د. محمد عمر غرس الله: سقوط سُلم أولويات الرأي العام العربي في النفق التركي

د. محمد عمر غرس الله

ثمة نظريات علمية خاصة بطرق التأثير على الرأي العام، تعمل بها مؤسسات دولية وإقليمية تستخدم وسائل الإعلام أداة لتحقيق أهدافها، وتستخدم – في هذا – فضاء الفيسبوك كأحد مجالات هذا التأثير في البلدان العربية التي بها نسبة عالية من مستخدمي هذا الفضاء، للتأثير على القطاع العريض من الناس خاصة الشباب، فإنتشار الأخبار السياسية، وتحديد مجريات الاحداث لا يحصل عبثاً، فهذا امر ليس متروكا للصدفة كما يعتقد البعض، وليس أيضاً متروكا لمسألة العرض والطلب كما يترأ لبعض السوقيين (من السوق) الذين يقولون بفكرة أن كل شي خاضع لهذا السوق بما فيها أخبار ومواضيع الأحداث الوطنية والقيمية.

فالمتلقي والمتصفح المنفعل، والمتسرع، والبسيط العابر (أغلب المتصفحين ينتمون لهذه الشريحة) في شيئا ما، لا يمكنه إدراك كنه ما يظهر أمامه من صور، ومقاطع مرئية، ونصوص وأفكار وأوصاف ومصطلحات، وذلك لإختلاف مشارب المتصفحين وتقاطعهم وإنفلاتهم، وهذا الأمر يعرفه قادة نظريات التأثير وفاعليها الكبار، فيقع هذا المتصفح في حبائل الفكرة، ويتحفز لها، وتقوده إلى حيث تريد دون أن يدرك او يعي، بل وهو متحمس ومتحفز، يشبه خروف منطلق ينطح كل من يصادفه.

وفي هذا صار – اليوم – أردوغان خبز الإعلام العربي اليوم يتصدر سُلم أولويات الرأي العام، تعُج بأخباره وسائل الإعلام العربية، ومواقع الفيسبوك العربية أفراد وجماعات، وصارت تركيا حاضرة في أذهان المتصفحين العرب كموضوع محلي، أكثر من حضور أي شيء أخر بعدما تمت إزاحة الإرادة العربية والمعبرين عنها، حيث تم حشر قضايا التاريخ وتوهيم وإستحضار تصور ذهني توهيم (باريدوليا)، يكررها حتى متعلمون ومثقفون وأكاديميون عرب كبار ايضاً، فأنت تلاحظ الخلط في وصف تركيا اليوم بالدول العثمانية، وإستخدام وصف (الخليفة) و (الخلافة) و (السلطان) ..الخ، كوصف لأردوغان، سوى كان هذا الإستخدام من باب المدح او في نصوص النقد، فالمهم أن يبقى الوصف متداول، ويفعل فعله بالإيحاء النفسي، بمعنى إستحذار الفكرة في أذهان الراي العام وعقله الباطن.

وفي هذا لم يلاحظ الناس لماذا يتم توهيم العقل العربي على هذا التصور، ولماذا يوضع الشارع العربي بين كل هذه الاوصاف والمواضيع، ومن وراء ذلك، وبخط موازي، لم يفهم ايضاً كيف ولماذا تم دفع الشارع العربي لتوهيم حالة وتحضيرها، على أن الحاضر يناقش الدولة العثمانية وكأنها موجودة وتمثلها تركيا اليوم، فتلاحظ في هذا الفضاء، تكرار نقاش عن دور الدولة العثمانية، وكأنها حاضرة اليوم بنفس معناها في عصرها، وتم في هذا الخلط بين دور محمد الفاتح ودور بارباروسا، ودور أردوغان اليوم، وما يقوله وما يصرح به وما يفعله.

إذا من إستحضر هذه الحالة وكيف وماذا وراء ذلك، وكيف سقط فيها العربي بمثقفيه ومتعلميه وساسته، بل وسقط في ذلك حتى المجتمع ا لقبلي المتخلف المتعصب الذي لا يحب القبيلة المجاورة لقبيلته، وتحول وفي هذا السياق إلى محب وعاشق للاردوغانية والأذرع التركية يتغزل فيها صباح مساء، وصار داعية للدولة العثمانية ومبرراً لما تفعل تركيا واردوغان، وكأن بلداننا مجرد إيالات عثمانية، وكيف تبدا لهذا العربي أن التدخل التركي، بلسم حضاري نحن بحاجة له، حتى صار فجأة اردوغان زعيم الأسرة العربية تستحضر صورته، وتعدد مفاتنه السياسية، على حساب وضعها الوطن ي والعربي القومي.

أن ما يحدث ليس مجرد حدث طبيعي، بل هو مشروع تم الإعداد له منذ زمن، له خطواته التي أدت لإستدارة تركيا قفاز حلف الناتو، هذه الإستدارة بدأها عمل إعلامي منذ بث القنوات العربية لمسلسل (مهند ونور) التركي مدبلجاً لعربية، بتلك الرومانسية والأحضان والقبلات الساخنة التي غزت تلفزيونات العرب، فهام فيها الشباب المراهق وشيوخ المراهقة المتاخرة، وهو المشروع الذي سارت به سفن تركية موجهة نحو قطاع غزة في أضخم عمل درامي، حشدت له احزاب عربية متأسلمة ومتأخونه، تلقفها الشارع العربي، بعد أن احجم العرب وتم منعهم من تقديم اية مبادرة فعلية تساند للفلسطينيين، بينما منحت الفرصة لأردوغان وتركيا لكي يكسب ود الشارع العربي عبر مسلسلات سفن التضامن مع غزة التي تم تمثيلها في البحر المتوسط، وفي وسط ماساة الفلسطينيين، ظهر فيها البطل (التركي)، الذي أيضاً برز فجأة في حوارات منتدى دافوس، حيث مارس اردوغان دور البطولة بحرفية درامية عالية، يرد على شمعون بيريز، ويخاصمه، أمام الملاء بارعاً في اقتناص الفرصة والحدث، لاعباً للدور بكل جوانحه، الأمر الذي ابرزه الاعلام العربي، (رغم أن تركيا عمليا هي الشريك الإقتصادي الأول للكيان الصهيوني في المنطقة).

وتم ذلك كله بعدما معاداة كل عربي يحاول ان يدعم القضية الفلسطينية عملياً، وهكذا تم فتح مجال المزايدة الرخيصة وتلميع صورة أردوغان وتقديمه لعالم العواطف في المنطقة العربية، وتركيا برئاسته تستحوذ على الشريك الأكبر للكيان الصهيوني.

إنها مسيرة طويلة من عملية (الخداع) و تحديد سُلم اوليات المنطقة، ومن يقودها، حيث تمت إزاحة الأنظمة العربية التي إلى حد ما تساند فعلياً المقاومة القضية الفلسطينية بالسلاح والمال والتدريب الفعلي، ليفسح المجال للدور التركي الأردوغاني، وهذا لم يتم عبثاً، بقدر ما تم عبر سياقات سياسية تدريجية وتلميع بارع، بدأ بتصفية القضية العربية وقادتها وقوميوها، وفتح المجال لسياقات جديدة، تسير في طريق لعبة الأمم، تقدم الأسلامويين بانواعهم وتنوع جماعاتهم، يقودهم أردوغان، قفاز حلف الناتو الإسلاموي، الذي بدأ مهمته في الحرب على جسد سوريا والشعب السوري، وحملته الكبرى على مصر، وعدوانه الغادر الظالم على الشعب العربي الليبي.

أنك ترى بوضوح، تحديد سلم اولويات العرب اليوم، عبر السيطرة الإعلامية المأهولة، وعبر الجماعات، ومنظمات تسيطر بقوة على فضاء التواصل الاجتماعي، حتى صعب على العربي، أن يقنع العربي بأن اردوغان، يعبر عن مصالح تركيا، وموقعها في حلف الناتو، ومصالحها الاقتصاية ونفوذها وهيمنتها، وأنه لا يعبر عن مصالحنا القومية والوطنية، والقبلية، وأن ما يفعله ليس فيه أية مصلحة للعرب وللدول العربية، وأن ما يقوم به ليس سوى عملية هيمنة ونهب، محسوبة في إطار اللعبة الدولية وعبر حلف الناتو.

أن ما يجري تحديد واضح وإدارة لسلم اولويات العرب في إستحضار الدولة العثمانية وأخراج التوهيم من صناديق التاريخ لأغراض لعبة الأمم، وإستحضار العرب إيالات عثمانية، يقول اردوغان بأننا أرث عثماني، وتقول أذرع مشروع (الأردوغاني في تونس (الغنوشي) دون إستحياء أنه لولا تركيا لكانت تونس إلى اليوم تحت سلطة الأسبان، ويقول ذراع الأردوغانية (الصلابي) أن في ليبيا بقايا أتراك وتركيا تحميهم، ويردد متصفحي الفيسبوك بحماس موضوع تركيا وأردوغان بين الشهيق والزفير، دون أية إستحياء وشعور بالإنتماء للأوطان وللأمة، رغم تغنيهم بالوطنية واالقومية والعروبة.

أنما يجري يتطلب منا إستحضار الروح العربية، ارادة وفعل وعمل، وإستنهاض مشاعرها وروحها وارداتها، وإفتكاكها من براثن معامل اللعبة الدولية التي تصنع للمشاهدين والمستمعين وللمتصفحين سلم الأولويات، والمواضيع، والإهتمامات، وتضع في أذانهم وأفواهم وأقلامهم، وبالتالي أذهانهم، ما تريد له أن يكون خبز الاخبار اليومي، ولا يجب علينا جعل تركيا وأردوغان تسيطر على ذهن الشارع العربي العام وسُلم أولوياته، فهذا يعد أولى اولويات مقاومة الهيمنة، فنحن أمة لنا وجودنا وبلدان وشعوب لها ارادتها وسيادتها وقدرتها، ولسنا رعايا لدى أحد، وعلى الذين وقعوا في حبائل هذا المشروع الإستحياء من التاريخ والأوطان، فالذين يصعدون ويتمكنون تحت عباءة الأجانب دائماً يلعنهم التاريخ، وتلعنهم الأوطان، وتصنفهم الشعوب منعدمي الضمير الوطني، وعديمي الشرف.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. مقال قيم للدكتور محمد غرس الله …. في غفلة يساق القطيع الى حيث يريد الرعاة ..بل الى حيث يريد الجزراون…. نعم نحن امة لنا هوية … بل نحن من صنعنا الهوية التي يحاول اردوغان توظيفها ونحن من صنعنا من تركيا في الماضي الأمبراطورية العثمانية … أمة الهداية والدين الحق لايمكن ان تكون تابعة …. بل متبعة … يجب ان تعي هذه ألأمة دورها الحضاري والرباني الذي اوكله لها رب العزة بأنها الأمة الوسطية التي تستوعب كل من يرضى بدين الله وتجعله مساويا لأي عربي في الحقوق والواجبات … علينا ان نعمل على بعث الروح في ابناء هذه ألمة وتنبيههم الى مؤامرات الإعداء التي يزينها لنا الإعلام الموجه ويتم خداع شبابنا بها كل مرة …. علينا ان نحدد بكل وضوح ثوابت هذه الأمة ونجعل شبابنا يؤمنون بها ويتخذونها دليلا لهم لمقاومة المؤامرات التي تستهدف ألمة وكيانها ومستقبل ابنائها ….

  2. ما العيب في “أردوغان”، بل العيب كلّ العيب في “أسيادنا”. أسياد أضحوا عبيدا له و أسودا علينا ! و خير مثال هذه الأيّام هو شيخ النّهضة بتونس. جعل من نهضته عرقلة مستدامة ! و عوض أن تنهض بالبلاد، أناختها، من سنين، بنفس المربض ! أمّا أردوغان فهو يسير ببلاده فيركض ! و المفارقة، أنّهم يغبطونه و يعبدونه، و لا يشاركونه لا في السّير و لا في الرّكض ! و شكرا يا دكتور نعم الفكر و النّظرُ !

  3. ان تعلق الامه بسياسات اردوغان وليس بشخص اردوغان تماما كما تعلقت الامه او كانت على وشك ان تتعلق بالرئيس محمد مرسي العربي فجاءت الايدي الغادره وانقضت عليه وعلى حلم الامه في ايجاد قياده منتخبه مؤمنه تحب بلدها وامتها ، ولهذا السبب واسباب اخرى تتعلق الامه باردوغان لانه يحب بلده وامته ودينه تماما كما احبها مرسي الذي قتلتموه وقتلتم الحلم في قياده مسلمه عربيه .

  4. سلمت يداك دكتور محمد عمر غرس الله .مقال في غاية الحس الموضوعي وهو يرسم شخصية ونفسية وسياسية الديكتاتور النيو-عصملي بدقة وموضوعية
    ولابد من التصدي لأطماعه وعدوانه على البلدان العربية والسورية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here