د. محمود البازي: سيناريوهات ما بعد إغتيال سليماني.. ردة الفعل العربية ومقارباتها للأزمة بين الولايات المتحدة وإيران

د. محمود البازي

إذا فقد تمت عملية إغتيال قاسم سليماني في العراق بأمر مباشر من الرئيس دونالد ترامب. بعد هذه العملية توجهت أنظار العالم إلى إيران وكُتمت الأنفاس في إنتظار الرد الإيراني. تحركت الوساطات بشكل مباشر للحد من مستوى الرد الإيراني لعل أسرعها الوساطة القطرية.

تزايدت التكهنات حول الرد الإيراني من حيث الطبيعة والشدة والمكان والزمان وهل سيكون هذا الرد عن طريق الحلفاء أم الرد سيكون بشكل مباشر. ولعل أكبر الإهتمامات تتمحور حول ما هي المنطقة التي سيكون فيها الرد.

من المهم التأكيد على أن الرد سيكون بطريقة مباشرة وتوقيع إيراني وهو ما أكد عليه الجنرال سلامي قائد الحرس الثوري الإيراني. وذلك لإن إيران تعرضت لهجوم بشكل مباشر وفي وضح النهار بقتل سليماني. وعندما يُقال بأن هذا الرد سيكون بشكل مباشر نقصد هنا أن الرد لن يكون عن طريق صواريخ “كاتيوشا” يتم إلقائها هنا وهناك بل يتم الحديث عن رد قاس ومؤلم. وتنتطلق فكرتنا هذه من مبدأ أن هذا الرد وشدته لن يقرره الرئيس روحاني أو وزير الخارجية جواد ظريف بل إن من سيتخذ القرار بالرد وشدته هو الدولة العميقة في إيران وعلى رأسها خامنئي. وهذا ما يُفسر تواجد خامنئي بشكل شخصي في إجتماع مجلس الأمن القومي الإيراني صباح اغتيال سليماني في حادثة إستثنائية للغاية.

تحدثت مصادر إيرانية عن تلقي وزارة الخارجية الإيرانية رسالة من الولايات المتحدة أوصلها السفير السويسري في طهران. تفيد هذه الرسالة بدعوة الإيرانيين لرد متناسب مع قتل سليماني ولا يتجاوزه. وهي إن دلت على شيء فهي تدل على عدم رغبة الولايات المتحدة في الدخول بحرب مباشرة مع الإيرانيين وهي تدل كذلك على سوء محاسبة قام بها ترامب في أمر اغتيال الجنرال سليماني. وفي مراجعة سريعة للصحف الإيرانية الصادرة خلال اليومين الماضيين سنلاحظ أن هناك إجماع محلي على الرد وعلى أن يكون الرد قاس. وفي هذا السياق تنتقد صحيفة كيهان بقلم رئيس تحريرها “حسين شريعتمداري” تبادل الرسائل بين وزارة الخارجية الإيرانية والسفير السويسري لا بل ذهب إلى أكثر من ذلك بإنتقاده لجملة وردت في بيان مجلس الأمن الوطني الإيراني وهي بأن “هؤلاء المجرمون سيواجهون انتقاماً شديداً في الزمان والمكان المناسبين”. حيث اعتبر بأن جملة الرد في الزمان والمكان المناسبين تفتقر للشدة والحزم. ويستند الرجل في تحليله هذا وانتقاداته الراديكالية المتكررة ضد الحكومة الإيرانية إلى شبه إجماع شعبي على شخصية سليماني في الداخل الإيراني من إصلاحيين ومحافظين لا بل وفي الأوساط الليبرالية الإيرانية والفئات المتحررة من المجتمع الإيراني بحسب وصف الدكتورة “فاطمة الصمادي” المتخصصة بالشؤون الإيرانية. وبالفعل وبعد مرور أكثر من شهر على الإحتجاجات الشعبية في إيران التي جاءت كنتيجة لرفع أسعار البنزين والتي شملت رقعة واسعة من الجغرافيا الإيرانية يتم الأن الدعوة لوحدة الصفوف وهو ما يقوم به السمؤولون في إيران من إقامة عزاء عمومي في كافة أنحاء إيران لرص الصفوف مرة أخرى. ومن منطلق المراقب للأوضاع في إيران يبدو بأن عملية إغتيال الجنرال قاسم سليماني لم تكن جميع نتائجها سلبية بل يبدو أن الإيرانيون اليوم يسعون لحشد الشارع الإيراني مرة أخرى خصوصا بعد تعالي أصوات مطالبة بالمفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة إذ أصبحت الحجة اليوم أقوى والصوت المعادي للولايات المتحدة مرتفع بشكل أكبر خصوصا بعد العقوبات الأمريكية التي أضرت بالطبقة المتوسطة والفقيرة في إيران.

يبقى توقع منطقة الرد الإيراني غامضا وتبقى كل هذه التوقعات مجرد تكهنات لا يمكن الركون إليها أبدا. إلا أن ما نستطيع التأكيد عليه هو بأن ما أوردته صحيفة “نيوزويك” بقلم “شان كروجير”، من أنه هناك إحتمالية بقصف إيران لمواقع النفط والبنى التحتية في كل من السعودية والإمارات. غير دقيق ويفتقد لقراءة موضوعية ودرك موضوعي للواقع الإيراني. وفي هذا الموضوع نقول بأن عندما نتحدث عن رد إيراني نحن نتحدث عن استهداف مصالح أمريكية مباشرة، والإيرانيون يعتبرون بأن عملية الإغتيال هي موجهة ضدهم ولذلك سيقومون بالرد بشكل مباشر على المصالح الأمريكية في المنطقة ولن يتم استهداف البنى التحتيتة لدول الخليج لمجرد الإنتقام من هذه العملية. ولكن ما زاد الموقف تعقيداً هو اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو شكر فيه ولي العهد السعودية يوم الجمعة. إن لهذا الإتصال الهاتفي دلالات عديدة وهو اتصال من شأنه أن يضر بالمصالح السعودية، إذ من شأنه أن يبعث برسالة إلى الإيراني مفادها بأن السعودية متورطة بشكل أو بآخر بهذه العملية لا بل قد يفهم منه على أنه رسالة غير مباشرة لللإيرانين بأن السعودية يمكن أن تكون مساحة للرد الإيراني. على أي حال نحن استبعدنا نظرية الرد ضد البنى التحتية السعودية ولكننا لا نسبتعد قيام الحوثي بهذه العمليات. إذا ما هو المطلوب مننا كعرب في هذه الظروف والتوترات المحيطة بنا؟

ما هو مطلوب منا اليوم كعرب هو الحياد والإبتعاد عن نار هذه التوترات التي إذا ما استعرت لن تترك أحدا إلا وتلتهمه. وعلينا التصرف بحنكة وصبر تماما كما فعل وزير الخارجية القطري حيث سافر بشكل سريع لطهران في محاولات التوسط والتهدئة. ومن هنا ندعو الدول الخليجية كافة للدخول على خط الوساطة (الكويت، عمان، قطر، السعودية، البحرين والإمارات) وذلك لإن لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب. لإنه إن تمت إستهداف القواعد الأمريكية في أي بلد من هذه البلدان سوف ينهار اقتصادها بشكل سريع ومخيف وهو ما لا نرغب به لإخواننا العرب. ثانيا إن التوترات الموجودة في المنطقة حاليا ليست في صالح أحد من دول المنطقة لإن كل ذلك سيجعل من الموازنات الخليجية الدفاعية ترتفع إلى أضعاف وهو ليس من صالحنا أبدا. الأمريكي مستفيد من هذه التوترات لإنه أكبر مورد للأسلحة في المنطقة. ولذلك على الدول العربية أن تنأى بنفسها عن هذه العمليات وبشكل مباشر. فالدخول بالوساطات ومحاولة فتح قنوات حوار مباشر (كما فعلت الإمارات) أقل تكلفة من نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران.

ما نود قوله نحن نطالب ولي العهد السعودي بفتح قنوات حوار مباشر مع إيران وذلك لتجنّب نيران نحن بغنى عنها. والدعوات السعودية لضبط النفس والتهدئة كانت خطوة غير متوقعة ولكنها بمحلها (إيجابية) من السعودية. وننصحهم ألا ينسوا أن يسكتوا “الجبير”، فهذه الحرب لا ناقة لنا بها ولا جمل.

كاتب ومحلل سياسي/ دكتوراة في القانون

عضو في كرسي حقوق الإنسان (اليونسكو)

albazimahmoud@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here