د. محمد عبد الحكيم كرشيد: في تونس: أزمة كرونا تفضح إنجازات الدولة الوطنية

د. محمد عبد الحكيم كرشيد

   تستنفر كل الدول إمكانياتها المادية و البشرية في مواجهة المخاطر التي تهددها كالحروب أو الأوبئة و تظهر قدرتها على مجابهة هذه المخاطر و التغلب عليها بقدر ما استعدت لذلك قبل حدوثه و أحكمت التصرف فيه عند الحاجة.

   لم تخض تونس منذ أن استقلت في منتصف القرن الماضي حروبا عسكرية تذكر و لم يعش شعبها محنا اجتماعية امتدت لفترات طويلة و حتى الأزمات التي مرت بها بسبب بعض الكوارث الطبيعية كالفيضانات أو الانتفاضات الاجتماعية كانت محدودة في بعض الأماكن وعلى فترات وجيزة و أمكن للدولة تجاوزها دون أثر بالغ.

   تربت أجيال من التونسيين على أن دولتهم الوطنية كرست منذ الاستقلال كل طاقاتها على التنمية و استثمرت في كل المجالات الاجتماعية و خاصة في المجالات الحيوية كالتشغيل والصحة و التعليم و النقل و لكن فئات واسعة من التونسيين و خاصة الشباب  أدركت مع الوقت زيف هذه الإدعاءات  و بطلانها و ما انتفاضاتهم المتتالية إلى اليوم إلا للمطالبة بالتشغيل و المرافق الحياتية و الحياة الكريمة .

    وباء كرونا فضح إنجازات الدولة الوطنية في مجال الصحة و هو المجال الحياتي الذي لا يمكن لأي شعب أن يعيش بدونه حيث لا توفر الدولة إلا 11 مستشفا جامعيا وهو التصنيف الأول للمؤسسات الصحية العمومية القادرة نظريا على الأقل على التكفل بجميع أنواع المرضى  كما أن هذه المستشفيات تتمركز في 5 ولايات في العاصمة و الساحل و صفاقس بينما لا يوجد أي مستشفى جامعي بكمال الشمال الغربي و بالجنوب الممتد على مساحات شاسعة شرقا و غربا مما جعل كل التحاليل للكشف عن الإصابات بمرض كرونا توجه من مختلف أنحاء البلاد إلى مخابر هذه المستشفيات الجامعية .

وكذلك المعاهد و المستشفيات المختصة الحاصلة على التنصيف الثاني فإن عددها لا يتجاوز 18 عشرة و مركزة كلها في شمال البلاد و خاصة في العاصمة.

  أما بقية الولايات في وسط البلاد و دواخلها أين تستشري البطالة و الفقر و يحتاج أغلب مواطنيها إلى الرعاية الصحية و العلاج في القطاع العمومي  فلا توجد غير مستشفيات تفتقر إلى أهم وسائل العلاج علاوة عن أطباء الاختصاص حتى و إن منح لبعضها صفة مستشفى جامعي .

  وزير الصحة الحالي و القيادي في حزب النهضة أقر مطلع الأسبوع الماضي بأن المنظومة الصحية في تونس في وضعية سيئة و ذكر،  في تلميح واضح إلى تقصير النظام السابق ، أنه منذ سنة 1980 لم يبن أي مستشفى جديد و هذا صحيح و لكنه صحيح أيضا أنه لم يبن أي مستشفا منذ مطلع سنة 2011 أي بعد رحيل النظام السابق و تولى حزب النهضة الحكم بعده علما و أن نفس هذا الوزير تولى وزارة لصحة في تلك الفترة ، وزير الصحة أقر أيضا بأن عدد أسرة الإنعاش في تونس لا يتجاوز 300 سرير في القطاع العام وهو عدد قد لا يكفي لولاية واحدة من ولايات تونس لو ، لا قدر الله ، استشرى الوباء كما حصل في دول أروبية متقدمة و غنية مجاورة .

  وزارة الصحة التونسية رغم علمها بانتشار الوباء في مختلف أرجاء العالم منذ أكير من ثلاثة أشهر لم توفر للأطباء و الممرضين في القطاعين العام و الخاص أبسط الوسائل لمقاومته مما تسبب في إصابة بعضهم منذ بداية الوباء.

وباء كرونا فضح بؤس إنجازات الدولة الوطنية على مدى أكثر من ستة قرون، قبل الثورة وبعدها، في مختلف المجالات و خاصة في مجال الصحة وفرض على المواطن أن يتوقى أكثر ما يمكن وأن يلازم منزله و يبتهل إلى الله أن يخفف الوباء على عباده.

طبيب وكاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. المقال كله يرمي الى انتقاد النهضة التى لم تبني مستشفى منذ 11 ونسي ان يذكر الزمن الذي حكمت
    فيه النهضة والتى وجدت من العراقيل ما تشيب له الرؤوس من طرف الاحزاب المتنورة والتى لا يهمها المواطن قدر اسقاط النهضة ، لكن ما الذي فعله الذين تولوا الحكم بعدها حتى يكون المقال منصفا ، لست تونسيا لكن التجني عن حزب لم يحكم الا صوريا ليس عادلا،

  2. هناك إجحاف كبير في حق إنجاز الدولة الوطنية.
    لوضحلي صاحب المقال وهو طبيب كالاف الأطباء الأكفاء في تونس عل يعتبر نفسه من إنجاز الدولة الوطنية أم لا؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here