ولهذا فليس هناك أيّ دين يبيح الإنتحار، بل إنّ جميع الأديان تحرّمه.

الإنبعاث

وقال ساباتو :” إنّ الأدب قد أنقذه من موتٍ محقّق ، وهو يشير في هذا القبيل أنّه في شتاء عام 1935 عندما كان يقيم في باريس، كان يشعر أنّ الدنيا قد أثقلت كاهلَه، وقصمت ظهرَه، حيث كان يعيش أقسى وأعتى وأمرّ سني عمره، وكان يشعر أنّ هوّة سحيقة عميقة مظلمة تنفتح تحت قدميْه روحياً ومادياً ، عندئذ فكّر في أن يجعل حدّاً لحياته ، وأن يلقي بنفسه في نهر “السّين” ،إلاّ أنّه حدث : “أنني سرقتُ كتاباً من إحدي المكتبات وهي مكتبة “جيلبير جون”، التي كانت توجد بجوار هذا النهر المشهور، وذهبتُ إلي إحدى المقاهي في الحيّ اللاتيني، وفتحت الكتاب في صفحته الأولى وقلت مع نفسي سأقرأ هذا الكتاب أوّلاً ثمّ أنتحر..! إلاّ أنّ الذي حدث هو أنّ الكتاب شدّني إليه، و ردّني إلى الحياة بقوّة سحرية خارقة، وبسَط أمامي مباهجَ الحياة، وفضيلةَ التعلّق بها ، فكنت كمن يحاول الفرار من الجحيم إلي الفردوس ،كتبتُ على الفور إلى أمّي فى الأرجنتين، وطلبتُ منها بأن ترسل لي بعض النقود لأعود إلى بلدي حيث إلتحقتُ بمعهد للعلوم وتحوّلت إلي باحث في العلوم ،وبعد أن حصلت على الدكتوراه في هذا الحقل عدتُ من جديد إلى مدينة النور باريس،التي أحسستُ وكأنّني ولدتُ فيها من جديد، وأقنعتني إتصالاتي، وقراءاتي، وصداقاتي مع الكتّاب، والرسّامين السّورياليّين بأن أهجر عالمَ الرياضيات والعلوم من جديد وأن أرتمي في أحضان الأدب والخلق والابداع ففعلت  “.

ويشير “ساباتو” إلى أنّ عودته هذه في الواقع هي عودة إلي حبّه القديم ،الي فلسفته “الفوضوية ” وكان “ساباتو”يعتقد انّنا نعيش نهاية عهد، وبداية عهد آخر، وأنّ العهود الحديثة منذرة بغير قليل من الأخطار، والأعاصيرالحياتية والمفاجآت ، إذ أنه في هنيهة واحدة قد نختفي من على ظهر الخارطة بسبب تلك الكارثة التي تسمّى الطاقة الذريّة ، ولهذا فانّ البشرية لابدّ أن تبدأ من جديد في تركيب وترتيب،وتمحيص وتفحيص أفكار الماضي وإستخراج ما هو صالح منها ،ونبذ الطالح بها .

وعن وظيفة الفنّ  فى الحياة كان ساباتو يقول:إنه يصلح لإنقاذ صانعه،ومبتكره، ومتلقّيه،وقارئيه من الإنهيار ، بل إنه يساعدنا علي مواجهة بعض اللحظات الحالكة والصّعبة في حياتنا ، لحظات العزلة،والوحدة، والحيرة، والقلق، والإرتياب حيال التساؤلات الكبرى ،والألغازالمُحيّرة للوجود التي تطرح علي المرء في لحظات مّا من  مراحل عمره.

الإغريق..الأكثر سعادة

وأشار ساباتو أنّ الإغريق كانوا خيرَ مُربّين لشعوبهم علي المستويين التعليمي والتربوي ، فبحّارة مرفأ مدينة “بيريُّوس” الذين لم يكونوا متعلمين بل أمييّن، مع ذلك كانوا يرتادون المسرح لمشاهدة سوفوكليس، ويوربيديس، وأنيكزوفانيس وسواهم ، وكانوا  يبكون، ويضعون نصب أعينهم مواقف تساعدهم علي إنقاذ ذواتهم، وأنفسهم، ممّا كان يجعلهم أكثرسعادة وإستعداداً لمواصلة العيش وفهم الحياة بشكل أحسن ، أيّ فهم وإستيعاب الجوانب الايجابية والعناصر الصالحة فيها.

ويرى “ساباتو” أنّ تلك هي وظيفة أو رسالة أيّ فنّ عظيم ، حتي وإن كان يبدو ذلك متناقضاً ، خاصّة فيما يتعلق بالتراجيديا ، ليس معني ذلك أنّ هذا اللون من التعبير لا يقدّم أيّ شكل من أشكال الجمال ، فالعكس هو الصحيح ، إلاّ أنّ هذا الجمال ليس من باب الجمال الذي يقدّم لنا ديكوراً في إناء، أو رسماً على فخار، بل إنّه جمال معنوي ، يخاطب الّرّوح والوجدان أكثر ممّا يخاطب العين والأذن. ويختم الكاتب السّاخر حديثه بالقول: ” إنّ مثل هذه الأحاديث تمليها عليه السّنون ، فليس له في هذه السنّ المتقدّمة سوى الحديث بعد أن خبَا ضياءُ عينيه، و قلّ نظرُه حتي كاد يفقده ،وبعد أن كان قد توقف عن القيام بأيّ نشاط عضوي، سوى المشي بتؤدة، وتأنّ،وتريّث،وهدوء بضعَ خطواتٍ قليلة معدودات في باحة بيته. وكأنّ ساباتو فى هذا المعنى  العميق والحزين يُذكّرنا ببيتيْ الشاعر أبي عليٍّ البصيرالبليغين الذي يقول فيهما:

لئنْ كان يهديني الغلامُ لوجهتي   /    ويقتادني في السّير إذ أنا راكبُ

فقد يستضيئُ القومُ بي فى أمورهمْ   /   ويخبُو ضياءُ العينِ والرّأيُ ثاقبُ

سبق لارنستو ساباتو أن حصل عام 1984 على جائزة “سيرفانتس” المرموقة التي تعتبر بمثابة نوبل في الآداب الاسبانية. كما حصل على سواها من الجوائز الأدبية الهامة الأخرى داخل بلاده وخارجها .توفّي ساباتو عام 2011 عن سنّ تناهز 99 عاماً .

*كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب،عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here