د. محمود البازي: تخبط السياسة الخارجية الأمريكية ضد إيران.. إقالة جون بولتون خطوة على الطريق الصحيح

د. محمود البازي

كنا تحدثنا في مقال سابق عن توازنٍ تسعى طهران لإيجاده مع الولايات المتحدة قبل الدخول في المفاوضات. إلا أن المسألة تبدو أكثر من مسألة توازن. فبعد ازدياد حدة التوتر بين البلدين لحد التهديد بشن هجمات عسكرية ضد طهران، يبدو أن طهران خرجت منتصرة في هذه الجولة فهي تقول بأن الطائرة المُسيرة دخلت حدودها الإقليمية، وقد تمّ تحذيرها مرات عديدة بل وتحدث المسؤولون الإيرانييون عن طائرة مأهولة تجنبوا قصفها وهو ما أكده الرئيس دونالد ترامب عندما شكر الإيرانيين على عدم قصف تلك الطائرة الأمريكية المأهولة. حققت طهران مكاسب متعددة من هذه الضربة (نتحدث كمحللين وليس كمدافعين) يمكن تلخيصها بما يلي:

  • على المستوى الداخلي أثبتت هذه الضربة للداخل الإيراني أن الوقوف في وجه الولايات المتحدة حقيقة وواقع وليس مجرد ادعاءات، وأثبتت للمعارضة الإيرانية الخارجية أن التعويل على الولايات المتحدة لإسقاط النظام في إيران هو ضرب من الخيال. لإن الولايات المتحدة لا يمكنها تحمل تكلفة مثل هذه الحروب، كما ساهمت برص الصفوف بين الإصلاحيين والأصوليين على المستوى الداخلي، فالحديث عن المقاومة لم يكن كلاما فحسب؛

  • على المستوى العربي: استدعاء القائم بالأعمال الإماراتي حيث نقلت وكالة أنباء فارس إن رئيس دائرة الخليج في وزارة الخارجية الإيرانية أكد خلال لقائه القائم بالأعمال الإماراتي السبت أن إيران “ترفض تقديم التسهيلات (من قبل الدول الأخرى) للقوات الأجنبية للقيام بأي اعتداء على حدود إيران المائية والبرية والجوية”. وأضاف المسؤول الإيراني أن “هذه الدول لا يمكنها أن تتنصل من المسؤولية في مثل هذه الحالات”. تغيرت لهجة الإمارات التهديدية تجاه إيران مباشرة بعد هذا اللقاء وتخلت عن نبرة التهديد والوعيد بالتدخل العسكري بعد تراجع ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران. ظهر ذلك جليا في تصريحات وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، الذي كان يطلق التصريحات النارية ضد إيران قبل أشهر ويهدد بتصعيد عسكري، واليوم خرج بوجه جديد ويؤكد أنه لا حل للتوتر إلا سياسيا. حيث قال “قرقاش” في تغريدة له بتويتر “لا يمكن معالجة التوترات في الخليج إلا سياسياً. الأصوات الإقليمية مهمة في تحقيق حلول مستدامة وأن الحلول السياسية تأتي من خلال الحوار والمفاوضات. واعتبر وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أن الأزمة الممتدة حاليا في المنطقة بسبب “تركيز الجميع على التصعيد وليس إيجاد حلول سياسية”. كنا على يقين مطلق بأن الإمارات ستتبع هذه السياسة نظرا لحنكتهم السياسية التي نشيد بها كل مرة.

  • على المستوى الأمريكي: دفعت الداخل الأمريكي للتظاهر ضد الحرب ومطالبة الرئيس بالانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، فالأمريكيين عانوا الأمرّين في هذه المنقطة. وعلى مستوى آخر أثبتت هذه الأزمة عمق الأزمة داخل الإدارة الأمريكية على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية وهو موضوع مقالنا الذي سنتحدث عنه.

حيث وصف الرئيس الأمريكي مستشاره للأمن القومي جون بولتون “بأنه صقر، وأختلف مع جون بولتون كثيرا، لا سيما في نهجه إزاء الشرق الأوسط والعراق، وهو أيّد التدخل في العراق، وأنا أعتقد أن هذا كان خطأ فادحا، وثبت أنني محق، وكنت دائما ضد هذا الأمر. ولو أن الأمر تُرك لجون بولتون، لأمر بمهاجمة نصف العالم”. هذا الرجل بولتون لا يترك فرصة إلا ويهدد بالحرب فبعد ساعات قليلة من تصريحات ترامب عاد بولتون للقول: “يجب ألا تخطئ إيران أو أي جهة أخرى معادية باعتبار التعقل وضبط النفس الأميركيين ضعفا”،

بإعتقادنا أن أحد أسباب الرفض الإيراني للتفاوض من جديد هو السياسة الخارجية التي يتبعها كل من دونالد ترامب، بومبيو وجون بولتون بالأخص. الرجل يعادي نصف الكرة الأرضية ويهلوس بقصف كل من الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا وفنزويلا.

هذا العداء لإيران هو عداء تاريخي حيث كشف وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق شاؤول موفاز، أن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، سبق وأن حاول إقناعه بمهاجمة إيران، إبّان توليه منصب مندوب واشنطن لدى الأمم المتحدة في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن.

وقال موفاز الذي تولى وزارة الدفاع بين عامي 2002 و2006، في مؤتمر نظمته صحيفة “يديعوت أحرنوت” في تل أبيب: “أعرف جون بولتون منذ كان مندوباً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة”. وأضاف “لقد حاول أن يقنعني بأن إسرائيل بحاجة إلى مهاجمة إيران”.

وأشار إلى أنه يعتقد أن “فكرة الإقناع كانت سيئة”، مضيفاً أنه “لا يرى أن هذا عمل حكيم ليس من جانب الأميركيين فحسب، ولكن من أي شخص آخر، حتى يصبح هذا التهديد حقيقيا”.

ويتبنى بولتون موقفاً معاديا لإيران، بحيث عارض الاتفاق الذي أبرمته القوى الكبرى مع طهران عام 2015، ويدعو مراراً إلى استهداف منشآتها النووية. وفي عام 2015، كتب مقال رأي في صحيفة “نيويورك تايمز” عنونه “لإيقاف قنبلة إيران، أقصفوا إيران بالقنابل”.

من جهة أخرى يقول موقع “فورين بولسي الأمريكي” إنه ومع تنصيب بولتون كمستشار للأمن القومي الأمريكي، حظيت مجموعة مجاهدي خلق –الساعية لتغيير النظام الإيراني– بتعاطف كبير مع مساعيها في البيت الأبيض، بعد أن اعتاد مسؤولو الخارجية الأمريكية على تجنب التعاطي معها في الأوقات السابقة.

لطالما كان بولتون مناصرًا لمنظمة مجاهدي خلق، وقد سبق وأن تحدث في العديد من النشاطات التي عقدتها المنظمة في الماضي. لدى هذه المنظمة، التي تتميز بهيكلها القيادي السري، سجل طويل من العلاقات مع المشرعين الغربيين، والأمريكيين على وجه الخصوص. وهي تعتبر من الخطوط الحمراء للسلطات الإيرانية لإنه وإثر الحرب مع العراق وقفت هذه المنظمة في الجانب العراقي ضد إيران وقامت بعمليات اغتيال عديدة في الداخل الإيراني.

لا يقف دور بولتون عند ذلك فحسب بل هو إلى جانب صهر الرئيس كوشنر أحد مهندسي ما يعرف ب”صفقة القرن” التي تعارضها إيران بشدة وتعتبرها نشاطا معاديا ليس فقط للفلسطينيين بل وضدها هي نفسها.

بومبيو من جهته وضع 12 شرط للدخول بالمفاوضات مع ايران. لسنا في وارد ذكر هذه الشروط لإنه هو نفسه تراجع عنها. وكما دعا في عام 2018 إلى تغيير النظام في إيران. ثم يعود ويقول أن الأمريكيين جاهزين للتفاوض مع إيران دون شروط مسبقة.

كل هذا التخبط بالسياسة الأمريكية ضد ايران يرافقها “وهم” بأن العقوبات الأمريكية على إيران ستدفع إيران إلى التفاوض أو تحرك الشارع الإيراني ضد الحكومة في الداخل واسقاطهم. حسب تحليلنا للمواقف والأحداث نرى بأن هذه السياسة فشلت وستفشل أمام الإيرانيين. فبالرجوع إلى تاريخ ليس ببعيد فقد تحمل صدام حسين الرئيس العراقي السابق العقوبات الأمريكية القاسية 13 سنة ولم يكونوا قادرين على إسقاطه، وهنا نتحدث عن عراق منهك من حرب ثمان سنوات مع ايران وحرب أخرى مع الكويت وحصار دولي ضده.

 واهم من يظن أن ايران ستركع من خلال العقوبات. نعم يعانون من ضعف في بيع النفط والتضخم إلا أنها على ما يبدو فترة مؤقتة، ففي تقريره الدوري المسمى “الآفاق الاقتصادية العالمية”، توقع البنك الدولي بأن الاقتصاد الإيراني سيتخلص من تأثير العقوبات وسيخرج الاقتصاد الإيراني من الركود الذي يعانيه في العام المقبل 2020.

حيث قدّر البنك الدولي نمو الاقتصاد الإيراني لهذا لعام بمعدل نمو سلبي قدره 4.5٪ وتوقع أن يتخلص الاقتصاد الإيراني من هذا الركود العام المقبل وسيكسب نمواً إيجابيا بنسبة 0.9٪.

ناهيك عن المساحة الشاسعة لإيران والتنوع في مصادر الدخل والإنتاج والاكتفاء الذاتي والصناعة المحلية.

الحل:

يدّعي الساسة الأمريكيون ومن خلفهم الرئيس دونالد ترامب أن سياستهم مع ايران هي سياسة “العصا والجزرة”. أما حقيقة الأمر فإن السياسة الأمريكية تلوح بالعصا وحدها، هذه العصا التي لا تخيف الحكومة الإيرانية أبدا ويبدو أنها في طريقها للتغلب على هذه السياسة. من جهة أخرى إقالة كل من “ريك تيلرسون” وزير الخارجية الأمريكي الأسبق و “ماتيس” وزير الدفاع الأسبق، وإحلال كل من “بومبيو” كوزير للخارجية و “جون بولتون” كمستشار للأمن القومي الأمريكي، عقّد الموقف الأمريكي وأدى بدوره إلى تخبط غير مسبوق بالسياسة الخارجية الأمريكية. إقالة جون بولتون داعية الحرب قد يخفف من غضب الإيرانيين بل وقد يجنب العالم كوارث نحن بغنى عنها. من جهة أخرى يتمتع الإيرانيين بخطاب موحد وسياسة خارجية متناسقة فالكل يتفق على أن الوقت غير مناسب للتفاوض ولديهم حجة تعتبر مقنعة بعدم التفاوض وهي: “تفاوضنا في السابق وكانت نتيجة المفاوضات هي الاتفاق النووي والتزمت ايران بهذا الاتفاق بحسب التقارير الدورية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من ترك الاتفاق عليه العودة إليه ورفع العقوبات، ونحن جاهزين للتفاوض بأي موضوع يتم طرحه على الطاولة”.

حتى في حال لم تتم إقالة بولتون، يجب على مهندسي السياسة الخارجية الأمريكية التوافق على صيغة موحدة لخطاب الإيرانيين. هل هي دعوة لتفاوض غير مشروط، أم دعوة لإسقاط النظام، أم دعوة للتفاوض مع 12 شرط يجب على ايران تنفيذها أم دعوة للتفاوض شريطة أن يتضمن الاتفاق الصواريخ البالستية الإيرانية؟

ونحن بدورنا نرى إقالة بولتون خطوة مهمة ومتوقعة من الرئيس الأمريكي على الطريق الصحيح.

دكتوراة في الحقوق/ أستاذ جامعي

كاتب ومحلل سياسي

albazimahmoud@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here