د. محمد عبد الحكيم كرشيد: لماذا سيساءل البرلمان التونسي رئيسه؟

د. محمد عبد الحكيم كرشيد

في الصيف الماضي أعلن رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي نيته الترشح للانتخابات التشريعية و علل قراره برغبته في النهوض بالعمل البرلماني و الرقي بالحياة السياسية وتحسين صورة الأحزاب بعد أن تآكلت و ترذّلت طيلة السنوات الماضية.

ضن الكثيرون أن هذا الشيخ الذي ناهز الثمانين سنة و تقلب في السياسة لما يقارب ستة عقود قد أكتسب خبرة كبيرة في تسيير المؤسسات السياسية و سيكون عنصر استقرار لتونس عموما و للبرلمان خصوصا و لكن و منذ عقد البرلمان أول جلساته و بدأ رئيسه في تسييره حتى صدم التونسيون في برلمانهم و خاب ضنهم في رئيسه ، لن نخوض هنا في أسباب صدمة التونسيين من برلمانهم فهي كثيرة و معقدة و لكن سنكتفي فقط بخيبتهم من رئيسه.

بدأت مشاكل راشد الغنوشي منذ أن عين مجموعة من المقربين إليه في حزبه مستشارين له في البرلمان و منحهم رواتب و امتيازات وزراء و سَمّاهم بأعضاء ديوانه في حين لم يكن يسمع التونسيون من قبل بديوان لرئيس البرلمان و اقتصرت الدواوين سابقا على السلطات التنفيذية كرئيس الدولة و رئيس الوزراء و الوزراء و ما كن لتعيين راشد الغنوشي مستشارين له أن يثير حفيظة كثير من نواب البرلمان و من التونسيين عموما  لو عينهم من ضمن الكفاءات الوطنية المعروفة أو من أحزاب مختلفة فالبرلمان لجميع التونسيين و لكل أحزابهم كما أن راشد الغنوشي لم يكتف بتعيين مستشاريه من رموز حزبه بل فوضّ لأحدهم حق الإمضاء باسمه و هو تفويض مخالف لنظام البرلمان الذي يجيز له فقط تفويض نوابه باعتبارهم منتخبين من قبل البرلمان لهذه المناصب.

لم يكتف راشد الغنوشي بدوره كرئيس للمؤسسة التشريعية وإنما أخذ يتدخل بشكل متكرر وفاضح في صلاحيات الحكومة فيستقبل المنظمات المهنية ورجال الأعمال وممثلي مختلف الشرائح الاجتماعية ويعدهم بالتدخل لحل مشاكلهم وهو يعرف جيدا أنها ليست من مشمولاته حتى بدا في تنافس حاد مع الحكومة رغم أن حزبه يحض بنصيب الأسد من  بين وزرائها.

لم تقتصر أخطاء الشيخ راشد الغنوشي على السياسة التونسية الداخلية و إنما تجاوزتها إلى السياسة الخارجية التي هي حصرا و بالدستور من اختصاص رئيس الجمهورية و لا شك أن أفدح هذه الأخطاء كانت تجاه موقف تونس من محاور الصراعات العربية والإقليمية فبالرغم من أن رئيس الجمهورية قيس سعيد أعلن أكثر من مرة وبوضوح أن تونس لا تدخل أي محور من محاور الصراع الدائر في المنطقة العربية وأنها ترفض و بقوة أي تدخل أجنبي في شقيقتها ليبيا و أن الحل يجب أن يكون سياسيا و بين الأشقاء الليبيين فإن راشد الغنوشي أعلن أكثر من مرة أنه يدعم الحلف القطري التركي بل أنه تجرأ بعيد تنصيبه رئيسا للبرلمان على الذهاب إلى تركيا و الاختلاء برئيسها دون حضور أي دبلوماسي تونسي وكأنه يريد أن يخفي على التونسيين  ما سيتفق عليه مع رئيس تركيا.

نفس الموقف تكرر الأسبوع الماضي عندما هاتف  راشد الغنوشي رئيس مجلس الدولة في ليبيا فائز السراج و هنئه بانتصاراته على الجيش الوطني الليبي و خاصة سيطرته على قاعدة الوطية وهو يعرف جيدا أن هذه الانتصارات كانت بسبب التدخل التركي الذي ترفضه تونس و لا شك أن ذلك ما دفعه إلى إخفاء فحوى مكالمته عن رؤساء الكتل البرلمانية الذين لم يعلموا بها حسب قولهم إلا من بيان مكتب فائز السراج.

الشيخ راشد الغنوشي يعرف جيدا أن صلاحياته الدستورية لا تخول له التدخل في السياسة الخارجية و أن موقف تونس الرسمي مخالف تماما لما يقوم به و أن أغلب التونسيين ضد التبعية للخارج و أنهم رفعوا منذ سنة 2011 شعار “الشعب التونسي شعب حر لا أمريكا ولا قطر ” و يعرف أيضا أن شقا واسعا منهم ضد الحلف القطري التركي و يعتبر أن لأردوغان مطامع استعمارية في ليبيا و تونس بعد أن هزم في سوريا و لكنه رغم ذلك يأبي إلا أن يستفزهم و يستفز رئيس دولتهم و نواب برلمانهم.

الشيخ راشد الغنوشي الذي يلقبه البعض بأخر دهاة العرب ضل وفيا لمصالح حزبه الداخلية و الخارجية ويبدو أنه ذهب إلى البرلمان ليوظفه لخدمة هذه المصالح و ليجعل من النظام السياسي التونسي نظاما مجلسيا يهيمن فيه مجلس النواب على بقية السلطات و يكون فيه رئيس البرلمان زعيما لتونس و لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه فأغلب النواب و الكتل البرلمانية بما فيها تلك التي أوصلته إلى رياسة البرلمان انقلبت عليه و قررت مساءلته يوم 03 جوان القادم ، فبماذا سيجيبهم و هل سيتمكن من إقناعهم ؟

طبيب و كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here