د. محمود البازي: المعارك الدبلوماسية الخاسرة للولايات المتحدة في مجلس الأمن.. هل تخلّت الولايات المتحدة عن قيادة العالم أم تمّ طردها منها؟

د. محمود البازي

بالأمس عُقدت جلسة لمجلس الأمن، وكان موضوع هذه الجلسة هو مشروع قرار أمريكي لتمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران والذي من المقرر أن يتم رفعه في أكتوبر المقبل. تحدث الأعضاء جميعا في هذه الجلسة التي تمت عن طريق تقنية “الفيديو كونفرانس”. كان من بين المتحدثين وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو”. ولخطورة الموقف اليوم على الساحة الدولية رأينا بأن نستعرض ونحلل التصريحات الأمريكية التي تمّ طرحها خلال هذه الجلسة المهمة. حيث أكد بومبيو على أن عدم تمديد حظر السلاح ضد إيران سوف يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. كما سيحول إيران إلى تاجر سلاح وداعم للجماعات الإرهابية.

وللإجابة على هذه التصريحات نقول بأنه في مراجعة تاريخية لأربعين سنة مضت نجد بأن العداء بين الدولتين متجذّر للغاية وقد انعكس هذا العداء على كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والإجتماعية ووصل هذا العداء في بعض مراحله إلى حد المواجهات العسكرية. ولكن يجب القول بأن إيران وعلى الرغم من العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها تعاملت بدبلوماسية ودخلت في مفاوضات ماراثونية استمرت لسنوات (وهذا ليس دفاعا عن إيران بل نقل الحقيقة كما هي). ويكفي للمقارنة بأن نطرح المثال الكوري الشمالي الذي رفض ويرفض الجلوس على طاولة المفاوضات، وحتى عند قبوله للتفاوض جلس منفرداً مع الرئيس ترامب وإلى اليوم لم تصل هذه المفاوضات إلى نتيجة تُذكر سوى صور تذكارية وتهديدات نارية من الطرف الكوري الشمالي ضد الولايات المتحدة وحلفائها وذلك كله بسبب التعنت الأمريكي. أما على الطرف المقابل فانخرطت إيران بالتفاوض لسنوات وتم التفاهم على أصغر وأتفه الجزئيات لينتج عن هذه الجهود أيقونة دبلوماسية سميت “الاتفاق النووي الإيراني”. من جانبها التزمت إيران بتطبيق البنود الواردة في الإتفاق المؤلف من أكثر من 150 صفحة وذلك طبق تقارير وثّقتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين عامي 2015 حتى أوائل العام 2020، وكان هذا التطبيق كاملاً بحسب تقارير الوكالة، واستمرّ هذا التطبيق حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من هذا الإتفاق بشكل فردي، لتُعيد الولايات المتحدة فرض عقوبات صارمة. وتسعى الولايات المتحدة من ذلك إلى تطبيق سياسة بائت بالفشل طوال العامين الماضيين أَطلقت عليها إسم “العقوبات بالحد الأقصى” لتصفير صادرات إيران النفطية.

إن من بدأ بنقض الإتفاق النووي هي الولايات المتحدة وليس إيران. بل وأكثر من ذلك لو استطاعت الدول الأوربية تأمين الحد الأدنى من المطالبات الإيرانية لما شهدنا تقليل الالتزامات من الطرف الإيراني. ولكن الدول الأوربية وإلى اليوم لم تقم بأداء كامل واجباتها ولم تنجح إلى اليوم بتفعيل ألية “انستكس” للتحايل على العقوبات الأمريكية. ونحن بدورنا لم نشهد جدية الطرف الأوربي بتأمين الحد الأدنى الذي تطالب به إيران قانونيا من الإتفاق النووي الإيراني.

بحسب علم الاقتصاد والقانون فالصفقة والعقد والاتفاق يتم بموجب إرادتين أو أكثر لتحقيق مصالح للاطراف الموقعة. فعند عدم تأمين هذه المصالح والشروط التي تم ذكرها بهذه الصفقة أو الاتفاق فيصبح الأطراف بحلٍ من هذه الالتزامات. إن إيران وعلى مدى السنوات الأولى التزمت بشكل كامل ببنود الإتفاق النووي وحصلت بالمقابل على بعض الامتيازات الإقتصادية كتصدير النفط والذي بلغ في بعض الأحيان بين 4 إلى 2 مليون برميل يوميا. ولكن مع انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق وإقرارها لعقوبات اقتصادية شاملة وقاسية لم تحقق إيران أي منافع تُذكر من هذا الاتفاق على مدى العامين الماضيين ووصل تصديرها للنفط بين 500 إلى 200 ألف برميل يوميا. وبقاءوها اليوم في الاتفاق إن دلّ على شيء فهو يدل على أنها اختارت الدبلوماسية لحل المشاكل العالقة بين الأطراف.

لن ينجح بومبيو وحلفائه بتمديد الحظر على إيران وذلك لإن الجلسة التي دعت إليها الولايات المتحدة تحولت إلى جلسة ملامة للولايات المتحدة بسبب انسحابها من الاتفاق النووي. وفي مراجعة سريعة لتصريحات كل من مندوب ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وجنوب افريقيا وبلجيكا نكتشف بأن الجميع حوّل مسار الجلسة من جلسة للنظر في تمديد حظر الأسلحة ضد إيران، إلى دعوات وملامات للولايات المتحدة بسبب انسحابها من الاتفاق النووي ودعوتها للعودة إلى الاتفاق النووي وتطبيق جميع البنود الواردة فيه بالإضافة إلى تطبيق قرار مجلس الأمن ذو الرقم 2231 تطبيقا كاملاً. بالتأكيد تمت دعوة إيران أيضا للالتزام بالاتفاق النووي بشكل كامل أيضاً.

ما نتوقعه من الولايات المتحدة بعد هذا العصيان العظيم من قبل أغلب من شارك، هو أننا سنشهد غضبا حاداً من الرئيس ترامب ضد مجلس الأمن وضد الأمم المتحدة ككل، وقد يقطع التمويل الأمريكي لهذه المنظمة العريقة لإنها لا تحقق ولا تسير وفقاً لرغبات ومصالح الولايات المتحدة، ومن يدري فقد يطالب ترامب بنقل مقر الأمم المتحدة وطردها من بلاده، وللرجل سوابق تاريخية بتعامله مع المنظمات الدولية (كاليونيسكو ومنظمة الصحة العالمية ومحكمة الجنايات الدولية ..إلخ)، مما يجعل توقعنا وتنبأنا هذا ليس ببعيدٍ عن الواقع.

كاتب ومحلل سياسي/ دكتوراة في القانون

مدير قسم دراسات حقوق الإنسان للبلدان العربية في كرسي حقوق الإنسان

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here