د. محمود البازي: السعودية غارقة في المستنقع اليمني وترفض الخروج منه سالمة.. التحديات السياسية والإقتصادية قراءة مختلفة للمشهد السعودي بعد الهجمات الحوثية

د. محمود البازي

تبنى الحوثيون على لسان المتحدث العسكري باسمهم العميد يحيى سريع الهجوم على منشأتي أرامكو، وقال إن الهجوم نفذ بواسطة عشر طائرات مسيرة، وإن الاستهداف كان مباشرا ودقيقا، وجاء بعد عملية استخباراتية دقيقة ورصد مسبق وتعاون ممن وصفهم بالشرفاء.

وأضاف أن بنك أهدافهم في السعودية يتسع يوما بعد يوم، وأن لا حل أمام الرياض إلا وقف “العداون والحصار”.

وتبنى الحوثيون الهجومين السابقين في مايو/أيار وأغسطس/آب الماضيين على منشآت لأرامكو بالمملكة التي تقود تحالفا عسكريا يشن حملة عسكرية جوية في اليمن منذ 2015 ضد الحوثيين. لعل هذا الهجوم هو الأخطر والأعنف منذ حرب الخليج. سنحاول أن نعرض للقارئ العربي قراءة مختلفة نوعا ما عن هذا الحدث وبالتالي سنقسم مقالنا هذا إلى قسمين القسم الأول سنبحث الموضوع سياسيا وفي القسم الثاني سنسلط الضوء على التداعيات الخطيرة لهذا الهجوم من الناحية الإقتصادية على الإقتصاد السعودي والعالمي.

من الناحية السياسية: أسرع الرئيس دونالد ترامب بإدانة الحادث في إتصال هاتفي أجراه مع ولي العهد السعودي وعرض عليه كذلك حماية المنشآت النفطية وحماية المملكة ككل. ولكن السؤال الأساسي هو ألا توجد قوات أمريكية وتجهيزات تديرها الولايات المتحدة في السعودية؟ الجواب هو نعم توجد تجهيزات عسكرية ولوجستية في السعودية تحت قيادة أمريكية إلا أن هذه الأجهزة لم يتم إستخدامها والجدير بالذكر والمثير للإهتمام هو أن الطائرات المسيرة الحوثية قطعت مسافة 1100 كيلومتر للوصول إلى أهدافها بل وضربت أهدافها بدقة عالية جدا. الأقمار الصناعية الأمريكية الآن مشغولة بنشر صور الدخان المتصاعد من آبار النفط ولكنها لم تقم بتحذير السعوديين من خطر الطائرات المسيرة التي اجتازت السعودية وقطعت مسافات خيالية للوصول إلى أهدافها. لعل هذا الصمت هو رسائل مهمة للسعودية كان قد مُهد لها من قبل بدعوة أمريكية للحوار مع الحوثيين. والأغرب من هذا وذاك هو “السبات” الذي تعاني منه القوات السعودية وعجزها الفاضح عن حماية عصب الإقتصاد السعودي. صدعوا رؤوسنا بصفقات الأسلحة التي وقعتها السعودية لشراء منضومات صواريخ وأنظمة دفاعية وهجومية، واقتطعو من قوت المواطن السعودي بحجج الدفاع عن الأمن القومي أمام “الأعداء”، وها هم “الأعداء” يسيّرون طائراتهم فوق الأجواء السعودية ليس للمرة الأولى ولن تكون الأخيرة بعد الكشف عن هذه الإختراقات الأمنية.

إيران وهي العدو المفترض للسعودية أسقطت الطائرة المسيرة الأمريكية المتطورة للغاية لمجرد دخولها الأجواء الإيرانية بحسب ما قاله المسؤولون الإيرانيون. لا بل أن الرئيس الأمريكي قال إن الطائرة لم تدخل الأجواء الإيرانية بل اقتربت منها. النتيجة بكل الأحوال كانت إسقاط طائرة تعتبر من فخر الصناعة الأمريكية. أما السعودية والتي تنادي ليل نهار لمعاداة إيران فشلت بحماية نفسها أمام طائرات مسيّرة لم نعرف نوعها ولم نعرف مدى كفاءتها. وهنا لا بد لنا من أن نسدي النصيحة لأخوتنا في السعودية لا تخلقوا أعداء لأنفسكم تستطيعون تفادي عدائهم بالحوار مبدئيا. لإن 400 مليار دولار تجهيزات عسكرية لم تكن كفيلة بحمايتكم من طائرات مسيرة.

قد يسأل السائل إذا لماذا اتصل ترامب بولي العهد السعودي وعرض الحماية؟ إنّ هذا الاتصال جاء في سياق سياسة الرئيس الأمريكي المتبعة مع السعودية وهي الحماية مقابل الدفع وهي سياسة ناجعة للرئيس الأمريكي تفيده برص صفوف القاعدة الإنتخابية وزيادة شعبيته. (لو كنت مواطن أمريكي لأيّدت الرئيس ترامب بهذه السياسة الناجحة).

بومبيو بدوره اتهم إيران مباشرة وحملّها المسؤولية عن هذا الهجوم بل وقال إنه يدرس مع الحلفاء الرد على هذا الهجوم. من الناحية السياسية لسنا من أولئك الذين يطبلون ويدّعون أن الولايات المتحدة “تعاني”. ولكن نستطيع القول إنها فشلت في تحقيق إجماع دولي بالنسبة لقضية إيران في العديد من المناسبات. فبغير إسرئيل والسعودية لا نجد أحد يصفق لهذه المساعي. فعلى سبيل المثال لا الحصر فشلت الجهود بالضغط على بريطانيا وجبل الطارق بإبقاء حاملة النفط الإيرانية محتجزة هناك وفشل أيضا ما كانت تسعى له الولايات المتحدة من تشكيل تحالف دولي لحماية أمن مياه الخليج ومضيق هرمز وفشلت جهودهم كذلك “بتصفير” صادرات النفط الإيرانية فعلى ما يبدو أن للإيرانيين باع طويل في مقاومة العقوبات ولديهم وسائلهم الخاصة ببيع النفط تحت العقوبات.

وسائل الإعلام السعودية بدورها انبرت لوصف الحوثيين بأنهم “إرهابيو إيران” وشنوا هجمات كلامية “معتادة” ضد الحوثيين ومن خلفهم إيران.

ومن ناحية أخرى لماذا كل هذه الإدانة والإتهامات؟ ألم تشن السعودية حربا شعواء ضربت فيها المدنين في أفراحهم وأتراحهم وقصفت مجالسهم (هذا إذا اعتبرنا أن الحوثيين وأنصارهم المدنين في صنعاء وغيرها من المدن اليمنية مواطنين يمنيين مثلهم مثل عبدربه منصور هادي وأنصاره، وهم لسوا مخلوقات فضائية مهاجرة من المريخ، فالمعتدي السعودية والمعتدى عليه هم اليمنييون) في الحقيقة لا أعلم بحق لما كل هذه الإدانات أليس من حق هؤلاء الدفاع عن أنفسهم؟ أليس ما يجري هناك، هو حرب فيها غالب وفيها مغلوب، فيها السعودية التي قصفت حافلة طلاب وفيها الحوثيون الذين يستهدفون حقول النفط فقط. وللتذكير لم يستهدف الحوثيون إلى اليوم أي منشأة أو مؤسسة مدنية سعودية والحمدلله. وأرجوا ألا يفعلوا.

 لكن المهم في كل هذا هو لماذا لا نشاهد أذرع للسعودية في المنطقة؟ لماذا فشلت السعودية بتحقيق عمق استراتيجي قوي لها في المنطقة يحميها ويضرب بإسمها هنا وهناك؟ الجواب سهل جدا، لإنها عادت كل الشعوب وكل الفئات الإجتماعية وعادت الديمقراطية التي حلم بها الشعب العربي وفقدت بوصلتها وضلت طريقها تائهة في سياسات طائشة وحروب دامية ضد شعوب عربية. السعودية ترزخ تحت ضربات الحوثي وحيدة. وما نقصده بوحيدة نستطيع استنباطه من البيان الحوثي ذاته، فالتهديدات وبنك الأهداف السعودية الذي يتسع يوما بعد يوم بحسب وصف “الحوثيين”، تهديدات موجهة للسعودية وحدها فالإمارات اليوم خارج هذه المعادلة الخطيرة “وإن تضامنت لفظيا”. وهو ما ينم عن توافقات ضمنية بتجنيب الإمارات هذه الهجمات وهي بالفعل خرجت من هذه المعادلة مذ خرجت من اليمن وأعلنت إنسحابها في خطوة ذكية للغاية وأعلنت عن إستدارة جيدة بإتجاه إيران.

من الناحية الإقتصادية:

قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية إن السعودية أوقفت نحو نصف إنتاجها من النفط بعد هجمات الحوثيين على منشآت نفطية أي أن السعودية اُضطرت إلى إيقاف انتاج ما يقارب نحو خمس ملايين برميل يوميا. لم تذكر السعودية مدى الضرر الذي تعرضت له المنشآت النفطية إلا أن الدخان المتصاعد يوحي بأن الحرائق ضخمة وأن إصلاح الضرر سيستغرق أياما إن لم يكن أسابيع. من المتوقع أن تلجأ السعودية إلى الإحتياطي النفطي لتوريد الحاجات النفطية للدول المستوردة للنفط السعودي إلا ان أسعار النفط العالمية يبدو أنها في طريقها للإرتفاع. نذكر تاريخيا أنه في حرب الخليج تضاعفت أسعار النفط بين ليلة وضحاها جرّاء هجوم صدام حسين على الكويت. هذه المخاف من ارتفاع أسعار النفط تثير قلق ترامب للغاية فأخر ما ينتظره ترامب هو إرتفاع أسعار النفط وخصوصا أن القاعدة الإنتخابية للرئيس تنظر إليه كرجل إقتصادي فحسب وتتوقع منه أن يحافظ على أسعار النفط أو حتى يقلل من عبئها على المواطن الأمريكي.

تعيش المنطقة حالة من الغموض خصوصا بعد هجمات الفجيرة فإرتفاع أسعار التأمين والنقل النفطي تضر بالسوق للغاية وتضر بالمصدرين للنفط. من ناحية أخرى شكلت هذه الهجمات ضربة قاسية لجهود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ببيع حصة من أسهم أرامكو. “فرأس المال جبان” كما تقول القواعد الإقتصادية لذلك لن يرغب كبار المستثمرون بالإستثمار في منطقة غير مستقرة وتفتقر للثبات والإستقرار.

ما نحن متأكدون منه هو أن السعودية ستصلح منشآتها النفطية وستعود لتصدير نفطها مرة أخرى ولكن ما نحن لسنا متأكدين منه هو هل سيوقف الحوثيون هجماتهم ضد المصالح السعودية وتعطيلها؟ لا نعتقد ذلك، حرب اليمن تحولت لمستنقع يجر السعودية إلى قاعه يوما بعد يوم وهم مصرّون على الإستمرار.

الحل؟ هو بكلمة واحدة وهو حل متمدن ويحقن الدماء ويحتاج لرغبة سياسية سعودية لحفظ أمنها وحفظ اقتصادها وهو: الحوار.

أستاذ جامعي، دكتوراة في القانون

عضو في كرسي حقوق الإنسان (اليونسكو)، محلل سياسي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. وكم اسمعت ان ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي. يبدو ان ابن سلمان لا يريد إيقاف الحرب لكي لا يتجرع مرارة الهزيمة و لا حل لحرب اليمن الى بأزالة هذا الفتى الطائش مطية ترامب من الحكم و قيادتها من عقلاء العائلة الحاكمة

  2. لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
    حرب اليمن تحولت لمستنقع يجر السعودية إلى قاعه يوما بعد يوم وهم مصرّون على الإستمرار.
    الحل؟ هو بكلمة واحدة وهو حل متمدن ويحقن الدماء ويحتاج لرغبة سياسية سعودية لحفظ أمنها وحفظ اقتصادها وهو: الحوار.
    ترامب أكد أنه يود تجنب اندلاع حرب مع إيران، وقال “الدبلوماسية لا تستنفد أبداً عندما يتعلق الأمر بإيران”، وأضاف “لم أعد السعوديين بحمايتهم”.
    وهم مصرّون على الإستمرار.

  3. تحية طيبة دكتور محمود أنا معجب كثيرا بتحليلاتكم وأود أن اسأل لماذا لا نراك على شاشات التلفزيونات مثل الجزيرة وغيرها؟
    وأستغرب من أن رأي اليوم لم تخصص لكم عمودا تكتبون فيه أرائكم وتحليلاتكم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here